29/03/2010
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا الفاضل احدى الاخوات سألت عن ان يرزقها الله بذرية صالحة لاختها فكان جواب سماحتكم ان تكتب سورة يوسف على مراحل وتضعها تحت الوسادة.فما هو الدليل على هذا الفعل هل فعله الرسول صلى الله عليه وسلم وهل فعله احد الصحابه رضي الله عنهم نريد توضيح اكثر. والله ولي التوفيق
الاسم: رياض منور

الـرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته،
في جوابي للأخت صاحبة الرسالة ذكّرتها أن الله تعالى وصف القرآن العظيم بالشفاء للمؤمنين حيث قال جل شأنه {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا} الإسراء 82. فكتاب ربنا تعالى كله شفاء كما أخبرنا جل جلاله وعم نواله، ولم يقيد بعض الآيات دون بعض، ولك ولكل مسلم أن يأخذ من القرآن الكريم ما شاء لما شاء، وحرف الجر (من) ليست للتبعيض بل لبيان الجنس، أي أن ما يصدق عليه اسم قرآن هو شفاء، ويؤيد هذا قوله تعالى {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} فصلت 44، وعدم فعل سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم لشيء ليس دليلاً على التحريم، فالأصل في الأشياء الإباحة. وقد اختلف العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في الرقية هل هي توقيفية أم اجتهادية، والذي أراه راجحاً -والله سبحانه وتعالى أعلم- أنها اجتهادية، والدليل على ذلك:
1- الآيات التي تذكر أن القرآن الكريم شفاء على وجه الإطلاق كآية سورة فصلت التي تشرفنا بها قبل قليل.
2- الحديث الذي أخرجه الإمامان البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى وهو:
(عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: “انطلق نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في سفرة سافروها، حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عند بعضهم شيء. فأتوهم. فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم شيء؟ فقال بعضهم: نعم والله، إني لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلاً، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ: الحمد لله رب العالمين، فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قَلَبةٌ. قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه. فقال بعضهم: اقسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبي صلى الله عليه وسلم فنذكر له الذي كان فننظر ما يأمرنا. فقدموا على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فذكروا له، فقال: “وما يدريك أنها رقية؟” ثم قال: “قد أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم سهمًا” فضحك النبي صلى الله عليه وسلم). فهذا الحديث الشريف يرشدنا الى أمور مهمة وهي أن هؤلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم اتخذوا سورة الفاتحة كرقية دون أن يسبق ذلك فعلٌ لرسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم بل لفهمهم الصحيح من أن آيات الله تعالى كلها بركة، وعند رجوعهم أخبروا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم ليتأكدوا من شرعية أخذ الجعل على الرقية فأجازهم صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم  على ذلك وطلب منهم أن يضربوا له بسهم تأكيداً منه عليه الصلاة والسلام على جواز ما فعلوه.
3- ومنذ نزول القرآن الكريم وإلى يومنا هذا يستنبط منه علماء الأمة رضي الله تعالى عنهم من الحكم والأحكام و الأسرار ما لا تنقضي عجائبه، ومن ذلك آيات للشفاء، فلا عجب، فإن القرآن لما قرئ له كما يقول أهل العلم. فهذا سيدنا عبدالله بن عباس رضي الله تعالى عنهما كان يكتب لمن تعسرت ولادتها قوله تعالى {وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ} الانشقاق 4.
وكان سيدنا جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه يقول: عجبت لمن خاف من تجمع الأعداء ولم يفزع إلى قوله تعالى: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} آل عمران 173، فإني سمعت الله سبحانه يقول بعدها {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} آل عمران 174. وقال رضي الله تعالى عنه: وعجبت لمن اغتم ولم يفزع إلى قوله تعالى {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} الأنبياء (عليهم السلام) 87، حيث أن الله سبحانه وتعالى يقول {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ} الأنبياء (عليهم السلام) 88.
وقد جاء رجلٌ إلى سيدنا الحسن البصري رضي الله تعالى عنه يشكو إليه الجدب والقحط فأجابه قائلاً: “استغفر الله “، ثم جاءه رجلٌ آخر يشكو الحاجة والفقر فقال له : “استغفر الله”، ثم جاءه ثالثُ يشكو قلة الولد فقال له: “استغفر الله”، فعجب القوم من إجابته فقال: ألم تقرؤوا قول الله تعالى {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا} سيدنا نوح (عليه السلام) 10-12. وقد كان رضي الله عنه يوصي من فقد شيئاً أن يقرأ سورة الضحى استنباطاً من قوله تعالى {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} الضحى 5. وقد ورد في الأثر (تفاءلوا بالخير تجدوه) وعمل هذه الذوات الشريفة رضي الله تعالى عنهم لا يخرج عن هذا التوجيه، وكذلك جاء استنباط بعض العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم والذين عرفوا بتأويل الرؤى من معاني آيات القرآن الكريم.
وسورة سيدنا يوسف عليه السلام فيها من الحكم والصور الدالة على قدرة الله تعالى وتدبيره، وقد تنبه بعض أهل العلم إلى فائدة كتابة هذه السورة العظيمة للأمر الذي طلبته الأخت صاحبة الرسالة، وقد جربت فآتت أكلها والحمد لله، ولا مانع شرعي من ذلك حيث لم يثبت النهي عنه، بل ثبت الندب المطلق لاتخاذ القرآن العظيم شفاء كما أسلفت.
وإني إذ أوضح هذا أشكرك على حرصك على دين الله تبارك وتعالى ومعرفة توجيه أهل العلم لما يوصون الناس به فجزاك الله تعالى خيراً.

والله سبحانه وتعالى أعلم.