21/9/2011
السؤال:
بسم الله الرحمن الرحيم.
وعد الله الصابرين المخرج مما يكرهون والرزق من حيث لا يحتسبون، جعلنا الله وإياكم من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون..
سيدي الفاضل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا مقتنع جداً بما تقولون من أنّ الإنسان إذا أراد الوصول أو قُل -السلوك- فلا بدّ له من مربٍّ مرشد ثقة، فأنا أسألك بالله يا سيدي الفاضل: كيف يعقل من النبيّ الخاتم صلّى الله عليه وآله أنْ يترك الأمة بعد وفاته بدون وليّ مرشد وهادي لهم -ولكلّ قوم هاد- حاشا لرسول الله أنْ يفعل ذلك. بل فعل وقال: (إنّي قد تركت فيكم ما إنْ أخذتم به لنْ تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي) سنن الترمذي -المناقب عن رسول الله- مناقب أهل بيت النبي، رواه أكثر من 200 عالم عن أكثر من 30 صحابي وصحابية، ولا يخفى عليكم صحة هذا الحديث بل صححه حتى المتشددون في قبول الحديث كالألباني!! وقد قال عليه أفضل الصلاة والسلام: (يكون اثنا عشر أميرًا فقال كلمة لم أسمعها فقال أبي: إنّه قال: كلهم من قريش). صحيح البخاري -الأحكام- الاستخلاف. وقد شخّص وعيّن النبيّ الأكرم هذا الولي للأمة، فإنّه (أمر الصلاة جامعة فأخذ بيد علي (ر) فقال ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال ألست أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا: بلى، قال: فهذا وليّ مَنْ أنا مولاه، اللهمّ وال مَنْ والاه، اللهمّ عاد من عاداه) صحيح -الألباني- كتب تخريج الحديث النبوي الشريف.
أو ليس الأمة أعظم من الفرد؟ أو ليس الفرد جزء من الأمة؟ فكيف تصرّون على أنْ يكون لمَنْ يريد السلوك فلا بدّ له من ولي مرشد، ورسول الله يترك الأمة بلا ولي مرشد؟!! كلا بل فعل وذكرت لكم بعض الأدلة، ألا ترون ماذا حدث بالأمة اليوم من تمزق وتناحر؟ بل بلغ الأمر إلى تكفير بعضهم البعض، وأبيحت الدماء وانتهكت الأعراض وما ذلك إلا لعدم وجود القائد الحقيقي الذي يكون رأيه ملزم لجميع المجتهدين لأنّ رأيه من رأي القرآن ولا يفترق عنه وهم الأئمة الإثنى عشر صلوت ربي عليهم.
سيّدي أعتذر من الإطالة وأريد أنْ تتصدقوا علينا بالجواب والله يجزي المتصدقين…
وأرجوكم لا تنسونا من دعائكم والسلام عليكم…
الاسم: عبد الله
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
جزاك الله جلّ وعلا خيرًا على دعواتك ولك بمثلها.
لقد انتهج هذا الموقع منهجًا يبتعد فيه عن الخوض في الخلافات التي تعصف بالأمّة وتفرق شأنها كي نحافظ عليه خيمة يستظل بها كلّ المسلمين بل كلّ مَنْ يبحث عن الهداية إلى الحق فيستفيدوا ويفيدوا، ولكنّك ربطت في سؤالك بين الإرشاد والخلافة العامّة للمسلمين، وبينهما عموم وخصوص، فالإرشاد عام في كلّ حال وزمان سواء وجدت الخلافة أو فقدت، ولأجل هذا الربط أجدني مضطرًّا للإجابة على ما طرحته مع تبيان أنّنا لن ننساق في هذا الموقع إلى السجال، وأرجو أنْ يكون جوابي شافيًا وخاتمًا، ولن ينشر بعد ذلك أيّ موضوع أو تعقيب في هذا الباب.
أمّا عن جواب سؤالك:-
فسيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم لم يترك الأمّة دون هدايات في موضوع الخلافة تضيء لهم الطريق لاختيار الخليفة باعتبار أنّ شأنها مبنيّ على التشاور كما قال الله تبارك في علاه:-
{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [سورة الشورى: 38].
وبما استشهدت به من الحديث الشريف والذي جاء كذلك بروايات أخرى منها:-
(تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ) الإمام مالك رحمه الله عزّ وجلّ.
والرواية التي استشهدت فهي حثّ على توقير أهل بيته صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه، ومحبتهم ومودتهم كما أمر ربنا عزّ شأنه في قوله:-
{قُل لّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [سورة الشورى: 23].
ويؤيد ذلك الحديث الصحيح الذي نصّه:-
(أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
لا يدلّ على حقّ الخلافة في أهل البيت بل يدلّ على كونهم وسائل للهداية كما هو الحال بالنسبة للصحب الكرام رضي الله تعالى عنهم وعنكم، وإنْ كنت تقصد أنّ أهل البيت عليهم السلام هم الذين يحكمون فسيّدتنا فاطمة رضي الله سبحانه عنها لا شكّ من أهل البيت فهل يجوز أنْ تكون خليفة للمسلمين أو بناته الأخريات عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام ورضي الله تعالى عنهنّ؟
الآية الكريمة والأحاديث الشريفة واضحة في معانيها ولا يجوز تحميلها أكثر ممّا تحتمل.
