23/12/2009
السؤال:
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سيّدي الفاضل نفعنا الله بكم وبعلمكم وجميع المسلمين إنّه سميع الدعاء..
سيّدي: ما حكم مَنْ دخل المسجد أثناء خطبة الجمعة أيّهما أفضل يصلّي تحية المسجد أو يستمع للخطبة؟
ونسأل الله أنْ يحفظكم ويسدد خطاكم.
الاسم: عبد العزيز المشهداني
الـرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
لا شك أنّ صلاة الجمعة من القربات والشعائر الجليلة العظيمة، وقد حثّ عليها ربّنا جلّ وعلا في كتابه العزيز بسورة تحمل اسمها، وأمر بترك البيع والشراء وكلّ ما في معناهما عند النداء إليها فقال:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} [سورة الجمعة: 9 – 11].
فتبيّن أنّ ذكر الله جلّ في علاه من أعظم أهدافها وأجلى حكمها، وقد أشار سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه إلى أجر التبكير بالحضور إليها فقال:-
(مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ -أي مثل غسل الجنابة- ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلاَئِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ) متفق عليه.
وفي رواية قال:-
(إِذَا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ المَلاَئِكَةُ، يَكْتُبُونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، فَإِذَا جَلَسَ الإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ، وَجَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وقال كذلك:-
(مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الْإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا) الإمام أبو داود رحمه الودود جلّ جلاله.
فإذا جاء متأخِّرًا والإمام يخطب فهناك قولان:-
الأول: يجلس لقوله عزّ شأنه:-
{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [سورة الأعراف: 204].
حيث ذهب بعض المفسرين رحمهم الله تعالى إلى أنّ المقصود خطبة الجمعة، فعلى هذا الرأي يجب على المصلي أنْ يجلس فورًا لاستماع الخطبة، وهو قول السادة الحنفية والمالكية رحمهم الله جلّ في علاه.
الثاني: وهو الذي أراه راجحًا: أنْ يصلّي ركعتين ثمّ يجلس لحديث سيّدنا جابر بن عبد الله السلمي رضي الله تعالى عنهما قال:-
(جَاءَ رَجُلٌ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: أَصَلَّيْتَ يَا فُلاَنُ؟ قَالَ: لاَ، قَالَ: قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ وعلا.
ولا يطيل فيهما لقوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا) الإمام مسلم رحمه المنعم عزّ شأنه.
ولم أورد جميع النصوص خشية الإطالة، وقد أخذ بهذا الرأي السادة الشافعية والحنابلة وبعض المالكية رحمهم الله تعالى.
وسبب ترجيح هذا الرأي هو أنّ في أمر سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه للداخلين أنْ يقوموا بعد جلوسهم فيصلّوا دليلًا على أهميّة هاتين الركعتين، وكذلك أنّ المصلي يجمع بين حسنيين وهما الصلاة واستماع الخطبة، ولأنّ الصلاة لا تتعارض مع حكمة صلاة الجمعة (الذكر) قال عزّ من قائل:-
{وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي} [سورة طه: 14].
أمّا ما يفعله مَنْ يدخل أثناء الخطبة ويبادر إلى الجلوس ثمّ يقوم بين الخطبتين ليصلي ركعتي تحية المسجد فلا يتفق مع السنّة أو المنطق، فمتى ما جلس المرء فقد فاته وقت التحية ولا يستساغ قيامه بعد ذلك لتأديتها.
أمّا تحيّة المسجد ففيها خلاف ولكن الأظهر هو صلاة ركعتين خفيفتين عملًا بالأدلة الواردة آنفا.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.