2014/09/19

السؤال:

السلام عليكم شيخنا ورحمة الله تعالى، سؤالي عن صلاة الجمعة:-

هل هي فرض أم سنّة مؤكدة؟ وما عاقبة مَنْ يتركها؟

مع الشكر والتقدير

 

الاسم: محمد عبد الله

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

وبعد:-

فإنّ صلاة الجمعة فرضٌ وليست سُنّة مُؤكدة، وإليك البيان الشافي لذلك:-

إنّ يوم الجمعة مِنْ أعظم الأيام، وأكثرها بركة؛ فهو يوم مخصوص مِنْ وجوه عدّة لقول الرحمة المهداة صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-

(خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ أُهْبِطَ وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ وَفِيهِ مَاتَ وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ مُسِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ حِينَ تُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًا مِنْ السَّاعَةِ إِلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ حَاجَةً إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهَا) الإمام أبو داود رحمه الله الودود سبحانه.

ولقد فرض الله عزّ وجلّ فيه صلاة الجمعة بقوله الكريم:-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [سورة الجمعة: 9].

وبقول النبيّ الكريم عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه المكرمين:-

(لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ أُحَرِّقَ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ) الإمام أبو داود رحمه الله جلّ وعلا.

وعلى وفق ما تقدّم قال العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم بوجوب صلاة الجمعة، ووضعوا لوجوبها شروطا هي:-

 

1- الذكورة، فلا تجب على الأنثى، ولكن إذا حضرتها وأدّتها، فإنّها تصح منها، وتجزئها عن صلاة الظهر، لحديث سيّدنا الحسن رضي الله تعالى عنه قال:-

(كُنَّ النِّسَاءُ يُجَمِّعْنَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ يُقَالُ: لَا تَخْرُجْنَ إِلَّا تَفِلَاتٍ لَا يُوجَدُ مِنْكُنَّ رِيحُ طِيبٍ) الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله جلّ جلاله.

 

2- الحرية، فلا تجب على مَنْ به رِقٌّ، ولكن إذا حضرها وأداها فإنّها تصحّ منه.

 

3- الإقامة في المحل الذي تقام فيه الجمعة، أو في محل متصل به، فلا تجب الجمعة على المسافر، فإنْ حضرها صحّت منه.

 

4- عدم وجود العذر المبيح لتركها، فتسقط عن المريض الذي يتضرّر بالذهاب إليها راكبًا أو محمولًا، فإذا قدر على السعي لها، ولو بأجرة لا إجحاف فيها، فإنّها تجب عليه، وإذا كان مقعدًا فإنّه لا يلزمه الذهاب إلى الجمعة، إلّا إذا وجد مَنْ يحمله، ولم يتضرّر من ذلك؛ وأنْ لا يكون وقت حرّ أو برد شديدين، ومثلهما المطر والوحل الشديدان، كذا إنْ خاف مِنْ ظالم يحبسه أو يضربه، أو خاف على عرضه أو نفسه.

ولمزيد اطلاع حول صلاة الجمعة في زمن الخوف والفتن أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1469) في هذا الموقع المبارك.

وجاءت في السُنّة المُطهّرة أحاديث شريفة كثيرة بيّنت عاقبة مَنْ ترك صلاة الجمعة دون عذر مشروع، منها الحديث الكريم الذي أوردته أعلاه، ومنها قول حضرة النَّبِيّ عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين:-

(لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنْ الْغَافِلِينَ) الإمام مسلم رحمه الله جلّ وعلا.

وقوله أيضا:-

(مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَهَاوُنًا بِهَا طُبِعَ عَلَى قَلْبِهِ) الإمام ابن ماجه رحمه الله سبحانه.

فهذه النصوص المباركة وغيرها تُبيّن على نحو واضح فداحة ترك صلاة الجمعة بدون عذرٍ؛ فالطبع على القلب الوارد في الحديث الشريف معناه أنْ يصير قلبه قلبَ منافق عياذًا بالله جلّ وعلا، وقال بعض العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم:-

إنّ معنى طبع على قلبه أي ختم عليه بمنع إيصال الخير إليه.

ولا يلزم مِنْ هذا أنّ الله جلّ وعلا لا يوفقه للتوبة؛ فباب التوبة مفتوح، ولا ينبغي للمسلم أنْ يقنط مِنْ رحمة الله عزّ وجلّ القائل:-

{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [سورة الزمر: 53].

وينبغي للمسلم أنْ يقف قليلا عند الآية المباركة التي تصدّرت الجواب، فما أعظم قوله تبارك في علاه:-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [سورة الجمعة: 9].

فإذا كان الله جلّ جلاله وعمّ نواله يُنادي عباده مِنْ عليائه بهذا النداء القدسي العظيم، فكيف لعباده أنْ يتخلفوا عن الاستجابة والتلبية! أرأيت لو صدر النداء مِنْ أحد الرؤساء أو الوزراء كيف ستكون المبادرة والمسارعة للتلبية بأجمل صورة، وعلى نحو عالٍ مِنَ التبكير والتحضير، ولقد كان السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم وعنكم يُشدّدون على حضور صلاة الجمعة، ويُساعدون مَنْ لا يقوى على حضورها، فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى قَالَ:-

(جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَوْمًا إِلَى مَنْزِلِ سَعِيدِ بْنِ يَرْبُوعٍ، فَعَزَّاهُ بِذَهَابِ بَصَرِهِ، وَقَالَ: لَا تَدَعِ الْجُمُعَةَ، وَلَا الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: لَيْسَ لِي قَائِدٌ، قَالَ: نَحْنُ نَبْعَثُ إِلَيْكَ بِقَائِدٍ، قَالَ: فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِغُلَامٍ مِنَ السَّبْيِ) الإمام الحاكم رحمه الله عزّ وجلّ.

أسأل الله جلّ في علاه أنْ تعود مساجدنا عامرة بالمصلين الخاشعين في صلاة الجمعة والجماعات إنّه سبحانه سميع مجيب الدعوات.

والله تبارك اسمه أعلم وهو ولي الصالحين والصالحات.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّد السادات، وإمام القادات، نبيّنا محمّد، وعلى آله وصحبه أولي الفضل والمكرمات.