2/8/2026

نص السؤال:

السلام عليكم .

بارك الله بكم أنا عراقية مغتربة لا استطيع العودة إلى العراق انفصلت لمده ست سنوات ونصف حاولت من خلالها أن أحل قضيه الانفصال بالطلاق لكن الزوج كان رافض وقال لي تبقين معلقه رفعت قضيه طلاق في تركيا وأصبحت مطلقه بحكم المحكمة سؤالي هو هل ما زلت على ذمه الزوج لأنه لم يرمي يمين الطلاق وهل يجب أن ألزم عدة

 

الاسم: سائلة

 

الرد:-

وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.

سُرِرْتُ بِتَوَاصُلِكُمْ مَعَ هَذَا المَوْقِعِ المَيْمُونِ، وَأَعَانَكِ اللهُ تَعَالَى فِي غُرْبَتِكِ وَفَرَّجَ هَمَّكِ إِنَّهُ رَؤُوفٌ بِالعِبَادِ.

 

الجَوَابُ بِاخْتِصَارٍ :

طَلَاقُ المَحْكَمَةِ صَحِيحٌ وَنَافِذٌ شَرْعًا؛ كَوْنُهَا تمتلك صلاحية إِمْضَاءِ الطَّلَاقِ عِنْدَ تَعَنُّتِ الزَّوْجِ أَوْ غِيَابِهِ رَفْعًا لِلضَّرَرِ. وَعَلَيْكِ الِالتِزَامُ بِعِدَّةِ المُطَلَّقَةِ ابْتِدَاءً مِنْ تَارِيخِ صُدُورِ حُكْمِ المَحْكَمَةِ القَطْعِيِّ بِالطَّلَاقِ.

الجَوَابُ بِالتَّفْصِيلِ :

إِنَّ خَيْرَ مَا نَسْتَهِلُّ بِهِ الجَوَابَ عَنْ سُؤَالِكِ هُوَ مِشْكَاةُ الوَحْيِ الإِلَهِيِّ الَّتِي عَالَجَتْ هَذِهِ الحَالَةَ بِدِقَّةٍ، حَيْثُ قَالَ اللهُ تَعَالَى:-

{وَلَن تَسۡتَطِیعُوۤا۟ أَن تَعۡدِلُوا۟ بَیۡنَ ٱلنِّسَاۤءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ فَلَا تَمِیلُوا۟ كُلَّ ٱلۡمَیۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِۚ وَإِن تُصۡلِحُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورࣰا رَّحِیما * وَإِن یَتَفَرَّقَا یُغۡنِ ٱللَّهُ كُلّا مِّن سَعَتِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِیما} [النساء: 129-130].

هَاتَانِ الآيَتَانِ تَرْسُمَانِ لَكِ مَعَالِمَ الحِلِّ؛ فَالأُولَى تُحَرِّمُ مَا فَعَلَهُ الزَّوْجُ مِنْ تَرْكِكِ مُعَلَّقَةً طَوَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، وَالثَّانِيَةُ تَفْتَحُ لَكِ بَابَ الأَمَلِ وَالفَرَجِ بَعْدَ الفِرَاقِ.

وَبِمَا أَنَّكِ لَمْ تَذْكُرِي فِي السُّؤَالِ نَوْعَ وَصِفَةَ المَحْكَمَةِ الَّتِي قَضَتْ بِالطَّلَاقِ فِي تُرْكِيَا، هَلْ هِيَ مَحْكَمَةٌ مَدَنِيَّةٌ أَمْ شَرْعِيَّةٌ، فَإِلَيْكِ تَفْصِيلُ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فِي مَسْأَلَتِكِ الَّتِي هِيَ مِنَ المَسَائِلِ الفِقْهِيَّةِ المُهِمَّةِ الدَّائِرَةِ بَيْنَ الطَّلَاقِ القَضَائِيِّ (المَدَنِيِّ) وَالطَّلَاقِ الشَّرْعِيِّ، وَالَجَوَابُ عَلَيْهَا يَنْقَسِمُ إِلَى شِقَّيْنِ أَسَاسِيَّيْنِ بِنَاءً عَلَى مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ العَمَلُ الفِقْهِيُّ لَدَى المَجَامِعِ الفِقْهِيَّةِ وَدُورِ الإِفْتَاءِ:

