2013/11/18

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نرجو من الله عزّ وجلّ بهذه السنة الهجرية الجديدة أنْ يمنّ على المسلمين الهداية والسعادة والأمن والأمان إنّه قادر على ذلك.

أشواقي لكم سيّدي كلّ ما خطرتم ببالي جميلة، نرجو أنْ تتكحل برؤية جنابكم.

سؤالي: أرى سيّدي الحبيب من بعض العلماء الذين أحبهم يزور مقامات الصحابة في مناطق مختلفة في الأردن أو غيره، ما فائدة هذا العمل؟ وماذا نفعل أو نقول عند زيارتهم؟

 

الاسم: أحمد عز الدين

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

وجزاك كلّ خير على دعواتك المباركة، وأرجو الباري عزّ وجلّ أنْ يجعلنا من المتحّابّين فيه سبحانه ويظلنا بظلّه يوم العرض بين يديه، متشبثين بأذيال حضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وعلى آله وصحبه أجمعين.

زيارة القبور من أجل التذكّر والاعتبار والدعاء لأموات المسلمين سنّة مؤكدة قد أمر بها سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم وفعلها.

فعَنْ سيّدنا أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه قَالَ:-

(زَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ فَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ رَبِّى فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.

وفي رواية:-

(زُوْرُوْا القُبُوْر فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُم الآخِرَةَ) الإمام ابن ماجه رحمه الله سبحانه.

وكان عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام إذا مرّ بقبور المسلمين سلّم عليهم ودعا لهم فقال:-

‏‏(السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَلاَحِقُونَ أَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ) الإمام مسلم رحمه الله تعالى.

 

وعَنْ أم المؤمنين السيّدة عَائِشَةَ رضي الله تعالى عنها قَالَتْ:-

(قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ اللَّيْلِ فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَأْتِي بَعْضَ نِسَائِهِ فَاتَّبَعْتُهُ فَأَتَى الْمَقَابِرَ ثُمَّ قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا بِكُمْ لَاحِقُونَ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ) الإمام أحمد رحمه الله جلّ في علاه.

وفي رواية أخرى:-

(قَالَ: فَإِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي حِينَ رَأَيْتِ فَنَادَانِي فَأَخْفَاهُ مِنْكِ فَأَجَبْتُهُ فَأَخْفَيْتُهُ مِنْكِ وَلَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ وَضَعْتِ ثِيَابَكِ وَظَنَنْتُ أَنْ قَدْ رَقَدْتِ فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَكِ وَخَشِيتُ أَنْ تَسْتَوْحِشِي فَقَالَ إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِىَ أَهْلَ الْبَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ، قَالَتْ: قُلْتُ كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: قُولِي السَّلاَمُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلاَحِقُونَ) الإمام مسلم رحمه الله عزّ شأنه.

فزيارة قبور الصحابة وكذا قبور الأولياء والشهداء والعلماء وسائر المؤمنين رضي الله تعالى عنهم أجمعين، مأذون فيها ومرخّص بها ومدعو إليها كلّ مَن شاء مِن عباد الله جلّ وعلا، لدخولها جميعا في عموم الأمر النبوي الشريف:-

(كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ القُبُوْرِ فَقَدْ أُذِنَ لِمُحَمَّدٍ فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّهِ فَزُوْرُوْهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الآخِرَةَ) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.

قال ابن بطال في شرح صحيح البخاري رحمهما الله سبحانه:-

(وكان النّبي صلّى الله عليه وسلّم يأتي قبور الشهداء عند رأس الحول، فيقول: السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار، وكان أبو بكر وعمر وعثمان يفعلون ذلك، وزار النّبي صلى الله عليه وسلم قبر أمّه يوم فتح مكة في ألف مُقَنَّعٍ، ذكره ابن أبى الدنيا، وذكر ابن أبى شيبة، عن علي وابن مسعود وأنس بن مالك إجازة زيارة القبور، وكانت فاطمة تزور قبر حمزة كلّ جمعة، وكان ابن عمر يزور قبر أبيه، فيقف عليه ويدعو له، وكانت عائشة تزور قبر أخيها عبد الرحمن وقبره بمكة، ذكر ذلك كله عبد الرزاق. وقال ابن حبيب: لا بأس بزيارة القبور والجلوس إليها، والسلام عليها عند المرور بها، وقد فعل ذلك النّبي صلى الله عليه وسلم، وفي (المجموعة): قال علي بن زياد: سئل مالك عن زيارة القبور، فقال: قد كان نهى عليه السلام ثمّ أذن فيه، فلو فعل ذلك إنسان، ولم يقل إلا خيرًا، لم أر بذلك بأسًا.

 

وروي عنه أنّه كان يضعف زيارتها، وقوله الذي تعضده الآثار وعمل به السلف أولى بالصواب، والأمّة مجمعة على زيارة قبر الرسول وأبي بكر وعمر ولا يجوز على الإجماع الخطأ، قاله المهلب.

وكان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النّبي صلى الله عليه وسلم، فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه. رواه معمر عن أيوب عن نافع. قال المهلب: ومعنى النهى عن زيارة القبور، إنما كان في أول الإسلام عند قربهم بعبادة الأوثان، واتخاذ القبور مساجد والله أعلم، فلمّا استحكم الإسلام، وقوى في قلوب الناس، وأمنت عبادة القبور والصلاة إليها، نسخ النهى عن زيارتها، لأنها تذكر الآخرة وتزهد في الدنيا) شرح صحيح البخاري (3/270 – 271).

لذلك كان العلماء والأئمة يحرصون على زيارة قبور الصحابة والعلماء والأولياء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، وذلك طلبا للعظة وتذكر الآخرة ولِمَا فيها من معنى المودّة وإظهار المحبّة لهم، وكذا التضرّع إلى الله عزّ وجلّ بالدعاء في رحابهم تبركا بهم لمظنّة القبول في تلك الأماكن الطاهرة والتي تشرفت بسكنى أولياء الله الصالحين بها رضي الله تعالى عنهم وعنكم، ومعلوم أنَّ تلك القبور يؤمها ملائكة الرحمة عليهم السلام ممّن لا يعلم عددهم إلاّ الله جلّ جلاله فيؤمّنون على دعاء الداعي ويستغفرون له، قال عزّ شأنه:-

{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سورة سيّدنا يونس عليه السلام: 62-64].

وقال سبحانه:-

{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} [سورة فصلت: 30-32].

وأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1680) المتعلّق بحكم التبرّك بالصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم.

والله جلّ جلاله وعمّ نواله أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل المجد والسؤدد.