2014/09/28
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته:
هل يجوز للزوجة شراء سيارة من مالها الخاص دون موافقة زوجها؟ علما أنّ الزوجة تشتغل وتستعمل حاليا وسائل النقل العمومي وتواجه العديد من المشاكل جرّاء ذلك (التأخر، التعب…) كما أنّها تساعد زوجها في كلّ ما يخص مصروف المنزل من مالها. الزوج لا يملك سيّارة وإنّما يصرف أمواله على السهر واللهو مع أصحابه…
الاسم: فاطمة
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
يقول الحقّ جلّ في علاه:-
{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ —} [سورة النساء: 34].
أي أنّ الرَّجُلَ له القوامة على المرأة ومعنى القيّم أي المتولي للأمور بالنفقة عليهنّ والذبّ عنهنّ، وبالتالي فإنّ عدم قيام الزوج بواجباته تجاه زوجته يعدّ تقصيرا كبيرا يفضي إلى الكثير من المشاكل الزوجية التي تنتهي في كثير من الأحيان إلى الطلاق والعياذ بالله تعالى، ومع ذلك لا ينبغي للزوجة الصالحة أنْ تستسلم بسهولة لما تراه من زوجها من تصرّفات تنافي الشرع الشريف، بل يجب عليها الصبر والسعي بجدّ وإخلاص لإصلاحه متذكرة حديث سيّد السادات وإمام القادات وقائد الكلّ في الحضرات صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أهل الفضائل والمكرمات إذ يقول:-
(فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وأرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (215، 632) في هذا الموقع المبارك.
أمّا بالنسبة لسؤالك: فقد تعددت آراء الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم في حكم إنفاق المرأة من مالها دون إذن زوجها إلى أقوال:-
الأوّل: لا يجوز لها التصرّف في مالها مطلقا، إلا بإذن من زوجها، واستدلوا على ذلك بقول سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ أَمْرٌ فِي مَالِهَا إِذَا مَلَكَ زَوْجُهَا عِصْمَتَهَا) الإمام أبو داود رحمه الله جلّ في علاه.
وفي رواية أخرى قال:-
(لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ، إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا) الإمام أبو داود رحمه الله الغفور الودود سبحانه.
الثاني: يجوز لها التصدق من مالها قلّ أو كثر، لزوجها خاصة، لقوله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:-
(تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ جلاله.
فجعل المال من جملة ما يرغب به الرجل في المرأة.
أمّا تصدّقها لغير زوجها فلا يجوز بدون إذنه، إذا زاد عن الثلث، لقول سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ).
الثالث: جواز تصدّق المرأة في مالها وتصرّفها فيه، بدون إذن من زوجها، ولا فرق بينها وبين الرجل في ذلك، وهو رأي جمهور الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم، لقوله عزّ من قائل:-
{فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ —} [سورة آل عمران عليهم السلام: 195].
وقوله سبحانه:-
{وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [سورة النساء: 124].
فلم يفرّق القرآن الكريم في العمل الصالح بين الرجل والمرأة، ومنه إنفاق المال فيما يرضي الله تبارك اسمه.
وَعَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا:-
(أَنَّ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الحَارِثِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ، أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً وَلَمْ تَسْتَأْذِنِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ، قَالَتْ: أَشَعَرْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَتِي، قَالَ: أَوَفَعَلْتِ؟، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وهذا الذي أرجّحه.
ومع ذلك فإنّي أنصحكِ بما يلي:-
1- العمل على جعل حياتك سلسة مع زوجك التزاما وأدبا واحتراما، فمثلا: لا مانع من استشارة الزوج في بعض تصرفاتك المالية فإنّ ذلك أدعى لإدامة الود بينكما.
2- لا تجعلي المال سببا لإفساد علاقة وصف الله جلّ وعلا ميثاقها بالغليظ، فما قيمة السيّارة مقابل هدم الأسرة أو تزعزع استقرارها؟
أسأل الله عزّ شأنه أنْ ينعم على أسرتكم الكريمة وسائر أسر المسلمين بالحب والسكينة والود والطمأنينة، إنّه سبحانه أرحم الراحمين.
وهو عزّ شأنه أجلّ وأعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.