19/9/2026

نَصُّ السُّؤَالِ:

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ،

تَمَّ طَلَبُ تَجْهِيزِ مُنْتَجٍ أَمْرِيكِيِّ المَنْشَأِ، وَلَكِنْ رَغْمَ تَوَاصُلِنَا مَعَهُمْ رَفَعُوا السِّعْرَ، بِالإِضَافَةِ إِلَى التَّأْخِيرِ المُتَعَمَّدِ مِنْ قِبَلِهِمْ، فَقُمْنَا بِنَسْخِ المُنْتَجِ مِنَ الصِّينِ بِنَفْسِ الكَفَاءَةِ وَمَعَ خُضُوعِهِ لِلْفَحْصِ وَبِسِعْرٍ أَقَلَّ لِلنِّصْفِ مُقَارَنَةً بِالمُنْتَجِ الأَمْرِيكِيِّ، مَعَ تَقْلِيلِ عَامِلِ الوَقْتِ وَهُوَ التَّجْهِيزُ، وَلَكِنْ عِنْدَ البَيْعِ نُبْلِغُهُمْ بِأَنَّهُ أَمْرِيكِيٌّ، فَهَلْ هَذَا حَرَامٌ أَمْ حَلَالٌ؟

الاسم: وليد خالد

 

الرَّدُّ:-

وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.

وَحَيَّاكُمُ اللهُ يَا ولدي المُبَارَكُ، وَبَارَكَ فِيكُمْ، وَأَخْلَفَ عَلَيْكُمْ خَيْرًا.

وأَسْأَلُ اللهَ جَلَّ فِي عُلَاهُ أَنْ يُغْنِيَكَ بِحَلَالِهِ عَنْ حَرَامِهِ، وَبِطَاعَتِهِ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَبِفَضْلِهِ عَمَّنْ سِوَاهُ، وَأَنْ يَرْزُقَكَ الكَسْبَ الطَّيِّبَ المُبَارَكَ، إِنَّهُ سُبْحَانَهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبٌ.

الجَوَابُ بِٱخْتِصَارٍ:-

لَا يَجُوزُ شَرْعًا الإِخْبَارُ عَنِ المُنْتَجِ صِينِيِّ الصُّنْعِ بِأَنَّهُ أَمْرِيكِيُّ المَنْشَأِ، وَهَذَا العَمَلُ يُعَدُّ مِنَ الكَذِبِ وَالغِشِّ وَالتَّدْلِيسِ المُمَارَسِ المُحَرَّمِ.

وَلَا تَشْفَعُ لَكَ جَوْدَةُ المُنْتَجِ أَوْ رُخْصُ ثَمَنِهِ فِي تَبْرِيرِ هَذَا؛ لِأَنَّ المُشْتَرِيَ يَبْنِي قَرَارَهُ وَرِضَاهُ عَلَى بَلَدِ المَنْشَأِ أَيْضًا.

وَالوَاجِبُ عَلَيْكَ الصِّدْقُ وَالبَيَانُ لِلْمُشْتَرِي لِيَخْتَارَ عَلَى بَصِيرَةٍ، لِيَكُونَ كَسْبُكَ حَلَالًا طَيِّبًا.

التَّفْصِيلُ:-

اعْلَمْ يَا ولدي المُبَارَكَ أَنَّ التِّجَارَةَ فِي الإِسْلَامِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الصِّدْقِ وَالبَيَانِ وَالأَمَانَةِ، فَاللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ:-

{يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ} [النِّسَاءِ: 29].

فَفِي الآيَةِ النَّهْيُ المُؤكَدُ عَنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالغِشِّ أَوْ التَّدْلِيسِ أَوْ البَاطِلِ، وَمَا ذَكَرْتَهُ فِي سُؤَالِكَ يَنْطَوِي عَلَى مُخَالَفَاتٍ شَرَعِيَّةٍ صَرِيحَةٍ، أَضَعُ بَيْنَ يَدَيْكَ تَفْصِيلَهَا وَعِلَاجَهَا وَفْقَ هَدْيِ حَضْرَةِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ:-

أَوَّلًا: حُرْمَةُ الغِشِّ وَالتَّدْلِيسِ وَالكَذِبِ:-

إِنَّ الإِخْبَارَ بِأَنَّ المُنْتَجَ أَمْرِيكِيٌّ وَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ صِينِيٌّ، هُوَ كَذِبٌ صَرِيحٌ وَغِشٌّ وَتَدْلِيسٌ، وَالمُشْتَرِي إِنَّمَا يَدْفَعُ مَالَهُ بِنَاءً عَلَى هَذَا الوَصْفِ، وَلَوْ عَلِمَ الحَقِيقَةَ لَرُبَّمَا امْتَنَعَ عَنِ الشِّرَاءِ أَوْ طَلَبَ سِعْرًا أَقَلَّ.

وَقَدْ حَذَّرَنَا حَضْرَةُ النَّبِيِّ الأَكْرَمِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ أَشَدَّ التَّحْذِيرِ، فَعَنْ سَيِّدِنَا أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ, عَنْهُ أَنَّ سيَّدَنا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ:-

(مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟) قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: (أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي) الإِمَامُ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ المُنْعِمُ جَلَّ فِي عُلَاهُ.

