23/12/2009
السؤال:
بسم الله والصلاة على رسول الله
السلام عليكم
من أي شيء خلقت الحيوانات، وهل تبعث في يوم الآخر..
وهل للروح قوة تأثير… وهل لأرواح الأموات قوة تأثير في الأحياء..
وفقكم الله وجزاكم خيراً
الاسم: خضير غيدان
الـرد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
صرّح القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى قد خلق الحيوانات من ماء كما جاء في سورة النور {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} النور45, ولم يتطرق القرآن الكريم ولا الأحاديث الشريفة لكيفية هذا الخلق لعدم أهميتها ولأننا لا نُسأل عنها, فلا يستحسن التكلف بالخوض فيها, أما عن بعثها يوم القيامة فإنها تبعث كما صرح الكتاب والسنة, فمن الكتاب قوله تعالى {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} الأنعام38, ومن السنة قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لتؤدين الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء) صحيح الإمام مسلم رضي الله عنه. (الجلحاء: التي ليس لها قرون).
أما عن سؤالك حول تأثير الروح, فتأثيرها واضح في جسم كل إنسان, منه ما هو ظاهر مثل تحريك الرجلين واليدين والرأس والعينين ..الخ، ومنها ما هو غير ظاهر مثل قوة القلب والعقل والنفس ..إلخ، فكل هذه الأشياء لولا تأثير الروح عليها لكانت هامدة لا حراك فيها.
أما عن سؤالك حول تأثير أرواح الأموات في الأحياء: فمن مسلمات عقيدتنا أن الموت ليس فناءً محضاً، بل هو انتقال من دار إلى دار، وتحول من حال إلى حال، فإذا كان الناس يؤثر بعضهم ببعض في هذه الدنيا فما المانع بحصوله في الآخرة، فالأمر في دائرة الإمكان العقلي، ولكن هذا لا يكفي، لأن الموضوع غيبي نحتاج فيه إلى نصوص الوحي الشريف، وإليك بعضها:
قال تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} الزخرف45, اختلفت أقوال المفسرين في الذين وُجه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لمساءلتهم، فحمله بعضهم على الحقيقة وآخرون على المجاز، والذي أراه -والله سبحانه وتعالى أعلم- أن لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحق في أن يسأل المرسلين قبله عليهم السلام متى شاء وحيثما شاء، والجواب سيحصل إذ لا حواجز في عالم الروح بين عالم الدنيا وعالم البرزخ.
وقد صرح المرحوم سيد قطب بكلام ثمين ودقيق في تفسيره لهذا المعنى قائلاً: (والتوحيد هو أساس دين الله الواحد منذ أقدم رسول، فعلام يرتكن هؤلاء الذين يجعلون من دون الرحمن آلهة يعبدون؟ والقرآن يقرر هذه الحقيقة هنا في هذه الصورة الفريدة.. صورة الرسول صلى الله عليه وسلم يسأل الرسل قبله عن هذه القضية: ((أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ؟)) وحول هذا السؤال ظلال الجواب القاطع من كل رسول، وهي صورة طريفة حقاً، وهو أسلوب موح شديد التأثير في القلوب. وهناك أبعاد الزمان والمكان بين الرسول – صلّى اللّه عليه وسلّم – والرسل قبله. وهناك أبعاد الموت والحياة وهي أكبر من أبعاد الزمان والمكان… ولكن هذه الأبعاد كلها تتلاشى هنا أمام الحقيقة الثابتة المطردة. حقيقة وحدة الرسالة المرتكزة كلها على التوحيد. وهي كفيلة أن تبرز وتثبت حيث يتلاشى الزمان والمكان والموت والحياة وسائر الظواهر المتغيرة ويتلاقى عليها الأحياء والأموات على مدار الزمان متفاهمين متعارفين… وهذه هي ظلال التعبير القرآني اللطيف العجيب.. على أنه بالقياس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإخوانه من الرسل مع ربهم لا يبقى شيء بعيد وآخر قريب، فهناك دائماً تلك اللحظة اللدنية التي تزال فيها الحواجز وترتفع فيها السدود، وتتجلى الحقيقة الكلية عارية من كل ستار. حقيقة النفس وحقيقة الوجود كله وأهل هذا الوجود. تتجلى وحدة متصلة، وقد سقط عنهم حاجز الزمان وحاجز المكان وحاجز الشكل والصورة. وهنا يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم ويجاب، بلا حاجز ولا حجاب. كما وقع في ليلة الإسراء والمعراج. وإنه ليحسن في مثل هذه المواطن ألا نعتد كثيراً بالمألوف في حياتنا. فهذا المألوف ليس هو القانون الكلي، ونحن لا ندرك من هذا الوجود إلا بعض ظواهره وبعض آثاره حين نهتدي إلى طرف من قانونه. وهناك حجب من تكويننا ذاته ومن حواسنا وما نرتبه عليها من مألوفات. فأما اللحظة التي تتجرد فيها النفس من هذه العوائق والحجب فيكون لقاء الحقيقة المجردة للإنسان بالحقيقة المجردة لأي شيء آخر أمراً أيسر من لمس الأجسام للأجسام!.