وأنت ذكرت أنّ هذه الأحاديث تناقلها الكثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وسطرها المحدثون رحمهم الله جلّ في علاه وفهموها كما هو الفهم الصحيح، ولو كان المقصود هو ما ذكرته وهم خالفوها (حاشاهم) كما يدّعي البعض فالأولى أنْ يخفوها ولا ينقلوها ولا يسطرونها في كتبهم، فهذا أهون عليهم من مخالفة حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم!!
أمّا الحديث الآخر في سؤالك وهو قوله صلّى الله تعالى على ذاته وصفاته وآله وصحابته:-
(يَكُونُ اثْنَا عَشَرَ أَمِيرًا، فَقَالَ كَلِمَةً لَمْ أَسْمَعْهَا، فَقَالَ أَبِي: إِنَّهُ قَالَ: كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
فأين الاستدلال فيه على الأئمة الإثني عشر؟
فالحديث الشريف يتحدّث عن أمراء وخلفاء يكونون من بعده عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، أي أنّه صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ينبئ عن أمر سيحدث، ثمّ إنّ الحديث الشريف يشير إلى أنّهم من قريش، وقريش كما تعلم كبيرة وفيها بطون عدّة فكيف يتمّ حصرها في تفسير مَنْ يريد أنْ يفصلها على مقاس اعتقاد لا يصمد أمام ثوابت كثيرة لا مجال لذكرها الآن؟!
فالذين فسّروا هذا الحديث قالوا: إنه عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين، يشير إلى أمراء أو خلفاء يأتون من بعده يسيرون بسيرة حسنة وليس شرطًا أنْ يكونوا متتابعين، وقد اتفق على أنّهم الخلفاء الأربعة وسيّدنا الحسن وسيّدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وآخرون اختُلف في تسميتهم.
وقال بعضهم: إنّ منهم سيّدنا (المهدي) الذي أخبر سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه بمولده في آخر الزمان.
ثمّ إنّ الذي يستشهد ببعض ما أورده الإمام البخاري رحمه الله تعالى عليه أنْ يستشهد بالإمام البخاري ككلّ ولا يجوز أنْ ينتقي منه ما يشاء، فكما أنّ الإمام البخاري رحمه الله تعالى ذكر في صحيحه مناقب أهل البيت رضي الله سبحانه عنهم كذلك ذكر مناقب الصحابة رضي الله جلّ جلاله عنهم وخصوصًا العشرة المبشرين بالجنّة ومناقب أمّهات المؤمنين كما سأذكر فيما بعد.
وحديث (خم الشهير) الذي أوردته لا يدلّ على حصر الخلافة بسيّدنا علي رضي الله تعالى عنه أو توصية له بها، فله مناسبة معينة لا يمكن فهمه دونها، فالحادثة جرت بعد رجوع حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم من حجة الوداع، فلو كان القصد تبيان أنّ مآل الأمر إليه لكان أنسب مكان هو خطبة الوداع، ولكن هذا الحديث جاء بمناسبة عابرة غير مقصودة وهذا نصّه:-
عَنِ سَيِّدِنَا بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ:-
(بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَرِيَّةٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْنَا عَلِيًّا، فَلَمَّا رَجَعْنَا سَأَلْنَا: كَيْفَ رَأَيْتُمْ صُحْبَةَ صَاحِبِكُمْ؟ فَإِمَّا شَكَوْتُهُ أَنَا، وَإِمَّا شَكَاهُ غَيْرِي، فَرَفَعْتُ رَأْسِي وَكُنْتُ رَجُلًا مِكْبَابًا (أَيْ كَثِيْرَ النَّظَرِ إِلَى الأَرْضِ) فَإِذَا بِوَجْهِ رَسُولِ اللهِ قَدِ احْمَرَّ فَقَالَ: مَنْ كُنْتُ وَلِيَّهُ، فَعَلِيٌّ وَلِيُّهُ) الإمام النسائي رحمه الله عزّ وجلّ.
فسيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم غضب من شكوى على سيّدنا عليّ رضي الله سبحانه عنه فبيّن أنّ طاعة مَنْ يندبه للإمارة طاعة له عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، وهذه من البديهيات، حيث أنّ ولي الأمر حين ينتدب شخصًا لأمر معيّن فتصبح طاعته مقرونة بطاعته مع ما في ذلك من تكريم وثناء لا يخفى لسيّدنا عليّ رضي الله تعالى عنه، وهذا غير مستغرب من سيّد الخلق صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه أهل الذوق، حيث أوصى بحبّ وتوقير أهل البيت رضي الله تعالى عنهم، والحديث يدلّ أيضًا على التأكيد بالولاية العامّة بين المؤمنين والمؤمنات الواردة في قول الله جلّ جلاله:-
{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ —} [سورة التوبة: 71].
