28/4/2010

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سؤالي: ما حكم من يقول عند زيارته للرسول صلّى الله عليه وسلّم دخيلك يا رسول الله؟ جزاكم الله خيرًا.

 

الاسم: فؤاد توفيق

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاك الله جلّ وعلا على دعائك خيرًا ولك بمثله.

قول المسلم: دخيلك يا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم من الألفاظ المحتملة التي ينبغي أنْ نسأل عن قصد صاحبها، ويجب علينا أنْ نحسن الظنّ بداية بأهل لا إله إلّا الله سبحانه ولا نتهمهم بالشرك والكفر لمجرّد تلفظّهم بمثل هذه الألفاظ الموهمة، فلا شكّ أنّ المسلم يعلم أنّ الفاعل هو الله جلّ جلاله في كلّ شيء، ويعلم أيضًا أنّ لسيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، خصائص تفرّد بها، ومنها: الشفاعة العظمى، وأنّ له عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام منزلة وجاهًا عظيمًا، فقول المسلم: دخيلك يا رسول الله، يُحمل على طلب الشفاعة، أو على التوسّل بجاهه ومنزلته صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحابته.

والتوسّل بسيّدنا الرسول عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الثقاة العدول، وبحضرات الأنبياء عليهم السلام، والملائكة، والصالحين من عباد الله جلّ في علاه، من الأمور التي تعددت فيها وجهات النظر بين الأئمة، وهو أمرٌ فقهيّ وليس من مسائل العَقيدة، ومَن قرأ كتب المذاهب المَتبوعة من السادة الحنفيّة والمالكية والشافعية والحنابلة رضي الله تعالى عنهم وعنكم وجدَ هذا واضحًا، فالكثيرون أجازوا التوسُّل بحضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، وبالصالحين من عِباد الله رضي الله تعالى عنهم وعنكم أجمعين.

وهناك مَن كَرَّهَ التوسّل، وهناك مَن منعه، ولكُلِّ فريق من هؤلاء أدلّته أو شُبُهاته -على الأقلّ- في تأييد ما ذهب إليه، وللمُخالفين رُدودُهم عليه كما هو الشأن في المسائل الخِلافيّة، ولأنّ موضوع التوسُّل فقهيٌّ لا عَقديّ تكلَّمتْ عنه جميعُ كتب المذاهب الفقهية على اختلاف أحكامها فيه، ودخل الموسوعات الفقهية باعتباره من المسائل الفرعيّة العملية التي تدخل في إطار البحث الفقهي.

وهناك كثيرون من المستقِلّين عن المذاهب قالوا بإجازة التوسُّل، منهم الإمام الشوكاني -وهو سَلَفِيٌّ معروف- في كتابه (تحفة الذاكرين) شرح (الحِصن الحصين)، وهناك غيره من القُدامَى والمُحدَثين.

ومنهم مَن أجاز التوسُّل بحضرة النبيِّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم وحده ولم يُجِز التوسُّل بغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم، كما هو رأي الإمام عزّ الدين بن عبد السلام رحمه الله ذو الجلال والإكرام.

والشيخ ابن تيمية رحمه ربّ البريّة جلّ وعلا -وإنْ أنكَر التوسُّل بالذات- لم يشتَدّ في نَكيرِه إلى حدِّ التكفير أو التأثيم كما يفعل بعض مَنْ يدَّعون الانتساب إلى مدرستِه، وقد قال في “فتاويه” بعد أنْ ذكر الخلاف في المسألة:-

(ولم يقل أحدٌ: إنَّ مَنْ قال بالقول الأوّل فقد كَفَر. ولا وجهَ لتكْفيره، فإنّ هذه مسألة خَفِيّة ليسَتْ أدلّتُها جَلِيّة ظاهرة، والكفر إنّما يكون بإنكار ما عُلِمَ من الدين بالضرورة، أو بإنكار الأحكام المُتواتِرة والمُجمَع عليها ونحو ذلك.. بل المُكَفّر بمثل هذه الأمور يستحقّ من تغليظ العُقوبة والتعزيز ما يستحقُّ أمثاله من المُفتَرِين على الدين، لا سيما مع قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (أيُّما رجلٍ قال لأخيهِ: يا كافِر فقد باءَ بِها أحدُهما) مجموع الفتاوى (1/106 والحديث متفق عليه عن سيّدنا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما.

