المبحث الرابع
استهداف القرآن إعداد الإنسان للآخرة
لما كانت الآخرة هي دار القرار للإنسان، والقرآن العظيم أنزل لهداية الناس وإسعادهم كما قال سبحانه وتعالى {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} سورة البقرة / آية 185، وقال سبحانه {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} سورة الإسراء / آية 82.
وقال عزّ من قائل {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} سورة الإسراء / آية 9، وقال سبحانه {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} سورة الإسراء / آية 89، وقال سبحانه {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} سورة ق / آية 45. فمن البديهي أن يستهدف القرآن الكريم إعداد الإنسان للآخرة، فالقرآن الكريم يريد:
– الإنسان الأتقى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} سورة الحجرات / آية 13.
– ويريد الإنسان الذي يحقق العبودية لله تعالى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} سورة الذاريات/ آية 56، العبادة التي تشمل كل دقائق الحياة وتفاصيلها بما يحقق رضا الله تعالى ويقي غضبه وعقابه.
– ويريد الإنسان المتبع لهدى الله سبحانه {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} سورة البقرة / آية 38، ومن هذا الهدى يستمد منهج حياته وسلوكه بالصورة التي تنجيه في الدار الآخرة.
– ويريد من الإنسان أن يرتبط بخالقه ولا يتنكر له {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} سورة الانفطار / آية 6-8.
– ويريد الإنسان الذي يرقب الله تعالى في حركاته وسكناته وأقواله {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} سورة ق / آية 16-18.
– ويريد الإنسان الصالح الذي يعمل الصالحات {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} سورة النحل / آية 97، وقال سبحانه {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} سورة فصلت / آية 46.
– ويريد الإنسان الذي تتوجه إرادته إلى بلاد الأفراح لينأى عن اعتبارات الدنيا ونيل ما فيها {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} سورة القصص / آية 77، {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} سورة القصص / آية 83، وقال سبحانه {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} سورة الشورى / آية 20.
– ويريد الإنسان الذي يطمع في أعلى النعيم الذي ما بعده نعيم بل لا قيمة لنعيم الآخرة كله إزاءه، ذاك هو لذة النظر إلى وجه الله تعالى {فَمَنْ كانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} سورة الكهف / آية 110، {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} سورة القيامة / آية 22 و 23، {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} سورة سيدنا يونس عليه السلام / آية 26، الزيادة هي النظر إلى وجه الله تعالى الكريم كما ورد في الحديث الصحيح عن صهيب رضي الله عنه أنه قال: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، نادى منادٍ: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا، ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، ويجيرنا من النار؟ قال: فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه، قال فوالله ما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه، ولا أقر بأعينهم (أنظر صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى، جـ 1، ص 112. كتاب الإيمان – باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه. ومسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى جـ 4، ص 333. وسنن الترمذي رحمه الله تعالى – كتاب صفة الجنة – باب ما جاء في رؤية الرب تبارك وتعالى جـ 7، ص 230. وسنن ابن ماجه رحمه الله تعالى – باب فيما أنكرت الجهمية، جـ 1، ص 67).
وإذا نظرنا إلى آيات القرآن الكريم في هذا المعنى وجدناها تهدف إلى إعداد الإنسان للنجاة من النار والفوز بالجنان وهذا هدف كبير بل من أكبر أهداف القرآن الكريم. فالقرآن كله إعداد وتوجيه فَهِمَهُ مَن فهمه وجهله مَن جهله. والله سبحانه وليّ التوفيق.