8/9/2026
نَصُّ السُّؤَالِ:
سَيِّدِي حَضْرَةَ الشَّيْخِ الدُّكْتُورِ سَعْدِ اللهِ الْبَرْزَنْجِيِّ ، حَفِظَكُمُ اللهُ تَعَالَى.
السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.
أَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُبَارِكَ فِي عُمُرِكُمْ، وَيَنْفَعَ بِكُمْ وَبِعِلْمِكُمْ.
هَلْ يَجُوزُ اسْتِخْدَامُ أَبْجَدِيَّةِ الصُّمِّ أَوْ مَا يُعْرَفُ بِـ (التَّهَجِّي الْأَصْبَعِيِّ) لِطِبَاعَةِ الْمُصْحَفِ الشَّرِيفِ لِلصُّمِّ وَالْبُكْمِ؟
فَقَدْ تَمَّ إِصْدَارُ مُصْحَفٍ شَرِيفٍ، كُلُّ حَرْفٍ فِيهِ يُقَابِلُهُ إِشَارَةٌ بِأَصَابِعِ الْيَدِ؛ فَمَثَلاً حَرْفُ الْأَلِفِ يُقَابِلُهُ رَفْعُ الْإِبْهَامِ مَعَ قَبْضِ بَاقِي الْأَصَابِعِ، وَحَرْفُ الْبَاءِ يُمَثَّلُ بِرَفْعِ السَّبَّابَةِ كَمَنْ يُشِيرُ بِالتَّشَهُّدِ إِلَى الْأَعْلَى، وَحَرْفُ الْمِيمِ يُقَابِلُهُ رَفْعُ الْخِنْصَرِ إِلَى الْأَعْلَى مَعَ قَبْضِ بَاقِي الْأَصَابِعِ، …، وَهَكَذَا.
وَقَدْ صَدَرَتْ طَبْعَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ مِنْ هَذَا الْمُصْحَفِ:
إِحْدَاهُمَا وُضِعَتْ فِيهَا الرُّمُوزُ الْإِشَارِيَّةُ مُتَدَاخِلَةً مَعَ كَلِمَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.
وَفِي الثَّانِيَةِ وُضِعَ النَّصُّ الْقُرْآنِيُّ فِي سَطْرٍ، وَيَلِيهِ سُطُورٌ فِيهَا هَذِهِ الرُّمُوزُ.
فَمَا حُكْمُ طِبَاعَةِ مِثْلِ هَذَا الْمُصْحَفِ؟
وَجَزَاكُمُ اللهُ تَعَالَى خَيْرًا.
الاسم: أحمد
وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.
وَحَيَّاكُمُ اللهُ جَلَّ فِي عُلَاهُ يَا وَلَدِي الْمُبَارَكُ، وَبَارَكَ فِيكُمْ، وَشَكَرَ لَكُمْ هَذَا الْحِرْصَ عَلَى كِتَابِ اللهِ تَعَالَى وَعَلَى إِخْوَانِنَا مِنْ ذَوِي الِاحْتِيَاجَاتِ الْخَاصَّةِ.
لاَ يَجُوزُ شَرْعًا طِبَاعَةُ الْمُصْحَفِ الشَّرِيفِ بِالرُّمُوزِ الْإِشَارِيَّةِ إِذَا كَانَتْ مُتَدَاخِلَةً مَعَ الْكَلِمَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ (كَمَا فِي الطَّبْعَةِ الْأُولَى الَّتِي ذَكَرْتَهَا)، سَدًّا لِذَرِيعَةِ التَّحْرِيفِ، وَحِفَاظًا عَلَى الرَّسْمِ الْعُثْمَانِيِّ.
أَمَّا وَضْعُ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ مُسْتَقِلًّا بِالرَّسْمِ الْعُثْمَانِيِّ فِي سَطْرٍ، وَيَلِيهِ سُطُورٌ لِلرُّمُوزِ الْإِشَارِيَّةِ التَّعْلِيمِيَّةِ (كَالطَّبْعَةِ الثَّانِيَةِ)، فَهُوَ جَائِزٌ شَرْعًا، بِشَرْطِ أَنْ يُعَدَّ هَذَا الْعَمَلُ (كِتَابًا تَعْلِيمِيًّا) وَلَا يُسَمَّى (مُصْحَفًا)؛ وَذَلِكَ تَيْسِيرًا لِإِخْوَانِنَا مِنَ الصُّمِّ وَالْبُكْمِ.
اعْلَمْ يَاوَلَدِي الْمُبَارَكُ أَنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ هُوَ كَلَامُ اللهِ الْمُعْجِزُ، وَقَدْ تَكَفَّلَ سُبْحَانَهُ بِحِفْظِهِ، فَقَالَ تَعَالَى:-
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [سُورَةُ الْحِجْرِ: 9].
