24/7/2026
نص السؤال:
سلام عليكم صراحة قبل البلوغ كنت في المدرسة ووقع خصام فجرح احد الزملاء فلما ذهبنا عند المدير حدثته عن الواقعة وذكرت له شخصا كان معنا ثم ذهب للفصل ولا أتذكر هل اتهمته ام لا وحمدا لله ان كلامي لم يترتب عليه ضرر لأنني كنت صغيرا و يمكن ان اخطأ المهم فطلب المدير حضوره للتحدت معه فذهبنا عنده للقسم فطلبنا ان يحضر الى المدير فأنا أريد أن أعرف هل أنا سبب خروجه من الفصل و ضياع جزء من حصته ولو صغير علما ان العام كله لم يكن اشهاديا ولا يوجد فيه امتحان في آخر السنة المهم اريد ان اعرف هل انا مذنب ام لا واذا كنت مذنبا كيف أكفر عن خطأي.
الاسم: عمر
وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.
حَفِظَكُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَضَاعَفَ لَكُمُ الْحَسَنَاتَ، وَرَفَعَ لَكُمُ الدَّرَجَاتَ، وَأَجَابَ لَكُمُ الدَّعَوَاتَ.
لَا إِثْمَ عَلَيْكَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْحَادِثَةَ كَانَتْ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَلَمْ يَظْهَرْ أَنَّكَ قَصَدْتَ ظُلْمًا أَوْ تَرَتَّبَ عَلَيْهَا ضَرَرٌ مُعْتَبَرٌ، وَلَا يَلْزَمُكَ كَفَّارَةٌ. وَيَكْفِيكَ الِاسْتِغْفَارُ وَالدُّعَاءُ لِذَلِكَ الشَّخْصِ إِنْ أَحْبَبْتَ.
الْأَصْلُ أَنَّ التَّكْلِيفَ الشَّرْعِيَّ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-
(رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ) الْإِمَامُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ الْمُنْعِمُ جَلَّ وَعَلَا.
فَمَا دَامَ هَذَا الْأَمْرُ قَدْ وَقَعَ قَبْلَ الْبُلُوغِ، فَإِنَّكَ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ شَرْعًا بِالْإِثْمِ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، وَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَعَنْكُمْ عَلَى أَنَّ أَعْمَالَهُ قَبْلَ الْبُلُوغِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا إِثْمٌ.
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَزَّ اسْمُهُ:-
(ذكر بن حِبَّانَ أَنَّ الْمُرَادَ بِرَفْعِ الْقَلَمِ تَرْكُ كِتَابَةِ الشَّرِّ عَنْهُمْ دُونَ الْخَيْرِ وَقَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ هُوَ ظَاهِرٌ فِي الصَّبِيِّ دُونَ الْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ لِأَنَّهُمَا فِي حَيِّزِ مَنْ لَيْسَ قَابِلًا لِصِحَّةِ الْعِبَادَةِ مِنْهُ لِزَوَالِ الشُّعُورِ وَحكى بن الْعَرَبِيِّ أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ سُئِلَ عَنْ إِسْلَامِ الصَّبِيِّ فَقَالَ لَا يَصِحُّ وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَعُورِضَ بِأَنَّ الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْهُ قَلَمُ الْمُؤَاخَذَةِ وَأَمَّا قَلَمُ الثَّوَابِ فَلَا لِقَوْلِهِ لِلْمَرْأَةِ لَمَّا سَأَلَتْهُ أَلِهَذَا حَجٌّ قَالَ نَعَمْ وَلِقَوْلِهِ مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ فَإِذَا جَرَى لَهُ قَلَمُ الثَّوَابِ فَكَلِمَةُ الْإِسْلَامِ أَجَلُّ أَنْوَاعِ الثَّوَابِ) فَتْحُ البَارِي بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ (12/ 121-122).
وَلَقَدْ أَصَّلَ الْفُقَهَاءُ رَضِيَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُمْ وَعَنْكُمْ عَلَى وَفْقِ مَفْهُومِ الْحَدِيثِ قَاعِدَةً فِقْهِيَّةً مُفَادُهَا بِأَنَّ الصَّبِيَّ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، لَكِنْ يُؤْمَرُ بِالْعِبَادَاتِ تَمْرِينًا وَتَعْوِيدًا.
وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ وَعَمَّ نَوَالُهُ.