وبمثل هذا التوجيه وجّه سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم الأمّة تجاه الصحابة رضي الله سبحانه عنهم فقال:-
(اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ ذكره.
والذين يدّعون بأحقيّة سيّدنا عليّ رضي الله تعالى عنه بخلافة سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه ومَنْ والاه ويزعمون تعظيمه، هم في الحقيقة ينالون منه وينسبون إليه التخاذل (حاشاه)!! فكيف يسكت فتى قريش المعروف بشجاعته وعدم سكوته عن الحقّ في الوقت الّذي يرى فيه أنّ وصية سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم يُفرط بها وتتجّه إلى غير الجهة التي أمر حضرة النبيّ عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين؟
فهذه أمانة ويجب أداؤها كما هي وخاصة أنّها -كما يدّعون- جرت على مرأى ومسمع عدد جمّ من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ثمّ كيف يقبل أنْ يكون مستشارًا ووزيرًا لمَن اغتصب منه الخلافة أيّ لخليفة غير شرعي (تنزهوا عن ذلك)؟
بل كيف يعقل أنْ يقوم خليفة أو ملك باستعمال مَن اغتصب منه هذا الملك بمنصب الوزير أو المستشار؟
وكيف يأمن هذا الخليفة رأي مَنْ وقع عليه الظلم؟!!
وآن الأوان لذكر بعض مناقب ساداتنا أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله سبحانه عنهم:
* منها قوله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(أَتَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، قَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ؟ كَأَنَّهَا تَقُولُ: المَوْتَ، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
* عَنْ سَيِّدِنَا عَمْرُو بْنُ العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ:-
(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السُّلاَسِلِ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: عَائِشَةُ، فَقُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ فَقَالَ: أَبُوهَا، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فَعَدَّ رِجَالًا) الإمام البخاري رحمه الله جلّ وعلا.
* وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام في الثناء على سيّدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه:-
(لَقَدْ كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رِجَالٌ، يُكَلَّمُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ، فَإِنْ يَكُنْ مِنْ أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ فَعُمَرُ) الإمام البخاري رحمه الله عزّ شأنه.
* وقال صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه:-
(لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيُّ لَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ) الإمام أحمد رحمه الله جلّ في علاه.
* وأمّا سيّدنا عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه فمناقبه معروفة، والأحاديث كثيرة في حقّه، ولا أدلّ على ذلك من أنّ سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، زوّجه اثنتين من بناته وقال:-
(فَلَوْ كُنَّ عَشْرًا لَزَوَّجْتُهُنَّ عُثْمَانَ، وَمَا زَوَّجْتُهُ إِلا بِوَحْيٍ مِنَ السَّمَاءِ) الإمام الطبراني رحمه الله جلّ ذكره.
وعودة إلى سؤالك الأول: ألم يترك الرسول الأعظم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم خليفة يسمّيه؟
الجواب: نعم، فإنّه أرشد إلى خليفة، ونِعم الخليفة رضي الله سبحانه عنه، شهدت له الآيات الكريمة بالصحبة (وهو الوحيد الذي أثبت له القرآن الكريم شرف الصحبة) قال عزّ وجلّ:-
{إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [سورة التوبة: 40].
وقد أجمع كلّ المفسرين رحمهم الله جلّ في علاه وحتى الذين ينكرون خلافة سيّدنا أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنّ المقصود بـ (لِصَاحِبِهِ) هو سيّدنا أبو بكر الصديق رضي الله جلّ وعلا عنه، ومَنْ يكذّب صحبته يكذّب القرآن العظيم.
وشهد له سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم كما أوردت فيما مضى وكما في قوله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين:-
(إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وشهدت له أعماله الجليلة وتضحياته الجمّة، وشهد له الصحب الكرام رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وندبه خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه المكرمين ليصلي بالناس إمامًا وهي (أي إمامة الصلاة) وظيفة ولي الأمر، فلم يحدث أنْ صلّى بالناس أحد ورسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم موجود، وقد فهم الصحابة رضي الله سبحانه عنهم ذلك فبايعوه على الخلافة.
وأخيرًا أقول:-
لقد انقضى هذا الأمر ونفذ، وكانت خلافة سيّدينا أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما خير الأيام، وكان الإسلام في إقبال وعزّة وانتصار، فدلّ ذلك على أحقيّة هاتين الذاتين الشريفتين بتولّي هذا المنصب المهم، وممّا يؤكّد هذا أنّ سيّدنا وإمامنا عليًّا رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه كان مساندًا ومستشارًا أمينًا لمَنْ سبقوه لمنصب الخلافة كما هو مثبت في صحاح كتب السيرة، فما الفائدة من الجدل في هذا الموضوع أخي الكريم؟ ألَا نلتفت الآن إلى حالنا نحن ونسأل أنفسنا: هذا ما قدّمه الصحب الكرام للإسلام.. فماذا قدّمنا نحن؟
{تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سورة البقرة: 134].
وينبغي أنْ نأتمر بما وجهنا إليه سيّدنا صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه بذكر مناقب أمواتنا:-
(اذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ —) الإمام أبو داود رحمه الودود عزّ شأنه.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.