21/9/2026

نَصُّ السُّؤَالِ:

السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ شَيْخَنَا الفَاضِلَ، نَسْأَلُ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يَمُنَّ عَلَيْكُمْ بِالخَيْرِ وَالبَرَكَاتِ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالقَادِرُ…

شَيْخِي الغَالِي، نَقْرَأُ أَوْ نَسْمَعُ وَنُتَابِعُ بَعْضَ الأَفْكَارِ الشَّرْقِيَّةِ، وَهِيَ مُرْتَبِطَةٌ بِمَا يُسَمَّى عِنْدَ الدِّيَانَاتِ الهِنْدِيَّةِ وَالصِّينِيَّةِ وَالشَّامَانِيَّةِ القَدِيمَةِ بـ (تَنَاسُخِ الأَرْوَاحِ)، وَهِيَ أَنَّ أَرْوَاحَ الخَلَائِقِ – البَشَرَ وَبَاقِيَ الكَائِنَاتِ الحَيَّةِ – عِنْدَمَا يَمُوتُ الجَسَدُ فَإِنَّ الرُّوحَ تَنْتَقِلُ إِلَى عَالَمٍ آخَرَ، لَيْسَ مِثْلَ مَفْهُومِنَا الإِسْلَامِيِّ (البَرْزَخِ)، بَلْ إِنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى نَفْسِ العَالَمِ وَلَكِنْ بِاسْمٍ جَدِيدٍ، وَشَكْلٍ جَدِيدٍ، وَعَائِلَةٍ جَدِيدَةٍ، وَعَمَلٍ جَدِيدٍ.

فَدَلِيلُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ الإِنْسَانَ يُحَدَّدُ حَسَبَ جَزَاءِ العَمَلِ الَّذِي عَمِلَهُ؛ فَإِنْ كَانَ خَيْرًا وَرَجُلًا صَالِحًا يَرْتَقِي فِي عَالَمِهِ الآخَرِ، مَثَلًا: وَزِيرٌ أَوْ مَلِكٌ أَوْ قَائِدٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَيَتَسَفَّلُ إِلَى فَقِيرٍ أَوْ مُحْتَاجٍ حَسَبَ عَمَلِهِ، وَيَبْقَى يَتَنَقَّلُ بِالعَوَالِمِ حَتَّى يَتَخَلَّصَ مِنَ الآثَامِ، هَذَا قَوْلُهُمْ وَدَيْدَنُهُمْ وَفِكْرُهُمْ.

فَعِنْدَمَا تَمَّ النِّقَاشُ مَعَ أَسَاتِذَةٍ هُمْ يَنْتَمُونَ لِلإِسْلَامِ، فَقَالُوا: فِكْرَتُهَا صَحِيحَةٌ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ}؛ فَـلَفْظُ (حَيَوَان) عَلَى وَزْنِ (فَعَلَان)، أَيْ فِي حَيَاةٍ مُتَجَدِّدَةٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا، فَهُنَا القِيَامَةُ وَهُنَا الجَزَاءُ، وَمُسْتَدِلِّينَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الإِنْسَانَ وَكَذَلِكَ الكَائِنَاتِ الحَيَّةَ عِنْدَمَا تَمُوتُ تَنْتَقِلُ لِغَيْرِ صُورَةٍ وَتَرْكِيبٍ، وَهَكَذَا…

فَيَا شَيْخَنَا الفَاضِلَ، أَنَا لَسْتُ فِي مَقَامِ المُشَكِّكِ – وَالعِيَاذُ بِاللهِ – بَلْ أَنَا مُؤْمِنٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاليَوْمِ الآخِرِ، سَنُبْعَثُ عِنْدَ اللهِ جَلَّ جَلَالُهُ وَعَمَّ نَوَالُهُ، وَإِنِّي وَالحَمْدُ للهِ أَحَدُ السَّالِكِينَ وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ تَحْتَ حَضْرَتِكُمُ القُدْسِيَّةِ، وَنَشَأْتُ بِحُبِّكُمْ، وَعَلَّمْتُمُونَا الحُبَّ وَالأَدَبَ وَالتَّقْوَى وَالعَمَلَ الصَّالِحَ، نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى لَكُمُ السَّعَادَةَ التَّامَّةَ وَالدَّرَجَاتِ العُلَى بِجَاهِ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ…