وَمِمَّا يَزِيدُ الْأَمْرَ طُمَأْنِينَةً: أَنَّكَ لَمْ تَتَعَمَّدِ الظُّلْمَ أَوِ الِافْتِرَاءَ، وَأَنَّ كَلَامَكَ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ ضَرَرٌ حَقِيقِيٌّ لِذَلِكَ الطَّالِبِ، وَإِنَّمَا مُجَرَّدُ خُرُوجِهِ دَقَائِقَ مِنَ الْحِصَّةِ، وَعَلَيْهِ فَالْأَصْلُ أَنَّكَ لَسْتَ آثِمًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمَعَ ذَلِكَ فَكَوْنُكَ تَسْأَلُ بَعْدَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ وَتَخْشَى أَنْ تَكُونَ قَدْ ظَلَمْتَ أَحَدًا، هَذَا دَلِيلُ حَيَاةِ الْقَلْبِ وَحُبِّ الْعَدْلِ، وَهِيَ خَصْلَةٌ عَظِيمَةٌ فِي الْإِسْلَامِ. فَالْإِسْلَامُ يُرَبِّي الْمُؤْمِنَ عَلَى التَّحَرُّزِ مِنْ ظُلْمِ النَّاسِ؛ لِأَنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ عَظِيمَةٌ، قَالَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ:-
{وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 8].
وَقَالَ سَيِّدُنَا النَّبِيُّ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-
(اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ الْفَرْدُ الصَّمَدُ سُبْحَانَهُ.
لَكِنْ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ الْأَخْطَاءَ الَّتِي تَقَعُ فِي الطُّفُولَةِ لَا يُؤَاخَذُ بِهَا الْإِنْسَانُ، بَلْ هِيَ مِنْ طَبِيعَةِ تِلْكَ الْمَرْحَلَةِ.
وَعَلَيْهِ لَا يَلْزَمُكَ شَيْءٌ شَرْعًا، لَكِنْ إِنْ أَرَدْتَ مَزِيدًا مِنَ طُمَأْنِينَةٍ فَهُنَاكَ أُمُورٌ حَسَنَةٌ مِنْهَا الِاسْتِغْفَارُ بِنِيَّةِ تَطْهِيرِ الْقَلْبِ، وَالدُّعَاءُ لِذَلِكَ الزَّمِيلِ بِالْخَيْرِ. وَإِنْ تَيَسَّرَ أَنْ تَلْقَاهُ يَوْمًا فَالتَّلَطُّفُ مَعَهُ وَإِظْهَارُ الْمَوَدَّةِ، وَهَذَا مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ.
وَهَذِهِ الْأَعْمَالُ تَدْخُلُ فِي بَابِ الْإِحْسَانِ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ جَلَّ فِي عُلَاهُ، قَالَ عَزَّ وَجَلَّ:-
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [سُورَةُ النَّحْلِ: 90].
وَقَالَ سُبْحَانَهُ:-
{…..وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [سُوْرَةُ البَقَرَةِ: 195].
وَمِنَ الضَّرُورِيِّ بَيَانُ بِأَنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَحْمِلُونَ فِي ذَاكِرَتِهِمْ أَخْطَاءً صَغِيرَةً مِنَ الطُّفُولَةِ وَيَشْعُرُونَ بِالذَّنْبِ مِنْهَا، مَعَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ أَرْحَمُ بِالْإِنْسَانِ مِنْ قَسْوَةِ ضَمِيرِهِ أَحْيَانًا. فَدِينُ اللَّهِ تَبَارَكَ اسْمُهُ قَائِمٌ عَلَى الْعَدْلِ وَالرَّحْمَةِ، قَالَ سُبْحَانَهُ:-
{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 286].
لِذَلِكَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَشْغَلَ هَذَا الْأَمْرُ قَلْبَكَ؛ أَوْ لَا سَمَحَ اللَّهُ تَعَالَى يَصِلُ حَدَّ الْوَسْوَسَةِ، بَلِ احْمَدِ اللَّهَ عَزَّ شَأْنُهُ عَلَى نِعْمَةِ الضَّمِيرِ الْحَيِّ، وَاجْعَلْهَا دَافِعًا إِلَى مَزِيدٍ مِنَ الصِّدْقِ وَالْعَدْلِ فِي حَيَاتِكَ.
وَمَعَ أَنَّ الْإِثْمَ وَالتَّكْلِيفَ مَرْفُوعٌ عَنِ الصَّبِيِّ قَبْلَ الْبُلُوغِ لَكِنْ هُنَاكَ وَاجِبُ التَّرْبِيَةِ وَالتَّأْدِيبِ عَلَى الْوَالِدَيْنِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُدَرَّبَ الصَّبِيُّ عَلَى الْخَيْرِ وَيُمْنَعَ مِنَ الْأَذَى، لِيَعْتَادَ الصَّوَابَ.
وَهَذا مِنْ حِكَمِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-
(مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ) الْإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ رَحِمَهُ الْوَدُودُ جَلَّتْ صِفَاتُهُ.
وَفَّقَكَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِكُلِّ خَيْرٍ وَبَارَكَ فِيكَ.
وَاللَّهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ أَعْلَمُ.
وَصَلَّى اللَّهُ تَعَالَى وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.