26/7/2026
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
حضرة شيخنا الجليل رضي الله تعالى عنكم وأرضاكم ومتَّعنا وأسعدنا بموفور صحتكم وعافيتكم اللهم آمين..
سيدي.. أرغب في السؤال عن حالة تعتريني، وهي: أنني كلما شرعت في قراءة القرآن الكريم أو قراءة أحد الكتب الشرعية المباركة، يأتيني النعاس بشدة، ثم يعقبه النوم، فيفوت عليَّ ما شرعت في قراءته. وهذه الحالة تحصل لي ولو نمتُ قبلها 6 أو 7 ساعات..
فما هو السبب، والعلاج لذلك سيدي، وهل من دعاء مخصوص أدعو به يُزيل عني ذلك؟
نفعني المولى بأنواركم وتوجهاتكم و ارشاداتكم حضرة شيخي في الدارين آمين..
الاسم: سائل
وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.
جَزَاكُمُ اللهُ خَيْرًا عَلَى دَعَوَاتِكَ، وَأَسْأَلُ اللهَ لَكَ بِمِثْلِهَا وَزِيَادَةً.
إِنَّ هَذِهَ الْحَالَةَ لَهَا أَسْبَابٌ مُتَعَدِّدَةٌ؛ فَمِنْهَا تَثْبِيطُ الشَّيْطَانِ لِلْعَبْدِ لِيَصْرِفَهُ عَنِ الطَّاعَةِ، وَمِنْهَا فُتُورُ النَّفْسِ وَضَعْفُ هِمَّتِهَا، وَقَدْ يَكُونُ أَحْيَانًا بِسَبَبِ اعْتِيَادِ الْقِرَاءَةِ فِي أَوْقَاتٍ يَغْلِبُ فِيهَا النُّعَاسُ، وَالْجُلُوسِ الطَّوِيلِ مِنْ دُونِ حَرَكَةٍ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ تَعَبٍ شَدِيدٍ، وَقَدْ يَكُونُ النُّعَاسُ سَكِينَةً وَطُمَأْنِينَةً وَرَحْمَةً.
قَالَ رَبُّنَا الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ:-
{إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ}[سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 11].
هَذِهِ الْحَالَةُ لَهَا عِدَّةُ أَسْبَابٍ:
1- وَسْوَسَةُ الشَّيْطَانِ؛ فَهُوَ عَدُوٌّ لِلْإِنْسَانِ، وَيُحَاوِلُ بِكُلِّ مَا أُوتِيَ مِنْ كَيْدٍ وَحِيلَةٍ أَنْ يُبْعِدَهُ عَنِ الْخَيْرِ، وَيُوقِعَهُ فِي الشَّرِّ، وَالصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى، وَقَدْ قَالَ جَلَّ شَأْنُهُ بَعْدَ ذِكْرِ بَعْضِ مَكَائِدِ الشَّيْطَانِ:-
{وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 91].
قَالَ الْشَّيْخُ الطَّاهِرُ بْنُ عَاشُورٍ رَحِمَهُ الْغَفُورُعَزَّ اسْمُهُ:-
(وَالذِّكْرُ الْمَقْصُودُ فِي قَوْلِهِ: عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنَ الذِّكْرِ اللِّسَانِيِّ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ الْقُرْآنَ وَكَلَامَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الَّذِي فِيهِ نَفْعُهُمْ وَإِرْشَادُهُمْ، لِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى بَيَانِ أَحْكَامِ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ) التَّحْرِيرُ وَالتَّنْوِيرُ (7/27).
وَمِنَ الْمَعْرُوفِ بِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَسْعَى إِلَى صَدِّ الْمُسْلِمِ عَنْ فِعْلِ جَمِيْعِ الْخَيْرَاتِ، فَيَأْتِي بِجَمِيعِ الْحِيَلِ لِيَصْرِفَ الْإِنْسَانَ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَذِكْرِ الرَّحْمَنِ جَلَّ جَلَالُهُ وَعَمَّ نَوَالُهُ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَوْجُهِ الْإِحْسَانِ.
قَالَ عَزَّ شَأْنُهُ مُبَيِّنًا ذَلِكَ:-
{….ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 17].
قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ:-
(السُّبُلُ الَّتِي يَسْلُكُهَا الْإِنْسَانُ أَرْبَعَةٌ لَا غَيْرُ، فَإِنَّهُ تَارَةً يَأْخُذُ عَلَى جِهَةِ يَمِينِهِ، وَتَارَةً عَلَى شِمَالِهِ، وَتَارَةً أَمَامَهُ، وَتَارَةً يَرْجِعُ خَلْفَهُ، فَأَيُّ سَبِيلٍ سَلَكَهَا مِنْ هَذِهِ وَجَدَ الشَّيْطَانَ عَلَيْهَا رَصَدًا لَهُ، فَإِنْ سَلَكَهَا فِي طَاعَةٍ وَجَدَهُ عَلَيْهَا يُثَبِّطُهُ عَنْهَا وَيَقْطَعُهُ، أَوْ يَعُوقُهُ وَيُبْطِئُهُ، وَإِنْ سَلَكَهَا لِمَعْصِيَةٍ وَجَدَهُ عَلَيْهَا حَامِلًا لَهُ وَخَادِمًا وَمُعِينًا وَمُمَنِّيًا، وَلَوِ اتَّفَقَ لَهُ الْهُبُوطُ إِلَى أَسْفَلَ لَأَتَاهُ مِنْ هُنَاكَ) إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ مِنْ مَصَايِدِ الشَّيْطَانِ (1/104).