ولم لا تكون هذه المزية لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ثبتت لسيدنا موسى عليه السلام وهو في الدنيا, ففي حديث المعراج (قال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ قُلْتُ فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً قَالَ فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى قُلْتُ وَضَعَ شَطْرَهَا فَقَالَ رَاجِعْ رَبَّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ فَرَاجَعْتُهُ فَقَالَ هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ رَاجِعْ رَبَّكَ فَقُلْتُ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي) أخرجه البخاري رضي الله عنه.
وحديث سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه (حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم، ووفاتي خير لكم تعرض علي أعمالكم، فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت الله لكم) أخرجه االبزار والحارث بن أبي سلمة وأبن سعد في طبقاته رحمهم الله تعالى جميعاً.
وكذلك حديث أبي أيوب الأنصاري: (إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كان خيراً استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا) أخرجه الأمام أحمد رضي الله عنه في مسنده, فهذه الأحاديث تدل على الانتفاع والتأثير الحاصل بين أهل الدنيا والآخرة.
قال الشيخ ابن القيم في كتاب الروح ص 13 و 14: (وصح عن حماد بن سلمة عن ثابت عن شهر بن حوشب أن الصعب بن جثامة وعوف بن مالك كانا متآخيين قال صعب لعوف: أي أخي.. أينا مات قبل صاحبه فليتراءا له، قال: أو يكون ذلك؟ قال: نعم. فمات صعب، فرآه عوف فيما يرى النائم كأنه قد أتاه قال: قلت أي أخي. قال: نعم. قلت: ما فعل بكم؟ قال: غفر لنا بعد المصائب. قال: ورأيت لمعة سوداء في عنقه، قلت: أي أخي ما هذا؟ قال: عشرة دنانير استلفتها من فلان اليهودي فهن في قرني فأعطوه إياها، واعلم أي أخي أنه لم يحدث في أهلي حدث بعد موتى إلا قد لحق بي خبره، حتى هرة لنا ماتت منذ أيام، واعلم أن ابنتي تموت إلى ستة أيام فاستوصوا بها معروفاً. فلما أصبحت قلت إن في هذا لمعلماً، فأتيت أهله فقالوا: مرحباً بعوف، أهكذا تصنعون بتركة إخوانكم؟ لم تقربنا منذ مات صعب, قال: فأتيت فاعتللت بما يعتل به الناس، فنظرت إلى القرن فأنزلته فأنتثلت ما فيه فوجدت الصرة التي فيها الدنانير فبعثت بها إلى اليهودي، فقلت: هل كان لك على صعب شيء؟ قال رحم الله صعباً كان من خيار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هي له. قلت: لتخبرني. قال: نعم، أسلفته عشرة دنانير. فنبذتها إليه. قال: هي والله بأعيانها. قال: قلت هذه واحدة، قال: فقلت هل حدث فيكم حدث بعد موت صعب؟ قالوا: نعم، حدث فينا كذا حدث، قال: قلت اذكروا. قالوا: نعم هرة ماتت منذ أيام. فقلت: هاتان اثنتان. قلت: أين ابنة أخي؟ قالوا: تلعب. فأتيت بها فمسستها فإذا هي محمومة. فقلت: استوصوا بها معروفاً. فماتت في ستة أيام). علق ابن القيم في ص14: (وهذا من فقه عوف رحمه الله وكان من الصحابة حيث نفذ وصية صعب بن جثامة).
فجملة القول أن التأثير حاصل، وهو أبسط مستلزمات الحياة الحقيقية التي وعد الله سبحانه وتعالى بها، وأنصح في هذه المناسبة الرجوع إلى كتاب الروح لابن القيم رحمه الله تعالى.
والله سبحانه وتعالى أعلم.