2014/06/14

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته شيخنا الكريم أسأل الله جلّ في علاه أنْ يبارك لكم في شهر شعبان وأنْ يبلغكم شهر رمضان ويجعلكم من أهل الجنان… شيخنا الكريم: ما هو حكم تحاور المرأة مع الأجانب عن طريق موقع الفيس بوك؟

علما أنّ هذه المحاورة تكون عن طريق الكتابة على هذا الموقع وهذه الكتابة يتم قراءتها من قبل الجميع.

وجزاك الله تعالى عن المسلمين خير الجزاء.

 

الاسم: عمر فاروق

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على تواصلكم الطيب مع هذا الموقع المبارك، وجزاكم الله جلّ وعلا خيرا على دعواتكم المباركة. وبعد:-

فإنّ حديث المرأة مع الرجل على نحو عام مباح، ولكنه مضبوط بأحكام وآداب الشريعة الغرّاء، فيكون على قدر الحاجة، وتأمن معه الفتنة، وإلا تحوّل حكمه مِنَ المباح إلى الكراهة فالحرمة، لأنّ مِنْ مقاصد الشريعة المباركة سدّ الذرائع التي يُتوصل بها إلى الحرام، فالحديث بينهما محفوف بالمخاطر لأنّه خطوة وباب إلى ما هو أعظم، قال عزّ من قائل:-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [سورة النور: 21].

وتقرب الرجال مِنَ النساء على نحو ما خطيرٌ؛ لقول الرحمة المهداة صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

ولكم تهدّمت عوائلٌ، وتفكّكت أسرٌ بسبب تلك المحادثات التي خرجت عن إطارها المحدد المضبوط بضوابط الشريعة الغرّاء، ولكم أنْ تراجعوا جواب السؤال المرقم (1760) في هذا الموقع المبارك.

وقد تُزيّن النفس ـ كذا الشيطان ـ للإنسان عمله، فيقول هذا مِنْ باب الدعوة إلى الله جلّ في علاه، ونشر الخير، وهي دعوة صحيحة في أصلها، ولكن الغفلة عن القصد وترك الضوابط الشرعية تجرّ المرء إلى الانحراف شيئا فشيئا ـ نعوذ بالله عزّ وجلّ ـ لقول الرسول الكريم عليه من الله تعالى وآله وصحبه أفضل صلاة وتسليم:-

(فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ وعلا.

وفيما يأتي بعض الضوابط الشرعية التي تُبيح تحدث المرأة مع الرجال الأجانب على النت أو غيره:-

1ـ أنْ تكون المحادثة على سبيل الضرورة أو الحاجة أو ما ينزل منزل ذلك؛ فترك ما سوى ذلك أسلم للقلب، وأبعد عن الفتن، ولنتذكر دائما قول الله جلّ جلاله وعمّ نواله:-

{مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [سورة ق: 18].

وقول حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(كُلُّ كَلَامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لَا لَهُ إِلَّا أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ أَوْ ذِكْرُ اللَّهِ) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ وجلّ.

2ـ أنْ تكون الكتابة أو المحادثة في حدود الأدب الإسلامي الجميل، فلا تستخدم الكلمات التي تدعو إلى هيجان الشهوات المحرّمة؛ قال عزّ شأنه:-

{يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [سورة الأحزاب: 32].

3ـ أنْ يكون الكلام في دائرة العلم النافع، قال تعالى:-

{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [سورة النحل: 43].

والواقع يشهد أنّ مواصلة التحدّث بين الجنسين يُفضي إلى تبدّد الضوابط الشرعية، فيقلّ الحياء حتى يضمحل، وتتلاشى الحواجز حتى تُرفع، فيحدث الميل بينهما، ولا تؤمن الفتنة حينئذ؛ وعليه يجب الحذر الشديد مِنْ هذا التواصل وما شابهه، فنحن مأمورون بالابتعاد عن الشبهات لقول سيّد السادات عليه أتمّ السلام وأفضل الصلوات وآله وصحبه ذوي الفضائل والمكرمات:-

(الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ جلاله.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الجود والكرم.