والتوسل في أصله موجود حيث قال الله عزّ وجلّ:-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة المائدة: 35].

وقال جل جلاله:-

{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [سورة الإسراء: 57].

وقد حدّد البعض أنّ الوسيلة إلى الله تعالى مقتصرة على عمل الإنسان فقط، أي أنّ الإنسان يتوسّل بعمله الصالح دون أنْ يتوسّل بذوات شريفة من نبيّ أو صالح مستندين إلى حديث مشهور وهو حديث الثلاثة الذين أحصروا في الغار، فقد قال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(انْطَلَقَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوْا المَبِيتَ إِلَى غَارٍ، فَدَخَلُوهُ فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ، فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لاَ يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ لاَ أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا (أي: لا أقدّم في الشرب قبلهما أحدًا)، وَلاَ مَالًا فَنَأَى بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ يَوْمًا، فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا، فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ وَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبِثْتُ وَالقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ، أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الفَجْرُ، فَاسْتَيْقَظَا، فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ، فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لاَ يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ، كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا، فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءَتْنِي، فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا، قَالَتْ: لاَ أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَتَحَرَّجْتُ مِنَ الوُقُوعِ عَلَيْهَا، فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ مِنْهَا، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ، فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي، فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنَ الإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ وَالرَّقِيقِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لاَ تَسْتَهْزِئُ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لاَ أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ، فَاسْتَاقَهُ، فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، فَخَرَجُوا يَمْشُونَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

وهذا الحديث الشريف لا يقصر الوسيلة على العمل الصالح، حيث أنّ هناك شواهد تبيّن جواز التوسّل بالمقرّبين إلى الله جلّ في علاه لقضاء الحوائج، منها:-

(اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ، وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتَقْضِي لِي، اللهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ) الإمام النسائي رحمه الله عزّ وجلّ.

وزاد في رواية:-

(فَفَعَلَ الرَّجُلُ فَبَرَأَ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ وعلا.

وقوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-

(مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْكَ، وَأَسْأَلُكَ بِحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا، فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا، وَلَا بَطَرًا، وَلَا رِيَاءً، وَلَا سُمْعَةً، وَخَرَجْتُ اتِّقَاءَ، سُخْطِكَ، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ، فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُعِيذَنِي مِنَ النَّارِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، أَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفِ مَلَكٍ) الإمام ابن ماجه رحمه الله تعالى.

فهذا الحديث الشريف لا يدلّ على جواز التوسّل فقط بل فيه ترغيب من الحبيب صلّى وسلّم عليه القريب المجيب للأمّة بالتوسّل إلى الله سبحانه بجميع المؤمنين والمؤمنات السائلين له جلّ جلاله من السادة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأولياء رضي الله تعالى عنهم وعنكم أحياءً كانوا أو أمواتًا.

وفي هذه الأدلة من كتاب ربّ البرية عزّ شأنه وحديث خير الخليقة صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم كفاية لمَنْ يعظّمون مصادر الشريعة ولا يختلفون على قضاء الله تبارك في علاه في أحكامه، فليس بعد حكم الله عزّ وجلّ ورسوله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين قول لأحد كائنًا مَنْ كان طالما هو في دائرة الإيمان قال عزّ من قائل:-

{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِينًا} [سورة الأحزاب: 36].

فأرجو من الله جلّ ذكره أنْ يهدي المسلمين والمسلمات لترك الخلاف حول هذا الموضوع ويهدينا جميعًا إلى صراط مستقيم وهو سبحانه بكلّ شيء عليم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.