18/6/2010

السؤال:

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، السؤال: ما هو الدليل الشرعي على أنّ عمل الروح من أصول الدين؟

أثابكم الله خيراً وأعلى منزلتكم في الدنيا والآخرة ونرجو الدعاء.

 

الاسم: عبد الحق النقشبندي

 

الـرد:

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

جزاك الله جلّ جلاله خيرًا على دعائك ولك بمثله.

إنّ أركان الإسلام بل وكل العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه جلّ وعلا من فرائض ونوافل لا تقبل بدون عمل روحي، فأنت إنْ نطقت بالشهادتين إنّما تقوم بعمل جسماني مادي تشترك به عضلات الفم مع الأوتار الصوتية، فإذا فعلت هذا مجرداً لا يقبل عند الله تعالى ما لم يصاحبه عمل روحي وهو الإيمان الذي يعني التصديق بهاتين الشهادتين، ولا شك أنّ التصديق عمل روحي، وكذلك كلّ العبادات كما أسلفت، أي أنّ لها شقيّن:-

الأوّل: مادي.

والثاني: روحي يتجسد بالنيّة وهي عمل روحي محلّها القلب، قال تعالى:-

{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [سورة البينة: 5].

وقال سيّد المرسلين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين:-

(إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ في علاه.

وقال الله جلّ جلاله وعمّ نواله:-

{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [سورة الإسراء: 85].

الله جلّ وعلا خلق الإنسان ثنائي التكوين فقال سبحانه:-

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [سورة الحجر: 28-29].

ولا يخفى أنَّ كلمة سَوَّيْتُهُ إشارة إلى الجانب المادي الجسدي في الإنسان، وكلمة نَفَخْتُ إشارة إلى الجانب الروحي فيه، ولا يختلف اثنان أنَّ الجانب  المادي في الإنسان له طاقاته بل الحقّ أن طاقات الجانب المادي مستفادة من الجانب الروحي، لذلك بمجرد خروج الروح من الجسد تنتهي الطاقات الجسدية، فالعين لا ترى والأذن لا تسمع وكذلك بقية الحواس لا تعمل، بل يصبح الإنسان جثة هامدة تنتهي فاعليته ولا تبقى له مقاومة على البقاء وسرعان ما تتلاشى وتنتهي، إذاً فالطاقات هي للروح فإذا آمن الإنسان بهذا فليعلم أنّ من طاقات الروح تلك الشحنات التي يتوجه بها صاحبها على القلوب فترتفع بها إلى مستوى أقدس وتسمو بالإيمان إلى مقام المراقبة والشهود لتصل إلى مرتبة الإحسان التي قال فيها سيّدنا المصطفى العدنان عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه أهل الفضل والعرفان، لمّا سأله سيّدنا جبريل عليه السلام:-

(— فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ، فَقَالَ: الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) متفق عليه.

والتأثير الروحي لا يقتصر على جانب الخير بل يَرِدُ أيضا في جانب الشّرّ والإفساد، وذاك متمثل في عمل السحرة والمبطلين والحاسدين -أعاذنا الله عزّ وجلّ منهم- ولقد أثبت القرآن الكريم التأثير الروحي في سوره وآياته منها قوله سبحانه:-

{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سورة الجمعة: 2].

فقد بيّن الله جلّ جلاله وعمّ نواله أنَّ من وظائف سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه “التزكية” ومن معانيها اللغوية: النّماء والتّطهير أي أنّ سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام يُنَمّي الطاقات عند المؤمنين بعد أنْ يطهّر نفوسهم وقلوبهم من الأدران والأمراض، فكان يؤثر بنور قلبه الشريف في قلوب النّاس فيجعلها طاهرة لذكر الله جلّ وعلا بل يجعلها ذاكرة فعلا.

فعَنْ سيّدنا أُبَيّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله تعالى عنه قَالَ:-

(كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَدَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّى فَقَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلاَةَ دَخَلْنَا جَمِيعًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا قَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ وَدَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَرَءَا، فَحَسَّنَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم شَأْنَهُمَا، فَسُقِطَ فِي نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ وَلاَ إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَدْ غَشِيَنِي ضَرَبَ فِي صَدْرِي فَفِضْتُ عَرَقًا وَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَرَقًا) الإمام مسلم رحمه المنعم عزّ شأنه.

فأنت ترى أنَّ حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم ما كلّمه بشيء ولا شرح له كيفية تحسينه لقراءة الرجلين مع اختلافهما، إنَّما استخدم معه قوّة روحية طردت وساوس الشيطان وخطرات النفس الأمّارة بالسوء، وملأت القلب خشية من الله عزّ وجلّ فسمت به إلى مقام المشاهدة.

ولا تقتصر وظيفة التزكية على سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، بل رحم الله جلّ جلاله هذه الأمّة فجعل فيها مَنْ يرث النبيّ عليه الصلاة والتسليم وآله وأصحابه أجمعين في التوجّه الروحي والتطهير النفسي، والوارث هو:-

العالم العامل الرباني المرشد الشيخُ الكاملُ الموصولُ السندِ بسيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام مِنَ الناحيةِ الروحيةِ والعلميةِ.

ولمزيد ممّا يتعلق بالمرشد والإرشاد أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (11) في هذا الموقع المبارك.

لذا فالعمل الروحي الإسلامي بالإضافة إلى أنّه قَوامُ الشّرع الشريف باعتباره داخلا في أصوله وفروعه، فالدّين عقيدة وأحكام، فالاعتقاد: عمل روحي لأنّ معناه التصديق، والأحكام: تشترط فيها النية، ولا يخفى أنّ كلا من التصديق والنيّة عملٌ روحي محلّه القلب.

إذن العمل الروحي علمٌ يُعْنى بتربية وتزكية الروح وقواها، وهو معتمد على أربعة أركان راسخة واضحة هي التالية ذكرا:-

الركن الأول: الاعتصام بالشريعة الغرّاء.

الركن الثاني: العلم النافع.

الركن الثالث: الجهاد في سبيل الله تعالى.

الركن الرابع: العمل الصالح.

ولقد ألّف فيه سيّدي حضرة الشيخ الدكتور عبد الله الهرشميّ طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه كتابًا ذكر فيه كلّ ما يتعلق به بشكل مفصّل أسماه:-

((معالم الطريق في العمل الروحيّ الإسلاميّ))

أرجو اقتنائه ومطالعته، ففيه جواب كامل لسؤالك بإذن الله عزّ وجلّ، ومن الله جلّ جلاله وعمّ نواله التوفيق، وهو سبحانه أعلم وأحكم.

وصلّى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الجود والكرم.