2014/08/29
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله سيّدي حضرة الشيخ سعد الله يا وليّ الله ومن الأئمة الزاهدين رضي الله عنهم، ولي عند حضرتكم سؤال يا مرشدي. سيّدي إنّ النفس كما علمتمونا أمّارة بالسوء، سيّدي أصف حالتي: تصيبني أحيانا فورة تفور بنفسي من سوء (كحسد أو غيض) على غيري من الناس سواء أصدقائي أو غيرهم بدون إرادتي ومن غير نيتي، وأحاول أنْ أتغلب عليها بالمجاهدة، فكيف سيّدي أتغلب على هذه الحالة الفور النفسي وأحقق قول سيّد السادات ونور الأنوار محمد صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ويتحقق هذا الحب الدائم في القلب؟ وجزاكم الله خير الجزاء من خير الهداة.
الاسم: محمد
الرد:–
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، جزاك الله عزّ وجلّ خيراً على كلماتك الطيبة وحسن ظنك بالفقير، وأعْتَبِرُهُ دُعَاءً فأقول: آمين، وأرجو أنْ تقولوا: آمين .
لا شكّ أنّ الحسد الذي تعاني منه هو على نعم الدنيا، إذ إن الحسد أو الغبطة على نعم الدين محمود قال سيّدنا رسول الله تعالى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم:-
(لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا) متفق عليه.
ويمكن معرفة بعض أسباب الحسد في هذه النقاط:-
1- عظم شأن الدنيا في قلب الحاسد.
2- عدم تقدير الحاسد لنعم الله تعالى عليه.
3- ضعف دافع المحبة لإخوته المسلمين.
فإذا تعرّف الإنسان على السبب يُسِّرت عليه المعالجة، فالدنيا مع ما تحمله من مباهج ومغريات لا ينبغي أنْ تكون حاجزاً للمسلم عن تصوّر وانتظار الحياة الآخرة، فعليك أنْ تزيد من رصيد الآخرة في عقلك وتفكيرك، واستعن على ذلك بمطالعتك للآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي تنير لك هذا الطريق وتبيّن ما أعدّ الله جلّ في علاه لعباده من نعيم وثواب يتمنى أغنى أغنياء الأرض لو يحصل على موضع ظلّ شجرة فيه، وفكّر مليّاً بأنّ الدنيا هي مزرعة الآخرة لا شرف فيها إلّا لما يقدمه المسلم من ذكر وعبادة، قال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:-
(لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ) الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.
والحسد يأتي من عدم التفات الحاسد إلى ما أنعم الله تعالى عليه من نعم وفضائل قد تكون أعظم شأناً من نعم المحسود، فعُد بتفكيرك وتفحّص ما تفضّل الله عزّ وجلّ عليك من دين وهداية وصحة ونعم أخرى أنت أعلم بها منّي، فالله جلّ جلاله قسم الأرزاق بين عباده، والرزق ليس محصوراً بالمادة، فالعلم رزق، والدين والذرية والصحة والأمان وغيرها كثير هي رزق من الخالق عزّ شأنه، لا يكافئها المال الذي قد ينقلب نقمة إذا لم يحسن صاحبه التدبير أو قد يكون سبباً في طغيانه أو غفلته، فالله تعالى هو أعلم بما يصلح لعبده، قال سبحانه:-
{… وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء – عليهم السلام – 35].
وكما أوردت في سؤالك حديث سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه (لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأخِيْهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) متفق عليه، فإنّ محبة المسلم لأخيه المسلم شرط للإيمان وكما يحب الإنسان أنْ لا تزول عنه نعمة من نعم الله تعالى فكذلك يودّ أنْ لا تزول هذه النعم عن أخيه المسلم .
فتفقّد قلبك ومدى حبك لإخوانك وعطفك عليهم، وأنصحك أنْ تخصّص من دعائك اليومي لإخوانك عامّة ولمَنْ تجد في نفسك شيئا تجاههم خاصّة، تدعو لهم بما تحب أنْ تدعو لنفسك، وبما تحب أنْ يُدعى لك، لتطرد حصة النفس والشيطان من قلبك، وتزرع محبتهم فيه، وردّد قوله تعالى:-
{رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10].
فيكفي الحسد شراً وصف سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم له بقوله:-
(الْحَسَدُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ، كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ، كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ —) الإمام ابن ماجة رحمه الله تعالى.
وأرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (131، 1870) وكذلك بعض الأسئلة التي تظن أنها ذات علاقة بما تشكو منه وذلك في باب (الذكر والتزكية والسلوك) في هذا الموقع المبارك.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلى الله تعالى على الصادق الأمين سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيراً.