08/01/2010
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله أحبك في الله شيخنا العزيز..
فسّر لنا مفهوم زواج المسيار باختصار جزاكم الله خيراً.
الاسم: عبد القهار الكوردي
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أحبك الله سبحانه الذي أحببتني فيه ووفقك لكلّ خير.
إنّ ما يسمّى بزواج المسيار شاع في هذا الزمان وكانت بدايته زواجًا شرعيًّا مكتسبًا للشروط والأركان، وكان يصحبه تنازل الزوجة عن حقها في المبيت، وبهذا الوصف هو زواج شرعي لأنّ الشرط المصاحب له جائز شرعًا، فقد ثبت في الحديث الشريف:-
(أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تَبْتَغِي بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
والغريب فيه الاسم فقط (المسيار)، وهذه التسمية لا تضرّ طالما استكمل العقد شروطه وأركانه فلا مشاحة في الاصطلاح، والوصف الملازم له يبيّن مرونة التشريع في احترام حاجات الإنسان والنظر إلى أحواله وظروفه، فالحياة الزوجية تعاون منبثق عن المحبّة الصادقة المتولّدة من السكن المؤسس على تقوى الله جلّ في علاه.
قال عزّ من قائل:-
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة الروم: 21].
فالمرونة في المطالبة بالحقوق من أخلاق المسلمين المرحومين.
قال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، سَمْحًا إِذَا اشْتَرَى، سَمْحًا إِذَا اقْتَضَى) الإمام ابن ماجه رحمه الله جلّ وعلا.
بل يحق للمرأة أنْ تتنازل عن بعض المهر أو كلّه بعد إقراره، ويجوز للزوج أنْ يقبل ذلك منها إذا كان عن طيب نفس ممّا يضفي جمالاً على الحياة الزوجية.
قال جلّ جلاله:-
{وَآتُواْ النِّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا} [سورة النساء: 4].
فالحقوق لا تكون موانعَ للتعاون من خلال التنازل عنها أو بعضها إذا اقتضت الأحوال، فزواج المسيار بهذه الصورة لا يختلف عن الزواج المعروف فلذلك يعتبر حلالًا.
ولكن ممّا يؤسف له أنّ الناس ابتدعوا تحت مسمّى (المسيار) صورًا تخالف الزواج الشرعي منها:-
اشتراط الكتمان كأنْ يكون الرجل متزوّجًا فيخشى إطلاع زوجته الأولى على زواجه الثاني فيشترط الكتمان.
ومنهم مَنْ يشترط ترك الإنفاق عليها.
وإلى غيرها من الشروط التي تجعل العقد سببًا لتجاوزات كبيرة وذريعة لمفاسد عظيمة، منها ضياع حق الزوجة الأولى من المبيت، إذ المتزوّج يحتاج إلى البقاء مع الثانية بعض الوقت على حساب حقّ الأولى، ومنها فتح باب الفساد على مصراعيه لأهل النفوس الضعيفة من الرجال والنساء، فمثلًا:-
قد تقول امرأة: إنّ الذي يطرق الباب هو زوجها (مسيار) وهو ليس كذلك.
ومنها: فوات الحِكَم المترتبة على الزواج من السكن والطمأنينة.
ومنها: فوات القيام بالمسؤولية تجاه تربية الأولاد وشؤون البيت، وفتح هذا الباب يساهم مساهمة كبيرة في إيجاد عدد كبير من الرجال الضعفاء الذين لا يتحملون أدنى مسؤولية، ولا تخفى المفاسد المترتبة على وجود هذا النوع من الرجال في مجتمع الناس.
وكذلك فإنّ هذا الزواج فيه امتهان واضح للمرأة إذ تنحصر أهدافه في قضاء الوطر فقط.
والسؤال الذي يفرض نفسه:-
ما مصير هذا الزواج إذا فقد أحدهما صحته وعافيته؟
ومن المفاسد كذلك تقليل مساحة الزواج الشرعي لأنّ كثيرًا من أهل الأهواء يتطلعون إلى مثل هذا الزواج الذي فيه تحلل من المسؤوليات.
وعليه فإنّي أرى -والله سبحانه أعلم- أنّ هذا الزواج لا يباح لأنّ مفاسده أكثر من المصلحة الموقوتة الضعيفة التي يتشبث بها من يبيحونه.
وبعض النجاح الذي يشاع عنه على شبكة الإنترنت، أو بعض أجهزة الصحافة والإعلام حالات نادرة، والنادر لا حكم له ولا يقاس عليه، أقول هذا عملًا بالقاعدة الشرعية:-
(دَرْءُ المَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ المَنَافِعِ).
ولهذه البدع أسباب منها:-
1- الإعراض عن منهج الله تعالى في حركة الحياة عامة وفي علاقة الرجال بالنساء خاصة، ومن المعلوم أنّ البدعة لا تقوم إلا بإماتة سُنّة (أي طريقة شرعية في الحياة).
2- تزيين بعض أجهزة الصحافة والإعلام هذه الممارسات من خلال استغلال بعض الحالات النادرة فمثلا يقولون (شاب يحصل على الملايين عن طريق زواج مسيار) وقد يكون هذا صحيحًا لكن لا تذكر حالات الثراء عن طريق الزواج الشرعي وهي كثيرة إذ إنّ كثيرًا من المسلمين الذين تذوقوا حلاوة الإيمان وفهموا مقاصد الشريعة يتعاونون مع المتقدّم لبناتهم إلى أبعد الحدود، ثمّ أَلَا يكفي المؤمن وعد الله عزّ شأنه في قوله:-
{وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [سورة النور: 32].
ومن هذه الإعلانات (امرأة نجحت عن طريق زواج المسيار في الحصول على زوج طيب القلب قام بالواجب نحوها إلى درجة أنهما أعلنا ذلك الزواج).
هذه الحالات النادرة يشار إليها بالبنان وتزيّن أجمل تزيين مع التقصير الواضح في بيان المآسي العظيمة التي حلّت بكثيرات من اللواتي وقعنَ فريسة هذه الممارسات.
ورب سائل يسأل:-
فما هو الحل والعنوسة أصبحت ظاهرة مخيفة تقض مضاجع الآباء والأمهات وتهدّد العافية والاستقرار بأوبئة فتاكة؟
الجواب هو:-
العمل بدين الله تعالى بشمولية تامة:-
{— فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [سورة البقرة: 38].
{فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى} [سورة طه: 123].
ثمّ التأكيد على تطبيق هدايات الشرع الشريف فيما يخص الزواج بشكل خاص ومنها:-
1- التشجيع على الزواج فهو سنّة الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والتسليم:-
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [سورة الرعد: 38].
والزوجية سنة كونية:-
{وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [سورة الذاريات: 49].
والزواج سنة خير البرية عليه أفضل الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين:-
(أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي) الإمام البخاري رحمه الله تعالى.
2- التعاون على إتمامه وذلك بما يلي:-
أ- تعاون الأهل والأحباب بدافع التقوى وتعظيم شعائر الله عزّ وجلّ.
ب- التنظيم والترتيب في التيسير، فما المانع مثلاً من إعداد قائمة الحاجات للعريسين بحيث تعمّم على الأقارب والأحباب ليتكفّل كلّ بما يستطيع.
ت- تربية المجتمع ولا سيما مجتمع النساء على قبول مبدأ التعدّد باعتباره من أحكام الله جلّ ذكره:-
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِينًا} [سورة الأحزاب: 36].
وقيامًا بواجب محبّة الخير للجميع وترك الأنانية، فإذا كنّا نرفع أصواتنا جميعًا نساءً ورجالا محذّرين من ظاهرة العنوسة في المجتمع فلماذا لا نبادر لتقليل مساحتها؟
ث- تفعيل صناديق الزواج إنْ وُجِدَت وإيجادها إنْ فُقِدَت.
ج- تعاون جميع الجهات لمكافحة ظاهرة العنوسة وتعسير الزواج فإنّ مخاطرها أكبر من مخاطر الأوبئة التي تتظافر جهود المعنيين مشكورين في مكافحتها.
وأقول أخيرًا لمَن ابتلي بتأخّر الزواج من الرجال والنساء:-
أنْ يبحثوا عن الأسباب وليستشيروا الأصحاب من أهل التقوى والصواب، فقد قال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وبارك عليه وآله وصحبه وسلم:-
(مَا خَابَ مَنِ اسْتَخَارَ، وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَشَارَ، وَلَا عَالَ مَنِ اقْتَصَدَ) الإمام الطبراني رحمه الله عزّ وجلّ.
وليأخذوا بأسباب رفع البلاء المذكورة في قول الله جلّ وعلا:-
{إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [سورة الأنبياء عليهم السلام: 90].
ويشغلوا أنفسهم بالعمل الصالح والتأمل في آيات الله سبحانه في الأنفس والأكوان، والإكثار من الاستغفار وقول (لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ) والصلاة والسلام على سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه، عند ذلك تغمرهم رحمة الله جلّ في علاه، وتفيض على مجتمعاتهم فيسعدون ويفرحون بفضل الله جلّ جلاله.
أسأل الله العظيم، ربّ العرش العظيم، أنْ يفرّج عنّا هذه الكربات إنّه سبحانه سميع مجيب الدعوات.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.