أَوَّلًا: حُكْمُ الطَّلَاقِ الصَّادِرِ مِنْ مَحْكَمَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ (تُرْكِيَا)

المَبْدَأُ الأَسَاسِيُّ فِي الشَّرِيعَةِ الإِسْلَامِيَّةِ أَنَّ الطَّلَاقَ يَكُونُ بِيَدِ الزَّوْجِ،

 

لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-

)إِنَّمَا الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ) الإِمَامُ ابْنُ مَاجَه رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.

فَإِنْ تَعَنَّتَ الزَّوْجُ أَوْ تَغَيَّبَ عَنِ المُثُولِ أَمَامَ القَاضِي كَانَ لِلأَخِيرِ حَقُّ تَطْلِيقِ الزَّوْجَةِ المُتَضَرِّرَةِ.

وَمَعَ ذَلِكَ، نَظَرًا لِظُرُوفِ المُغْتَرِبِينَ وَعَدَمِ وُجُودِ قَضَاءٍ شَرْعِيٍّ إِسْلَامِيٍّ فِي بَعْضِ الدُّوَلِ، أَوْ لُجُوءِ الزَّوْجِ لِلإِضْرَارِ بِالزَّوَجَةِ وَتَرْكِهَا “مُعَلَّقَةً“، فَقَدْ أَصْدَرَتِ المجَامِعُ الفِقْهِيَّةُ (مِثْلُ المَجْلِسِ الأُورُوبِّيِّ لِلْإِفْتَاءِ وَالبُحُوثِ) قَرَارَاتٍ تَخُصُّ هَذِهِ الحَالَاتِ:-

إِذَا رَفَعَتِ الزَّوَجَةُ قَضِيَّةَ طَلَاقٍ أَمَامَ مَحْكَمَةٍ مَدَنِيَّةٍ أَجْنَبِيَّةٍ (كَالمَحَاكِمِ التُّرْكِيَّةِ) بِسَبَبِ تَضَرُّرِهَا مِنْ غِيَابِ الزَّوْجِ أَوْ رَفْضِهِ لِلإِنْفَاقِ أَوْ لِتَرْكِهِ لَهَا مُعَلَّقَةً لِسَنَوَاتٍ، فَإِنَّ حُكْمَ المَحْكَمَةِ المدَنِيَّةِ بِالطَّلَاقِ يُعْتَبَرُ نَافِذًا مِنَ النَّاحِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي حَالِ تَعَذُّرِ الوُصُولِ إِلَى قَضَاءٍ شَرْعِيٍّ، وَذَلِكَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ العَظِيمِ عَنِ المرْأَةِ.

أَمَّا رَفْضُ الزَّوْجِ لِلتَّطْلِيقِ وَقَوْلُهُ “تَبْقَيْنَ مُعَلَّقَةً” هُوَ عَيْنُ المُحَرَّمِ الَّذِي نَهَى عَنْهُ القُرْآنُ الكَرِيمُ. قَالَ اللهُ تَعَالَى:-

{فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} [النساء: 129].

وَبِنَاءً عَلَى هَذَا، فَإِنَّ بَقَاءَكِ سِتَّ سَنَوَاتٍ وَنِصْفًا مِنْ دُونِ حَلٍّ، مَعَ إِصْرَارِ الزَّوْجِ عَلَى الإِضْرَارِ بِكِ، يُبِيحُ لِلْمَحْكَمَةِ التَّدَخُّلَ لِرَفْعِ الضَّرَرِ. وَحُكْمُ المَحْكَمَةِ التُّرْكِيَّةِ بِالانْفِصَالِ هُنَا يَرْفَعُ هَذِهِ المُضَارَّةَ، وَبِذَلِكَ لَمْ تَعُودِي عَلَى ذِمَّةِ هَذَا الزَّوْجِ شَرْعًا بِمُوجِبِ هَذَا الحُكْمِ المَدَنِيِّ الَّذِي جَاءَ لِرَفْعِ الضَّرَرِ المُسْتَحْكَمِ.

