الإيمان فطرة في النفس:
الله جل جلاله وعمّ نواله حقيقة هائلة كبرى بل هو أكبر الحقائق التي تملأ الكون برمّته، حقيقة تدرك آثارها الحواس والأذهان ويحسها الطبع والفطرة بغير مواناة ولا تردد إلا أن يكون الطبع سقيماً فيه اعوجاج أو تكون الفطرة مريضة تعطلت فيها المسالك والأسباب.
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم
والفطرة سبيل مستحكمة راسخة في مسألة الإيمان بالله تعالى التي تضرب في أعماق الإنسان وفي أغواره فيحس بها إحساساً لا تقوى الأسباب والأساليب مهما تعددت أو اشتدت وعتت أن تصدها أو تستأصلها وتبددها تبديداً، وأي تقوّل خلاف هذه الحقيقة إن هو إلا اصطناع فاسد وزعم كاذب يختلقه الخراصون من مرضى الطبائع والأذهان أو قل هو إغفال كبير لحقيقة الفطرة في الإنسان تلك الفطرة التي يكون من مقتضياتها الذاتية والمطبوعة الإيمان بالله تعالى.
يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (سورة الروم / آية 30).
ذكر الإمام القرطبي رحمه الله تعالى اختلاف العلماء في معنى الفطرة المذكورة في الكتاب والسنة فقال: اختلف العلماء فيها على أقوال متعددة، منها: الإسلام، والبداءة التي ابتدأهم الله عليها، أي على ما فطر الله عليه خلقه من أنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاء وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ. وقالت فرقة: ليس المراد بقوله تعالى {فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} ولا قوله صلى الله عليه وسلم (كل مولود يولد على الفطرة) العموم وإنما المراد بالناس المؤمنون، إذ لو فطر الجميع على الإسلام لما كفر أحد. (حديث: “كل مولود يولد على الفطرة” أنظر: صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى جـ2 ص 111، كتاب الجنائز –باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام-، ورواه الإمام مسلم رحمه الله تعالى بألفاظ متعددة متفقة في المعنى. أنظر صحيح مسلم بشرح النووي جـ 16 ص 207، وصحيح مسلم جـ 8 ص 52 و 53 –كتاب القدر-باب – كل مولود يولد على الفطرة-، وسنن الترمذي رحمه الله، جـ 4 ص 389 الباب 5 – ما جاء كل مولود يولد على الفطرة، وسنن أبي داود جـ 4 ص 229 و 230 باب في ذراري المشركين).
قالوا: والعموم بمعنى الخصوص كثير في لسان العرب، ألا ترى إلى قوله تعالى {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} (سورة الأحقاف / آية 25) ولم تدمر السماوات والأرض، وقوله تعالى {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} (سورة الأنعام / آية 44) ولم تفتح عليهم أبواب الرحمة الإلهية ولا أبواب الهداية الربانية.
وقالت طائفة من أهل الفقه والنظر: الفطرة هي الخلقة التي خلق عليها المولود في المعرفة بربه، فكأنه قال: كل مولود يولد على خلقة يعرف بها ربه إذا بلغ المعرفة، يريد خلقة مخالفة لخلقة البهائم التي لا تصل بخلقتها إلى معرفته.
إذن قولي الإيمان فطرة أعنى به ما ذهبت إليه الطائفة الذين قال عنهم القرطبي أنهم أهل فقه ونظر. منهم أبو عمرو بن عبدالبر وابن عطية وشيخ القرطبي أبو العباس (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي بتصرف، جـ 14 ص 18-20).
ومنبع هذه الفطرة ذلك العهد المشهود الذي أخذه الله تعالى من ذرية بني آدم والذي أشارت إليه الآية الكريمة من سورة الأعراف وهي قوله تعالى {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} (سورة الأعراف / آية 172)، ولأن هذا العهد مؤكد ومفطور عليه الإنسان فإن الله سبحانه قطع الطريق على الإنسان أن يدعي الغفلة أو يلقي اللوم على غيره من المبطلين وهذا واضح من المقطع الأخير من الآية والتي تليها {أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} (سورة الأعراف / آية 172 و 173).
وبذلك فإن الإيمان بالله إلهاً واحداً خالقاً موجداً يأتي مرادفاً للفطرة أو أن من المقتضيات التلقائية التي تتلازم تلازماً لا يتخلف مع الفطرة بمعنى الخلقة وهو تلازم يوافق طبيعة الإنسان ويتواءم مع أصالته الذاتية الراسخة في الصميم (الإنسان في الإسلام ص 81).
والإحساس بحقيقة الإيمان المركوز في الحقيقة البشرية يتضح غاية الوضوح عندما تحيق الأهوال بالإنسان أو تزلزله الأحداث فتنذره بالموت، فإذا بالإنسان يلجأ إلى الله تعالى لا لغيره ليكشف بلواه ويرد عنه شدة الأهوال، قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا} (سورة الإسراء / آية 67). وقال سبحانه {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (سورة سيدنا يونس عليه السلام / آية 12)، والدعاء مخ العبادة والعبادة أعظم مظهر من مظاهر الإقرار للمدعو وهو الله سبحانه وتعالى، ويقول سبحانه في آية أخرى {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} (سورة سيدنا لقمان عليه السلام / آية 32).
