14/8/2026
نَصُّ السُّؤَالِ:
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.
أَحْسَنَ اللهُ تَعَالَى إِلَيْكُمْ سَيِّدِي وَرَضِيَ عَنْكُمْ وَبَارَكَ بِعُمُرِكُمْ وَجَزَاكُمْ كُلَّ خَيْرٍ وَتَأْيِيدٍ وَتَمْكِينٍ.
مَا حُكْمُ إِبْقَاءِ الفَأْرِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَضُرُّ عَدَمُ التَّخَلُّصِ مِنْهُ فِي المَصْيَدَةِ ذَاتِ المَادَّةِ اللَّاصِقَةِ حَتَّى المَوْتِ؟ وَهَلْ يَجِبُ قَتْلُهُ قَبْلَ التَّخَلُّصِ مِنْهُ فِي حَاوِيَةِ المُهْمَلَاتِ العَامَّةِ؟
الاسم: عبدالله فؤاد آل محمود
وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ تعالى وَبَرَكَاتُهُ.
شُكْرًا لَكَ عَلَى تَوَاصُلِكَ مَعَ هَذَا المَوْقِعِ المُبَارَكِ المَيْمُونِ، وَبَارَكَ اللهُ تعالى فِيكَ وَأَحْسَنَ إِلَيْكَ.
يَجُوزُ شَرْعًا اسْتِخْدَامُ المَصَائِدِ اللَّاصِقَةِ لِصَيْدِ الفِئْرَانِ للِتَخَلُّصِ مِنْهَا، بِشَرْطِ أَلَّا يُتْرَكَ الفَأْرُ حتى يَمُوتَ جُوعًا أَوْ عَطَشًا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُعَدُّ تَعْذِيبًا مُحَرَّمًا، فَيَجِبُ التَّدَخُّلُ فَوْرَالإِمْسَاكِ بِهِ لِقَتْلِهِ بِطَرِيقَةٍ سَرِيعَةٍ تُرِيحُهُ مِنَ الأَلَمِ.
الفِئْرَانُ تُعْتَبَرُ مِنَ الفَوَاسِقِ الَّتِي أَبَاحَ الشَّرْعُ الشَّرِيفُ قَتْلَهَا وَإِبْعَادَهَا لِدَفْعِ ضَرَرِهَا، وَيَجُوزُ قَتْلُهَا فِي الحِلِّ والحَرَمِ، فَقَدْ صَحَّ عن سيّدِنا رسولِ الله صَلَّى اللهُ تعالى عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ:-
(خَمْسٌ فَوَاسِقُ، يُقْتَلْن (أَوْ يُقْتَلُونَ) فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا) الإِمَامُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
وَقَتْلُهَا بِالإِمْسَاكِ بِهَا بِوَاسِطَةِ المَصَائِدِ اللَّاصِقَةِ وغيرِها جَائِزٌ، لَكِنْ عِنْدَ وُجُودِهِ مُلْتَصِقًا يَجِبُ الإِسْرَاعُ بِقَتْلِهِ بِطَرِيقَةٍ رَحِيمَةٍ وَسَرِيعَةٍ، لَا أَنْ يُتْرَكَ مُلْتَصِقًا بِالمَصْيَدَةِ بِدُونِ طَعَامٍ وَشَرَابٍ لِيَتَعَذَّبَ وَيَمُوتَ بِبُطْءٍ عَلَى مَدَى أَيَّامٍ، فَهَذَا مَّا يَحْرُمُ شَرْعًا؛ لِأَنَّ القَتْلَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ محرمٌ، وهو مايُسمى بالقَتلِ صَبْرًا، وَالإِسْلَامُ العظيمُ نَهَانَا عَنْ ذلِكَ
فعَنْ سيدِّنا جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُ، قَالَ:-
(نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْتَلَ شَيْءٌ مِنَ الدَّوَابِّ صَبْرًا) الإِمَامُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ.
وَالقَتْلُ صَبْرًا، هُوَ أَنْ يُحْبَسَ الحَيَوَانُ حَتَّى يَمُوتَ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الإِيذَاءِ وَالتَّعْذِيبِ لَهُ.
