2013/07/28

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. سيّدي حضرة الشيخ. أتمنّى من الله العليّ القدير أنْ تكونوا في تمام الصحّة والعافية. وأنْ لا يحرمنا من رؤيتكم.

سؤالي هو: ما هو كتاب التفسير الذي تنصحونا بقراءته والذي يهتم بجوانب التزكية والجوانب واﻷعمال القلبية والبيان والإعجاز بأنواعه وحبّذا لو كان من الكتب الحديثة حتى تكون لغته أقرب لفهمنا؟ مع الشكر الجزيل.

 

الاسم: احمد عبد الرحمن

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أشكرك على دعواتك وتمنياتك الطيبة سائلا المولى سبحانه أنْ يحفظكم ويرعاكم.

قال الحقّ جلّ وعلا:-

{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [سورة النحل: 89].

وقال أصدق القائلين عزّ شأنه:-

{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [سورة الإسراء: 88].

إنّ عطاء القرآن الكريم مَعِينٌ لا ينضب، وبحرٌ لا يُعرف غورُه، وساحلٌ لا يُقاس حدّه، وسيبقى عطاؤه متجدداً ما دامت ألسنة تقرؤه وقلوب تعيه، كيف لا وقد وصفه حضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين فقال:-

(كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَهُوَ الفَصْلُ لَيْسَ بِالهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ ابْتَغَى الهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ، هُوَ الَّذِي ‌لَا ‌تَزِيغُ ‌بِهِ ‌الأَهْوَاءُ، وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسِنَةُ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ العُلَمَاءُ، وَلَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} [سورة الجن: 2]، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هَدَى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ وجلّ.

وعلم التفسير مِنْ أهم العلوم التي ينبغي العناية به، ويكفيه فضلاً أنّ موضوعه كلام الله سبحانه، وشرفُ العلم بشـرف المعلوم، كذلك فهو يشتمل على جميع العلوم الشرعية من عقيدة وفقه وتاريخ وسيرة وغيرها، لذا كان محلّ اهتمام كبير بين العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، ولقد تنوّعت طرقهم في التأليف فيه تبعاً للمدارس التي ينتمون إليها فأشبعوا بطون الكتب دراسة وبحثاً وتحقيقاً وتصنيفاً فكثرت المصنفات، وتعدّدت التحقيقات، ولا يوجد تفسير لا يهتم بتهذيب الروح وتزكية النفس وإصلاح القلوب، ذلك أنّ وظيفة القرآن الكريم الأساسية هداية الخلق وشفاء العلل التي يعاني منها الإنس والجنّ، قال الحق جلّ وعلا:-

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [سورة سيّدنا يونس عليه السلام: 57].

وقال عزّ من قائل:-

{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [سورة الإسراء: 82].

ومن هنا فالقرآن الكريم جامع لجميع ما يحتاجه البشر ممّا فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة، وإنّما ألّف علماؤنا كتبًا مختصّة بعلم التزكية، ومنها على سبيل المثال:-

ربع المنجيات وربع المهلكات من كتاب إحياء علوم الدين للإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى.

وكتاب مدارج السالكين للشيخ ابن القيم رحمه الله جلّ وعلا.

وكذلك سلسلة كتب الشيخ سعيد حوّى رحمه الله عزّ وجلّ في هذا المجال ومنها: كتاب تربيتنا الروحية، والمستخلص في تزكية الأنفس، ومذكرات في منازل الصديقين والربانيين.

وكتاب معالم الطريق في العمل الروحيّ الإسلاميّ لسيّدي وسندي حضرة الشيخ عبد الله الهرشميّ طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه.

وكتاب الرابطة القلبية للفقير خادم هذا الموقع المبارك.

وكتب التفسير كثيرة متنوعة، فمنها ما يغلب عليه الاهتمام بالأثر، فينقل التفسير الوارد عن حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم والصحابة والتابعين، كتفسير الإمام ابن جرير الطبري، وتفسير الإمام ابن كثير رحمهما الله سبحانه.

ومنها ما يُعنى بالأحكام الفقهية المستنبطة من آي القرآن الكريم كتفسير الإمام القرطبي، والإمام ابن العربي، والإمام الجصّاص رحمهم الله جلّ وعلا.

ومنها ما يهتم باللغة وعلومها كتفسير الإمام أبي السعود، والإمام أبي حيان رحمهما الله عزّ وجلّ.

ومنها ما يهتم بالعلوم العقلية وأقوال الفلاسفة وشُبههم والردّ عليهم كتفسير الإمام الفخر الرازي رحمه الله جلّ جلاله وعمّ نواله.

أمّا من المعاصرين فتفسير الإمام الشعراوي رحمه الله تعالى فهو تفسير سهل الفهم مبسّط المعنى فيه لفتات إعجازية بلاغية وبيانية، وتفسير للآيات على ضوء قطعيات العلوم الحديثة.

وكذلك كتب الدكتور فاضل السامرائي، وأيضا برامج الشيخ الدكتور أحمد الكبيسي وفقهما الله تبارك في علاه فهي نافعة في بابها مِنْ حيث بيان الإعجاز اللغوي والبياني.

وجزى الله جلّ وعلا علمائنا رضي الله تعالى عنهم وعنكم خير الجزاء فقد صدقوا ودقّقوا وحقّقوا.

وأرجو مراجعة جوابي السؤالين المرقمين (1459، 1515) والمشاركة المرقمة (220) في هذا الموقع الأغرّ.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى على خير مَنْ قرأ القرآن، ونطق بالبيان، سيّدنا محمّد سيّد الأكوان، وعلى آله وصحبه أولي العلم والعرفان.