فالفطرة لا ولن تستأصل لكن قد يخفت صوتها في النفس أو يكبتها الإنسان عمداً في ساعات الدعة والراحة والرخاء فإذا نزلت النوازل وانقطعت الأسباب وغاب الأمل والرجاء هنالك ينطلق هذا الصوت بكل قوة متجهاً إلى الخالق منيباً ضارعاً، “سأل رجل الإمام جعفر الصادق -رضي الله عنه- عن الله تعالى فقال: ألم تركب البحر؟ قال: بلى. قال: فهل حدث لك مرة أن هاجت بكم الريح عاصفة؟ قال: نعم. قال: وانقطع أملك من الملاحين ووسائل النجاة؟ قال: نعم. قال: فهل خطر في بالك وانقدح في نفسك أن هناك من يستطيع أن ينجيك إن شاء؟ قال: نعم. قال: فذلك هو الله” جل جلاله وعمّ نواله (العبادة في الإسلام، ص 5).
ويقول ارنست رينان في تاريخ الأديان: “إنه من الممكن أن يضمحل كل شيء نحبه، وأن تبطل حرية استعمال العقل والعلم والصناعة، ولكن يستحيل أن ينمحي التدين، بل سيبقى حجة ناطقة على بطلان المذهب المادي الذي يريد أن يحصر الفكر الإنساني في المضايق الدنيئة في الحياة الأرضية” (الدين، ص 87).
إن أعظم القوى في الأرض لن تستطيع نزع هذه الفطرة من الإنسان مهما مارس الظالمون والطغاة من أساليب القهر والمنع والصد والإرهاب، فلا جرم أن تؤول هذه الوسائل إلى الفشل والخذلان، أو تذيق النفس البشرية ألواناً من العذاب يكون أدناها الاختلاف في ميزان الشخصية أو الانحراف في الطبع والسلوك. لقد تواردت الأبناء متواترة وأثبتت الدراسة متعاقبة على فشل النظام الماركسي الملحد الذي مارسة السوفييت في حمل الإنسان منذ الطفولة على نكران الله تعالى، وهذا أعظم دليل وأكبر برهان على صدق الإيمان الغلاب المركوز في الإنسان، فعلى الرغم من الجهود المضنية والكبيرة التي بذلت في التربية والتعليم والإعلام ووسائل القهر والقمع والإرهاب واتخاذ الأسباب المصطنعة في الإقناع والأموال الطائلة التي أنفقت في هذه السبل فإن الناس في هذه البلاد وغيرها ما فتئوا مؤمنين بالله تعالى مستجيبين لنداء الفطرة المتدينة، وستظل الشعوب تؤمن بالله تعالى على الرغم من الأساليب الثقال في القمع والترهيب والخداع وعلى الرغم من الوسائل الكثيرة من الدعاية والنشر والإعلام وذلك من خلال الصحافة والمذياع والتلفاز والتعليم الإلزامي في مدارس الدولة التي تحمل الطالب حملاً على اتبلاع الإلحاد واجتراره اجتراراً وخنق الإيمان وكتمه. سيظل الإيمان بالله تعالى عنصراً من عناصر التكوين الفطري للإنسان فلا قوام للإنسان دون الاستناد إلى هذا العنصر الأساس، وهذا هو مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: (واني خلقت عبادي حنفاء كلهم وانهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمَرَتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً) (صحيح مسلم بشرح النووي، جـ 17 ص 197، وهو قطعة من حديث طويل أخرجه الإمام مسلم رحمه الله في باب –الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار- جـ 8 ص 158 و 159).
وقوله عليه الصلاة والسلام (ما من مولود إلا يولد على الطفرة أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء) ثم يقول أبو هريرة: واقرؤا إن شئتم {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} وفي رواية: حتى تكونوا أنتم تجدعونها، قالوا: يا رسول الله، أفرأيت من يموت صغيراً؟ قال: الله أعلم بما كانوا يعملون) يدل على أن الإيمان الحق المتمثل في إسلام الوجه لله تعالى هو فطرة من الله تعالى أما العقائد المحرفة الأخرى من يهودية ونصرانية ومجوسية فهي من تلقين الآباء والأمهات (حديث “ما من مولود إلا يولد على الفطرة..” أنظر: صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى جـ 2 ص 111 – كتاب الجنائز – باب – إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه، وهل يعرض على الصبي الإسلام. وصحيح الإمام مسلم ورواه بألفاظ متعددة متفقة في المعنى جـ 8 ص 52 و 53 كتاب القدر – باب – كل مولود يولد على الفطرة. وسنن الترمذي رحمه الله تعالى جـ 4 ص 389 – الباب 5 – ما جاء كل مولود يولد على الفطرة. وسنن أبي داود رحمه الله تعالى جـ 4 ص 229 و 230 – باب – في ذراري المشركين).
وستظل الأنفس الإنسانية تشعر بالألم وتحس بالجوع والظمأ حتى تجد الله تعالى ووتتوجه إليه، هنالك تستريح من عناء ونصب، وترتوي من ظمأ، وتأمن من خوف، وكأنها المقصودة بقول القائل:
فألقت عصاها واستقر بها النوى كما قرّ عيناً بالإياب المسافر
هناك تشعر ببرد اليقين يثلج حنايا القلوب ويكشف الحجاب عن البصيرة والبصر فيبلغ مقام الشهود، وكأنها القائلة (ومتى غاب ربي حتى يحتاج إلى دليل) فقد ذكروا أن الإمام الرازي أقام أدلة عقلية كثيرة على وجود الله تعالى فلما قيل لعجوز إن هذا الإمام أقام ألف دليل ودليل على وجود الله تعالى قالت: (ومتى غاب ربي حتى يحتاج إلى دليل) فبلغ قولها الإمام فدعا قائلاً: (اللهم إيماناً كإيمان العجائز).