فَسَخَّرَ الْمَوْلَى جَلَّ جَلَالُهُ عَلَى تَعَاقُبِ الْأَزْمَانِ مَنْ يَقُومُ بِهَذِهِ الْمُهِمَّةِ الشَّرِيفَةِ تَصْدِيقًا لِوَعْدِهِ الْمُبَارَكِ، وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى وُجُوبِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى كِتَابَتِهِ بِالرَّسْمِ الْعُثْمَانِيِّ.
وَلِبَيَانِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الدَّقِيقِ لِهَاتَيْنِ الطَّرِيقَتَيْنِ فِي الطِّبَاعَةِ، أَضَعُ بَيْنَ يَدَيْكَ هَذِهِ النِّقَاطَ وَفْقَ هَدْيِ حَضْرَةِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ، صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ:-
أَوَّلًا:- وُجُوبُ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الرَّسْمِ الْعُثْمَانِيِّ (إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ):-
لَقَدْ أَجْمَعَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَى وُجُوبِ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ بِالرَّسْمِ الْعُثْمَانِيِّ الَّذِي كُتِبَ فِي عَهْدِ سَيِّدِنَا عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، وَلَا يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ أَوْ تَبْدِيلُهُ أَوْ كِتَابَتُهُ بِأَيِّ حُرُوفٍ أَوْ رُمُوزٍ أُخْرَى دَاخِلَ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ.
قَالَ الْإِمَامُ مَكِّيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -رَحِمَهُ اللهُ جَلَّ فِي عُلَاهُ-:
(إِنَّ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ كُلَّهَا الَّتِي يَقْرَأُ بِهَا النَّاسُ الْيَوْمَ، وَصَحَّتْ رِوَايَتُهَا عَنِ الْأَئِمَّةِ، إِنَّمَا هِيَ جُزْءٌ مِنَ الْأَحْرُفِ السَّبْعَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ، وَوَافَقَ اللَّفْظُ بِهَا خَطَّ الْمُصْحَفِ، مُصْحَفِ عُثْمَانَ الَّذِي أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ فَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَيْهِ، وَاطَّرَحَ مَا سِوَاهُ مِمَّا يُخَالِفُ خَطَّهُ) الإِبَانَةُ عَنْ مَعَانِي الْقِرَاءَاتِ، (32).
وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ كِتَابَةَ الْقُرْآنِ بِغَيْرِ الرَّسْمِ الْعُثْمَانِيِّ تُعَدُّ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْعَبَثِ الَّذِي يَجِبُ سَدُّهُ لِلْحِفَاظِ عَلَى قُدْسِيَّةِ النَّصِّ.
ثَانِيًا:- حُكْمُ الطَّرِيقَةِ الْأُولَى (الرُّمُوزُ الْإِشَارِيَّةُ الْمُتَدَاخِلَةُ مَعَ النَّصِّ):-
هَذِهِ الطَّرِيقَةُ غَيْرُ جَائِزَةٍ وَمَمْنُوعَةٌ شَرْعًا؛ لِأَنَّ تَدَاخُلَ صُوَرِ الْأَيْدِي وَالْإِشَارَاتِ مَعَ الْحُرُوفِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْكَلِمَاتِ يُخِلُّ بِهَيْئَةِ الْمُصْحَفِ الشَّرِيفِ، وَيُخْرِجُ النَّصَّ عَنْ رَسْمِهِ الْعُثْمَانِيِّ الصَّافِي، وَقَدْ يُؤَدِّي مَعَ مُرُورِ الزَّمَنِ إِلَى اخْتِلَاطِ الرُّمُوزِ بِالنَّصِّ الْقُرْآنِيِّ، وَهَذَا يَتَنَافَى مَعَ تَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللهِ وَكَلَامِهِ.
قَالَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ:-
{ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [سُورَةُ الْحَجِّ: 32].
وعَنْ سَيِّدنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، رَضِيَ اللهُ تعالى عَنْهُ- قَالَ:-
(جَرِّدُوا الْقُرْآنَ، يَقُولُ: لَا تُلْبِسُوا بِهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ) مُصَنَّفُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (5/ 60).
وَجَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْعَالَمْكِيرِيَّةِ:
(وَيَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ كِتَابَةَ الْقُرْآنِ أَنْ يَكْتُبَهُ بِأَحْسَنِ خَطٍّ وَأَبْيَنِهِ عَلَى أَحْسَنِ وَرَقٍ وَأَبْيَضِ قِرْطَاسٍ بِأَفْخَمِ قَلَمٍ وَأَبْرَقِ مِدَادٍ، وَيُفَرِّجَ السُّطُورَ وَيُفَخِّمَ الْحُرُوفَ وَيَضُمَّ الْمُصْحَفَ وَيُجَرِّدَهُ عَمَّا سِوَاهُ مِنَ التَّعَاشِيرِ، وَذِكْرِ الآيِ وَعَلَامَاتِ الْوَقْفِ صَوْنًا لِنَظْمِ الْكَلِمَاتِ كَمَا هُوَ مُصْحَفُ الْإِمَامِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ) الْفَتَاوَى الْعَالَمْكِيرِيَّةُ الْهِنْدِيَّةُ: (5/ 323).