2- أَمَانٌ مِنَ اللهِ جَلَّ فِي عُلاَه وَسَكِينَةٌ وَرَحْمَةٌ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ سَادَاتِنَا أَصْحَابِ بَدْرٍ رَضِي اللهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُم وَعَنْكُم:-
{إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 11].
قَالَ الْإِمَامُ الزَّمَخْشَرِيُّ رَحِمَهُ الرَّبُّ الْعَلِيُّ جَلَّ وَعَلَا:-
(أَيْ أَمَنَةً حَاصِلَةً لَكُمْ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، قُلْتُ: يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْأَمَنَةُ بِمَعْنَى الْإِيمَانِ، أَيْ يُنْعِسُكُمْ إِيمَانًا مِنْهُ، أَوْ عَلَى يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ فَتَنْعَسُونَ أَمْنًا) الْكَشَّافُ عَنْ حَقَائِقِ غَوَامِضِ التَّنْزِيلِ (2/203).
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ عَزَّ اسْمُهُ عَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وَعَنْكُمْ:-
(النُّعَاسُ فِي الْقِتَالِ أَمَنَةٌ مِنَ اللَّهِ، وَفِي الصَّلَاةِ مِنَ الشَّيْطَانِ) جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ (7/319).
قَالَ الشَّيْخُ الشَّعْرَاوِيُّ رَحِمَهُ الْبَارِي سُبْحَانَهُ:-
(فَتُبَيِّنُ الْآيَةُ أَنَّ النُّعَاسَ قَدْ غَشَّى الْجَيْشَ كُلَّهُ حَيْثُ كَانَ الْجَمِيعُ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَالْإِيمَانُ يَمْلَأُ قُلُوبَهُمْ جَمِيعًا وَلَا يُوجَدُ بَيْنَهُمْ مُنَافِقٌ أَوْ مُرْتَابٌ فَغَشِيَتْهُمْ جَمِيعًا هَذِهِ الْأَمَنَةُ بِالنُّعَاسِ؛ لِأَنَّهُ يُزِيلُ الْخَوْفَ، وَمِنْ دَلَائِلِ الْأَمْنِ وَالطُّمَأْنِينَةِ وَالثِّقَةِ بِنَصْرِ اللهِ) الْخَوَاطِرُ (8/4598).
3- الْإِرْهَاقُ الذِّهْنِيُّ؛ الْقُرْآنُ يَحْتَاجُ إِلَى تَرْكِيزٍ وَتَدَبُّرٍ، فَإِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ مُتْعَبًا ذِهْنِيًّا فَإِنَّ الْجِسْمَ قَدْ يُتَرْجِمُ هَذَا الْجُهْدَ إِلَى نُعَاسٍ.
4- قِلَّةُ الْحَرَكَةِ أَثْنَاءَ الْقِرَاءَةِ؛ فَالْقِرَاءَةُ الطَّوِيلَةُ فِي وَضْعِيَّةٍ ثَابِتَةٍ -الْجُلُوسِ أَوِ الِاسْتِلْقَاءِ- تُقَلِّلُ النَّشَاطَ الْجَسَدِيَّ فَيَغْلِبُ النَّوْمُ.
5- الْحَالَةُ الْمَرْضِيَّةُ؛ فَقَدْ يَتَعَلَّقُ الْأَمْرُ بِأُمُورٍ صِحِّيَّةٍ، فَيَنْبَغِي سُؤَالُ بَعْضِ الْأَطِبَّاءِ؛ لِأَنَّهُ أَحْيَانًا يَكُونُ هُنَاكَ خُمُولٌ فِي الدِّمَاغِ أَوْ خَلَلٌ يُؤَدِّي إِلَى كَثْرَةِ النَّوْمِ.
وَأَمَّا الْعِلَاجُ فَيَكُونُ بِمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ، وَاخْتِيَارِ وَقْتِ النَّشَاطِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَالْوُضُوءِ، وَالْقِرَاءَةِ بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ، وَالِاسْتِعَاذَةِ بِاللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ مِنَ الشَّيْطَانِ، مَعَ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ النَّفْسَ إِذَا اعْتَادَتِ الطَّاعَةَ نَشِطَتْ لَهَا وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهَا.
وَالِاسْتِعَانَةُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ بِمَا يَأْتِي:
1- تَصْحِيحُ النِّيَّةِ، وَطَلَبُ الْعَوْنِ مِنْ رَبِّ الْبَرِيَّةِ؛ كَمَا قَالَ سَيِّدُنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ لِسَيِّدِنَا مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُ وَعَنْكُمْ حِينَ أَخَذَ بِيَدِهِ:-
(يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ الْفَرْدُ الصَّمَدً سُبْحَانًهُ.
(اللَّهُمَّ أَنْتَ مَطْلُوبِي وَرِضَاكَ مَقْصُودِي).
2- الِاسْتِعَاذَةُ بِاللهِ تَعَالَى مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ؛ كَمَا قَالَ رَبُّنَا الرَّحِيمُ:-
{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [سُورَةُ النَّحْلِ: 98-99].
3- إِذَا ثَبَتَ الْمَرَضُ -لَا قَدَّرَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- فَتَجِبُ الْمُرَاجَعَةُ لِلْأَطِبَّاءِ وَالْأَخْذُ بِنَصَائِحِهِمْ بِصِفَةِ الْوَسَطِيَّةِ وَالِاعْتِدَالِ.
هَذَا وَاللهُ عَزَّ شَأْنُهُ أَعْلَمُ.
وَصَلَّى اللهُ تَعَالَى وَبَارَكَ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ إِمَامِ طَيْبَةَ وَالْحَرَمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.