وَقَدْ أَمَرَنَا الإِسْلَامُ بِالإِحْسَانِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى فِي قَتْلِ الحَيَوَانِ، فعَنْ سيدنا شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، قالَ:- قالَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ تعالى عليه وآله وصحبه وَسَلَّمَ:-
(إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ) الإمام مُسْلِمٌ رَحِمَهُ المنعم تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
فَاجْتَهِدُوا فِي شُكْرِ اللَّهِ عَلَى نِعْمَةِ هَذَا الدِّينِ الْقَوِيمِ، دِينُ الْجَمَالِ فِي رُوحِهِ، وَالْإِحْسَانِ فِي مُعَامَلَتِهِ، وَالرَّحْمَةِ فِي كُلِّ شُؤُونِهِ، وَعَضُّوا عَلَيْهِ بِالنَّوَاجِذِ، فَإِنَّهُ الْهَدْيُ الَّذِي لَا يَضِلُّ مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ، وَالْأَمَانُ الَّذِي لا يخافُ مَنْ يَرْكَنُ إِلَيْهِ.
فَالْإِسْلَامُ دِينُ الْإِحْسَانِ وَالرَّحْمَةِ، وَهَذِهِ الرَّحْمَةُ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى الْإِنْسَانِ وَحْدَهُ، بَلْ هِيَ رَحْمَةٌ شَامِلَةٌ لِلْعَالَمِينَ؛ كَمَا قَالَ اللَّهُ الحق سبحانه:–
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [سورة الأنبياء عليهم السلام: 107].
رَحْمَةٌ وَسِعَتِ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ، وَالْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ، بَلْ حَتَّى الْبَهَائِمَ الَّتِي لَا تَعْقِلُ كَانَ لَهَا نَصِيبٌ مِنْ هَذِهِ الرَّحْمَةِ.
وَقَدْ قَالَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ، الرَّحْمَةُ الْمُهْدَاةُ وَالنِّعْمَةُ الْمُسْدَاةُ، عَلَيْهِ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ مَا دَامَتِ الْأَرْضُ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ الْعُدُولِ التُّقَاةِ:-
(الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ) الإمامُ أَبُو دَاوُدَ رحمه الودود سبحانه.
وَلَيْسَتْ هَذِهِ الرَّحْمَةُ شِعَارَاتٍ تُعَلَّقُ على الجدران، بَلْ هِيَ أَحْكَامٌ تُطَبَّقُ وَسُلُوكٌ يُعَاشُ؛ فَفِي سَقْيِ الْحَيَوَانِ أُجُورٌ، وَفِي تَعْذِيبِهِ إثَمٌ وَأَوْزَارٌ.
وَقَدْ أَخْبَرَنَا سيدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ:-
(عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها ولا سقتها، إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض) الإمام البخاري رَحِمَه الباري تعالى.
فَأَيْنَ جَمْعِيَّاتُ الرِّفْقِ بِالْحَيَوَانِ مِنْ هَذَا الْأَدَبِ السَّامِي؟ بَلْ أَيْنَ هِيَ مِمَّا يَلْحَقُ بالْحَيَوَانَاتِ مِنْ أَذًى وَتَنْكِيلٍ فِي مَسَابَقَاتٍ وَحْشِيَّةٍ قَاسِيَةٍ؛
كَالتَّحْرِيشِ بَيْنَ الطُّيُورِ وَالْبَهَائِمِ فِي مُصَارَعَاتِ الدِّيَكَةِ وَالْكِبَاشِ، أَوْ اتِّخَاذِ الْحَيَوَانِ وَالطَّيْرِ غَرَضاً لِلتَّرَامِي بِالرَّصَاصِ، مُدَّعِينَ أَنَّ ذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ الرُّقِيِّ وَالْحَضَارَةِ!
وَأَيْنَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ دُعَاةُ الرَّحْمَةِ، وَيَتَشَدَّقُونَ بِحُقُوقِ الْإِنْسَانِ صَبَاحَ مَسَاءَ، وَهُمْ أَكْثرُ مَنْ يَنْتَهِكُ حُرْمَتَهَا؟ فَالْأَمْسُ وَالْيَوْمُ يَشْهَدَانِ بِإِشْعَالِهِمُ الْحُرُوبَ، وَسَفْكِهِمُ الدِّمَاءَ، وَتَدْمِيرِهِمُ الْبُلْدَانَ، وَتَجْوِيعِهِمُ الشُّعُوبَ؛ فَلَا يُقِيمُونَ وَزْناً لِلْإِنْسَانِ الَّذِي كَرَّمَهُ اللَّهُ تبارك وتعالى وَفَضَّلَهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِهِ، إِذْ يَقُولُ جَلَّ جَلَالُهُ:–
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} [سورة الإسراء: 70].
وَاللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَصَلَّى اللهُ تَعَالَى وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى صَاحِبِ الوَجْهِ الأَنْوَرِ وَالجَبِينِ الأَزْهَرِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.