فَقَوْلُهُمْ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ:- (وَيُجَرِّدَهُ عَمَّا سِوَاهُ) نَصٌّ صَرِيحٌ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْأَشْكَالِ وَالرُّمُوزِ لَا يَجُوزُ إِدْخَالُهَا ضِمْنَ النَّصِّ الشَّرِيفِ.
ثَالِثًا:- حُكْمُ الطَّرِيقَةِ الثَّانِيَةِ (فَصْلُ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ عَنِ الرُّمُوزِ):-
هَذِهِ الطَّرِيقَةُ جَائِزَةٌ شَرْعًا وَمَحْمُودَةٌ، وَهِيَ أَنْ يُفْرَدَ النَّصُّ الْقُرْآنِيُّ كَامِلًا فِي سَطْرٍ أَوْ فِي أَعْلَى الصَّفْحَةِ بِالرَّسْمِ الْعُثْمَانِيِّ دُونَ أَيِّ إِضَافَاتٍ، ثُمَّ يُوَضَّعُ تَحْتَهُ أَوْ فِي الصَّفْحَةِ الْمُقَابِلَةِ لَهُ (التَّرْجَمَةُ الْإِشَارِيَّةُ) أَوْ (التَّهَجِّي الْأَصْبَعِيُّ) لِلصُّمِّ وَالْبُكْمِ.
وَهَذَا الْعَمَلُ يُقَاسُ شَرْعًا عَلَى (تَرْجَمَةِ مَعَانِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ) وَ(كُتُبِ التَّفْسِيرِ)؛ فَكَمَا يَجُوزُ وَضْعُ تَرْجَمَةٍ إِنْجِلِيزِيَّةٍ أَوْ فَرَنْسِيَّةٍ تَحْتَ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ، يَجُوزُ وَضْعُ تَرْجَمَةٍ بِلُغَةِ الْإِشَارَةِ (التَّهَجِّي الْأَصْبَعِيِّ).
وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ هُنَا شَرْطٌ دَقِيقٌ: أَلَّا يُطْلَقَ عَلَى هَذَا الْكِتَابِ اسْمُ (مُصْحَفٍ)، بَلْ يُسَمَّى مَثَلًا: (كِتَابُ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ لِلصُّمِّ وَالْبُكْمِ)، أَوْ (تَفْسِيرُ مَعَانِي الْقُرْآنِ بِلُغَةِ الْإِشَارَةِ)؛ لِكَيْ يَبْقَى اسْمُ (الْمُصْحَفِ) مُخْتَصًّا بِالْقُرْآنِ الْمَكْتُوبِ بِالرَّسْمِ الْعُثْمَانِيِّ الْمُجَرَّدِ.
رَابِعًا:- الْعِنَايَةُ بِالصُّمِّ وَالْبُكْمِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ:
إِنَّ السَّعْيَ لِتَعْلِيمِ هَذِهِ الْفِئَةِ الْغَالِيَةِ كَلَامَ اللهِ تَعَالَى، وَابْتِكَارَ الْوَسَائِلِ الَّتِي تُقَرِّبُ لَهُمُ الْمَعَانِيَ وَتُعِينُهُمْ عَلَى الْحِفْظِ وَالتِّلاوَةِ (بِالْإِشَارَةِ)، هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ وَمِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ الَّتِي يَأْثَمُ الْمُجْتَمَعُ بِتَرْكِهَا. فَمَنْ قَامَ بِهَذَا الْعَمَلِ الْجَلِيلِ (بِالطَّرِيقَةِ الثَّانِيَةِ الْجَائِزَةِ) فَهُوَ مَأْجُورٌ وَمَشْكُورٌ، وَقَدْ يَسَّرَ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ لِإِخْوَانِهِ.
وَأَرْجُو مُرَاجَعَةَ جَوَابِ السُّؤَالِ الْمُرَقَّمِ (281) فِي هَذَا الْمَوْقِعِ الْمُبَارَكِ.
وَاللهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ أَعْلَمُ.
وَصَلَّى الْعَظِيمُ الْجَلِيلُ وَسَلَّمَ، عَلَى النَّبِيِّ الْمُعَظَّمِ، وَالرَّسُولِ الْمُكَرَّمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَشَرَّفَ وَعَظَّمَ.