ثَانِيًا: حُكْمُ العِدَّةِ وَمِيعَادُهَا

بِمَا أَنَّكِ أَصْبَحْتِ مُطَلَّقَةً بِحُكْمِ المَحْكَمَةِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكِ الِالتِزَامُ بِالعِدَّةِ. فَالعِدَّةُ حَقٌّ للهِ تَعَالَى، وَلِتَأْكِيدِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، وَلَا تَسْقُطُ بِالخِلَافَاتِ أَوْ بِمُرُورِ زَمَنِ الانْفِصَالِ قَبْلَ صُدُورِ الحُكْمِ.

تَبْدَأُ العِدَّةُ مِنْ تَارِيخِ صُدُورِ حُكْمِ المَحْكَمَةِ القَطْعِيِّ بِالطَّلَاقِ، وَلَيْسَ مِنْ تَارِيخِ الانْفِصَالِ الفِعْلِيِّ (السَّنَوَاتِ السِّتِّ المَاضِيَةِ).

فَإِذَا كُنْتِ مِمَّنْ تَحِيضُ، فَعِدَّتُكِ هِيَ ثَلَاثُ حَيْضَاتٍ كَامِلَاتٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:-

{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228].

أَمَّا إِذَا كُنْتِ قَدْ يَئِسْتِ مِنَ المَحِيضِ (انْقَطَعَ عَنْكِ تَمَامًا لِكِبَرِ السِّنِّ)، فَعِدَّتُكِ هِيَ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:-

{وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ} [الطلاق: 4].

الخُلَاصَةُ وَالتَّوْصِيَةُ:

حُكْمُ المَحْكَمَةِ التُّرْكِيَّةِ يُعْتَبَرُ فَسْخًا لِعَقْدِ الزَّوَاجِ شَرْعًا لِرَفْعِ الضَّرَرِ وَالتَّعْلِيقِ المَنْهِيِّ عَنْهُ.

يَجِبُ عَلَيْكِ الِالتِزَامُ بِالعِدَّةِ ابْتِدَاءً مِنْ تَارِيخِ صُدُورِ حُكْمِ الطَّلَاقِ وَالمُصَادَقَةِ عَلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ يَحُقُّ لَكِ الزَّوَاجُ مِنْ شَخْصٍ آخَرَ.

أَخِيرًا أَنْصَحُ جَنَابَكِ بِالآتِي:-

نَظَرًا لِأَنَّ مَسَائِلَ الطَّلَاقِ وَالأَحْوَالِ الشَّخْصِيَّةِ فِي الغُرْبَةِ تَتَدَاخَلُ فِيهَا القَوَانِينُ وَالمَدَارِسُ الفِقْهِيَّةُ (خَاصَّةً فِي القَضَاءِ العِرَاقِيِّ وَالتُّرْكِيِّ)، يُسْتَحْسَنُ بِشِدَّةٍ عِنْدَ تَوَفُّرِ الفُرْصَةِ أَوْ القُدْرَةِ، إِرْسَالُ وَثِيقَةِ الطَّلَاقِ التُّرْكِيَّةِ إِلَى جِهَةٍ شَرْعِيَّةٍ مَوْثُوقٍ بِهَا تَرْتَاحِينَ لِتَقْلِيدِهَا، لِتَوْثِيقِ الطَّلَاقِ شَرْعًا وَالِاطْمِئْنَانِ التَّامِّ لِسَلَامَةِ المَوْقِفِ مِنْ كَافَّةِ الجَوَانِبِ القَانُونِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ.

حَفِظَكِ اللهُ تَعَالَى وَتَوَلَّاكِ، وَكَتَبَ لَكِ الخَيْرَ وَالِاسْتِقْرَارَ فِي قَادِمِ أَيَّامِكِ.

وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ.

وَصَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.