لَكِنَّ هَذِهِ الأَفْكَارَ شَيْخَنَا مُنْتَشِرَةٌ الآنَ فِي المُجْتَمَعِ وَبِكَثْرَةٍ، فَيَا شَيْخِي: اشْرَحْ لَنَا كَيْفَ تُمِيتُ تِلْكَ الأَفْكَارَ؟ وَكَيْفَ نُجَادِلُ مِثْلَ هَؤُلَاءِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ؟ وَهَلْ هِيَ صَحِيحَةٌ؟

وَجَزَاكُمُ اللهُ خَيْرَ الجَزَاءِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

الاِسْمُ: صُهَيْب كَاظِم العُكَيْدِيّ

 

الرَّدُّ:-

وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.

سُرِرْتُ بِتَوَاصُلِكُمْ مَعَ هَذَا المَوْقِعِ المَيْمُونِ، وَأَسْأَلُ اللهَ جَلَّ جَلَالُهُ لَكُمُ التَّوْفِيقَ وَالسَّدَادَ؛ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ رَؤُوفٌ بِالعِبَادِ.

الجَوَابُ بِاخْتِصَارٍ:-

هَذِهِ الأَفْكَارُ وَالأَوْهَامُ بَاطِلَةٌ لَا تَمُتُّ إِلَى الدِّينِ بِصِلَةٍ، وَأَنْصَحُ المُسْلِمِينَ عُمُومًا، وَالسَّالِكِينَ خُصُوصًا، بِالاِبْتِعَادِ عَنِ الخَوْضِ فِيهَا، الا اذا كانوا من الراسخين في العلم.

التَّفْصِيلُ:-

هَذِهِ الفِكْرَةُ بَاطِلَةُ ظَهَرَتْ فِي بَعْضِ الحَضَارَاتِ القَدِيمَةِ، وَتَصَدَّى لَهَا عُلَمَاءُ الإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهَا تُخَالِفُ النُّصُوصَ الصَّرِيحَةَ، إِذْ إِنَّ أَصْحَابَهَا:-

(يَعْتَقِدُونَ أَنْ لَا خَيْرَ وَلَا شَرَّ، وَلَا جَنَّةَ وَلَا نَارَ) مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (6/280).

وَلِأَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالرُّوحِ وَعَوَالِمِهَا، قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:-

{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الاسراء: 85].

وَالرُّدُودُ عَلَى تَفْنِيدِ آرَائِهِمْ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا قَوْلُهُ جَلَّ جَلَالُهُ:-

{النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ} [سُورَةُ غَافِرٍ: 46].

وَجْهُ الدَّلَالَةِ:-

هَذِهِ الآيَةُ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ آلَ فِرْعَوْنَ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ، لَا كَمَا يَزْعُمُونَ مِنْ تَنَاسُخِ الأَرْوَاحِ وَانْتِقَالِهَا مِنْ جِسْمٍ إِلَى آخَرَ.

وَقَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ:-

(إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، يُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

وَعَنْ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ:-

(اطَّلَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَهْلِ القَلِيبِ، فَقَالَ: وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَقِيلَ لَهُ: تَدْعُو أَمْوَاتًا؟ فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ، وَلَكِنْ لَا يُجِيبُونَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

فَلَوْ كَانَتْ أَرْوَاحُهُمْ تَنْتَقِلُ إِلَى أَجْسَامٍ أُخْرَى لَمَا صَحَّتْ مُنَادَاتُهُمْ وَمُخَاطَبَتُهُمْ بِهَذَا الكَلَامِ.