ثَانِيًا: الغَايَةُ لَا تُبَرِّرُ الوَسِيلَةَ المَذْمُومَةَ:-

إِنَّ تَعَنُّتَ الشَّرِكَةِ الأَمْرِيكِيَّةِ وَرَفْعَهَا لِلسِّعْرِ، وَتَوْفِيرَكَ لِمُنْتَجٍ بَدِيلٍ بِنَفْسِ الكَفَاءَةِ وَنِصْفِ السِّعْرِ، هُوَ عَمَلٌ تِجَارِيٌّ مُمْتَازٌ وَذَكَاءٌ يُحْسَبُ لَكَ، وَلَكِنَّ هَذَا لَا يُبَرِّرُ (الكَذِبَ فِي بَلَدِ المَنْشَأِ).

الإِسْلَامُ لَا يَقْبَلُ أَنْ تَصِلَ إِلَى غَايَةٍ صَحِيحَةٍ (تَوْفِيرُ مُنْتَجٍ جَيِّدٍ بِسِعْرٍ رَخِيصٍ) بِوَسِيلَةٍ مُحَرَّمَةٍ (الكَذِبُ).

فَالصِّنَاعَةُ الصِّينِيَّةُ لَيْسَتْ عَيْبًا إِذَا كَانَتْ مُطَابِقَةً لِلْمَوَاصَفَاتِ، وَلَكِنَّ العَيْبَ وَالحَرَامَ هُوَ تَزْوِيرُ الحَقِيقَةِ.

ثَالِثًا: مَحْقُ البَرَكَةِ بِسَبَبِ الكِتْمَانِ:-

الرِّزْقُ الَّذِي يَأْتِي عَنْ طَرِيقِ التَّدْلِيسِ تُنْزَعُ مِنْهُ البَرَكَةُ مَهْمَا كَثُرَ، وَتَكُونُ عَاقِبَتُهُ وَبَالًا عَلَى صَاحِبِهِ.

قَالَ سيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وآله وصحبه وَسَلَّمَ:-

(البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

فَقَوْلُكَ (نُبْلِغُهُمْ بِأَنَّهُ أَمْرِيكِيٌّ) هُوَ مِنَ الكِتْمَانِ وَالكَذِبِ الَّذِي يَمْحَقُ بَرَكَةَ البَيْعِ.

رَابِعًا: الوَصْفَةُ العَمَلِيَّةُ (الحَلُّ الشَّرْعِيُّ):

طَرِيقُ الحَلَالِ يَسِيرٌ وَمَفْتُوحٌ يَا وَلَدِي، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الخِدَاعِ. اعْرِضْ مُنْتَجَكَ عَلَى الزَّبَائِنِ بِصِدْقٍ، وَقُلْ لَهُمْ بِوُضُوحٍ: هَذَا مُنْتَجٌ صِينِيُّ الصُّنْعِ، وَلَكِنَّهُ مُصَنَّعٌ بِنَفْسِ كَفَاءَةِ وَمَوَاصَفَاتِ المُنْتَجِ الأَمْرِيكِيِّ تَمَامًا، وَقَدْ خَضَعَ لِلْفَحْصِ وَاجْتَازَهُ بِنَجَاحٍ، وَسِعْرُهُ أَقَلُّ بِكَثِيرٍ وَالتَّجْهِيزُ أَسْرَعُ، ثُمَّ اتْرُكِ الخِيَارَ لَهُمْ.

صَدِّقْنِي يَا وَلَدِي، إِنَّ العَمِيلَ إِذَا رَأَى مِنْكَ الصِّدْقَ وَالشَّفَافِيَّةَ، سَيَزْدَادُ ثِقَةً بِكَ وَسَيُقْبِلُ عَلَى الشِرَاء مِنْكَ، وَحِينَئِذٍ سَيَكُونُ كَسْبُكَ حَلَالًا زُلَالًا، وَسَيُبَارِكُ اللهُ لَكَ فِيهِ وَفِي عِيَالِكَ وَصِحَّتِكَ.

خَامِسًا: العَمَلُ مَعَ مَا بَيِعَ مِنَ المُنْتَجَاتِ:

أَمَّا مَا تَمَّ بَيْعُهُ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، فَالوَاجِبُ عَلَيْكَ التَّوَاصُلُ مَعَ المُشْتَرِي وَبَيَانُ الوَاقِعِ لَهُ، وَمَنَحُهُ الخِيَارَ فِي إِرْجَاعِ المَبِيعِ وَتَعْوِيضِهِ مَادِّيًّا عَنْ هَذَا الغَرَرِ، مَعَ التَّوْبَةِ لِلْمَوْلَى جَلَّ فِي عُلَاهُ عَنْ هَذِهِ الخَطِيئَةِ.

وَأَرْجُو مُرَاجَعَةَ جَوَابِ السُّؤَالِ المُرَقَّمِ (541) فِي هَذَا المَوْقِعِ المُبَارَكِ.

وَاللهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ أَعْلَمُ.

وَصَلَّى العَظِيمُ الجَلِيلُ وَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ المُعَظَّمِ، وَالرَّسُولِ المُكَرَّمِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَشَرَّفَ وَعَظَّمَ.