<< السابق                    [الرئيسية]                     التالي>>

الباب الثاني

إعداد الإنسان من جهة الاعتقاد

الفصل الأول: عقيدة الإيمان بالله تعالى

تمهيد:

الإنسان موجود عاقل يلحظ ويدرك سائر الموجودات، وهو يستقصي أحوال ما يدرك ويستقرئ أوصافه وخصائصه، ويسعى بذلك إلى استنكاه ما أدرك واستزادة العلم به إجمالاً وتفصيلاً.
فمن ملاحظاته نظرته إلى الكون والإنسان والحياة التي قادته إلى التفكر في أصل نسأتها وتكوينها ومن ثم احتمال وجود منشئ وموجد يرجع إلى إرادته وقدرته صنع الكون وإبداع الإنسان ووهب الحياة. وقد مر في طريق تفكيره هذا بمراحل عديدة.
فتارة نسب خلق الموجودات الطبيعية إلى أجزاء وأبعاض من الموجودات الطبيعية ذواتها، فاتخذ الرب من الكواكب والشمس والقمر، وقد صرح القرآن الكريم عن هذه المرحلة في قصة سيدنا إبراهيم على نبينا وعليه السلام مع قومه وذلك في سورة الأنعام {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} (سورة الأنعام / الآيات 74-83).
وتارة اتُّخذ الرب من الضياء والظلمة أو غيرهما من الظواهر الطبيعية وهذه واضحة في عقيدة قدامى المصريين والهنود.
وتارة من أنواع الحيوان أو أفراد الإنسان وقد بين القرآن الكريم هذه العقائد وفندها فقال سبحانه وتعالى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ} (سورة إبراهيم عليه السلام / آية 30).
وقال سبحانه {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا * لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا} (سورة النساء / آية 171-172).
وقال سبحانه {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَواتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (سورة المائدة / آية 17). وقال سبحانه {قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} (سورة الأنعام / آية 71).
وهكذا فإن القرآن الكريم ذكر هذه الأنواع من النوازع البشرية حول قضية الإيمان بقوة تدير أمر هذا الكون بعد أن صنعته وأبدعته، وكان من البشر من رفض هذه الأرباب والآلهة وعزا أمر إنشاء الكون والإنسان والحياة إلى الدهر أو المادة التي زعموا خلودها فاتخذوا منها آلهة فنسبوا إليها الأزلية والأبدية معاً أو الأبدية وحدها عند من اعتقد وجود الكون صدفة.
ثم سعا الإنسان في بحثه عن خالق الكون وواهب الحياة منزلة أخرى فترك المادة والطبيعة واستبعد أن يكون الجزء خالق الكل فأخذ يبحث عن الإله فيما وراء الطبيعة، فمنهم من هدى الله سبحانه فوصل إلى الإله الحق، ومنهم من حقت عليهم الضلالة فتاهوا عن الطريق السوي فأنكروا وجود الخالق أساساً وهؤلاء هم الملاحدة.
والقرآن الكريم وهو يعدّ الإنسان للدار الآخرة عالج قضية الإيمان بوسائل كثيرة متنوعة أعرض بعضها في أبحاث هذا الباب إن شاء الله تعالى.

<< السابق                    [الرئيسية]                     التالي>>