قَالَ الإِمَامُ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ:-

(فَيَكْفِي مِنَ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ إِجْمَاعُ جَمِيعِ أَهْلِ الإِسْلَامِ عَلَى تَكْفِيرِهِمْ، وَعَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ فَإِنَّهُ عَلَى غَيْرِ الإِسْلَامِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى بِغَيْرِ هَذَا وَبِمَا المُسْلِمُونَ مُجْمِعُونَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ الجَزَاءَ لَا يَقَعُ إِلَّا بَعْدَ فِرَاقِ الأَجْسَادِ لِلأَرْوَاحِ) الفصل في الملل والأهواء والنحل (1/77).

وَقَدْ طَلَبْتَ مِنِّي أَنْ أَشْرَحَ لَكَ كَيْفِيَّةَ إِمَاتَةِ هَذِهِ الأَفْكَارِ، وَلَا أَعْتَقِدُ أَنَّ مُسْلِمًا لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يَكْفِيهِ فِي ذَلِكَ التَّمَسُّكُ بِكِتَابِ اللهِ تَعَالَى، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الكِرَامِ، وَصُحْبَةُ عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ مِنَ السَّادَةِ المُرْشِدِينَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَعَنْكُمْ، وَالاِمْتِثَالُ لِمَا يُوَجِّهُونَ بِهِ؛ حَتَّى يَحْمِيَ نَفْسَهُ وَيُحَصِّنَ قَلْبَهُ مِنْ هَذِهِ الأَفْكَارِ الَّتِي بَثَّهَا الأَشْرَارُ.

وَأُحَذِّرُ جَنَابَكَ الكَرِيمَ وَمِنْ خِلَالِكَ المُسْلِمِينَ جَمِيعًا مِنَ الاِنْشِغَالِ بِمُجَادَلَةِ أَمْثَالِ هَؤُلَاءِ عَلَى مَسْأَلَةٍ أَكَلَ عَلَيْهَا الدَّهْرُ وَشَرِبَ، وَثَبَتَ بُطْلَانُهَا مُنْذُ قَدِيمِ الزَّمَانِ، وَالأَوْلَى بِكَ أَنْ تَنشَغِلَ بِتَزْكِيَةِ قَلْبِكَ وَتَرْبِيَةِ نَفْسِكَ لِتَكُونَ مِنْ عِبَادِ اللهِ تَعَالَى الذَّاكِرِينَ.

وَأَنْ تَنشَغِلَ بِالدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ؛ فَهِيَ أَفْضَلُ جُهْدٍ تُقَدِّمُهُ زَادًا نَافِعًا بَيْنَ يَدَيْ رَحِيلِكَ إِلَى اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، قَالَ عزَّ شأنُهُ:-

{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33].

وَبِمَا أَنَّكَ سَالِكٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِين فَيَجِبُ عَلَيْكَ التَّوَاصُلُ وَالتَّفَاعُلُ مَعَ اللِّجَانِ الزَّكِيَّةِ فِي مَشْرُوعِ الْوَالِدِ الْمُبَارَكِ؛ فَالصُّحْبَةُ الصَّالِحَةُ وَاقِيَةٌ مِنَ الْوُقُوعِ فِي هَذِهِ الشُّبُهَاتِ.

وَخِتَامًا؛ أَسْأَلُ المَوْلَى جَلَّ وَعَلَا أَنْ يُوَفِّقَكَ وَجَمِيعَ المُسْلِمِينَ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَيَصْرِفَ عَنْكُمْ كُلَّ ضَيْرٍ، بِرَحْمَتِهِ؛ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.

وَاللهُ تَبَارَكَ اسْمُهُ أَعْلَمُ.

وَصَلَّى اللهُ تَعَالَى وَبَارَكَ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ الجُودِ وَالكَرَمِ.