30/12/2009
السؤال:
بسم الله الرحمن الرحيم.
شيخي الكريم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أسأل الله أنْ يجازي المقيمين على هذا الموقع خير الجزاء ولا يحرمنا من بركة أنوار علومكم وأنْ يقدّر لكم خدمة المسلمين كافّة بحرمة القرآن الكريم وحضرة النبيّ الأمين صلّى الله عليه وسلّم.
سيّدي الشيخ أطال الله عمركم، لقد قرأت هذا البيان في كتاب إحياء علوم الدين لسيّدنا الإمام الغزالي الجزء الأول الصفحة 490 (حسب الطبعة التي تحتوي على مقدمة زين الدين العراقي رحمه الله) ملتمسًا الإجابة عن سؤال يخصّ هذا البيان من قول يوسف بن أسباط رحمه الله تعالى:
فإنّ من شَهٍدَ البعدَ في القُربِ.. لُطِفَ به بالخوف حتى يسوقه إلى درجة أخرى في القُرب وراءها، ومن شَهِدَ القُربَ في البعد مُكِرَ به بالأمنٍ الذي يُقصيه إلى درجةٍ أخرى في البعد أسفلَ ممَّا هو فيه.
يعني: من رأى نفسه بعيدًا وهو قريبٌ في الواقع.
يعني: من رأى نفسه قريبًا وهو بعيدٌ حقيقة.
سؤالي هو: كيف للسالك التمكّن من أنْ يرى نفسه بعيدًا وهو في الواقع قريبٌ من الله عزّ وجلّ؟ خصوصًا بعد أنْ حصل حظًّ في نفسه منتفعًا من العمل الروحي.
سيكون أصعب عليه من أنْ يتهمّ نفسه وأنْ يشهدها حالة البعد. كيف ينتصر على نفسه في هذه الحالة ويكون اتهامهُ لها حال ذلك السالك على الداوم؟
مع فائق حبي واشتياقي وتقديري لجنابكم
المحب: حسين علي
الـرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
وجزاكم الله تعالى خيرٍا على دعواتكم المخلصة للقائمين على الموقع، أثابهم الله الكريم المنان بما هو أهله، وكذلك دعاؤكم للفقير بأنْ ييسّر لي خدمة جميع المسلمين إنّه سميع الدعاء.
أمّا عن جواب سؤالك فأقول:-
إنّ كتاب الإمام الغزالي رضي الله عنه كُتِبَ في زمن وظروف تختلف عنها الآن، والأهم من ذلك أنّه يذكّر العُبّاد بأحوال معيّنة أو محدّدة مع ربّ العزّة جلّ جلاله وعمّ نواله، والحقيقة المشاهدة أنّ أحوال العباد مع ربّهم جلّ وعلا لا تنحصر بدرجات أو بأحوال معينة، وأكاد أنْ أقول إنّها ليست متناهية، ولكي يكون المسلم على بيّنة من أمره فالأفضل أنْ لا يشغل نفسه بعبارات أو تأويلات قد يفقد اتجاهه بين ثناياها، وليضع نصب عينيه ما جاء في الأثر:-
(مَنْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَ كَيْفَ مَنْزِلَتُهُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ مَنْزِلَةُ اللهِ عِنْدَهُ، فَإِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُنْزِلُ الْعَبْدَ حَيْثُ أَنْزَلَهُ مِنْ نَفْسِهِ) الإمام البيهقي رحمه الله جلّ في علاه.
ويبدو أنّ سيّدنا الغزالي رحمه الله تعالى يشير إلى الأحوال التي ذكرت في قول الله عزّ شأنه:-
{وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [سورة المؤمنون: 60].
وقوله:-
{تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [سورة السجدة: 16].
وقوله:-
{وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ} [سورة المعارج: 27 – 28].
وعلى كلٍّ فإنّ ممّا لا شك فيه أنّ العبد إذا أُعجب بقربه من ربه عزّ وجلّ فإنّه على خطر عظيم لأنّه لا يأمن مكر الله جلّ في علاه، فأفضل أحواله أنْ يعيش بين الرجاء والخوف، وإذا شهد القرب في البعد فلا شكّ أنّه من المغترّين بنفسه، فيكون حاله كما ذكر الإمام الغزالي رحمه الباري سبحانه، وهذا لا يعني بالضرورة أنْ يترك العبد إحساسه بقربه من الله جلّ وعلا وأنسه بذكره، وإنّما ينبغي أنْ يكون منتبهًا ويقظًا لئلا يؤخذ على حين غفلة عياذًا بالله تبارك وتعالى.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.