2014/10/03
السؤال:-
سيّدي وشيخي الجليل…
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
يسألني شخص سيّدي يقول: هل يجوز لي إذا كان عندي ثلاثة أضاحي أنْ أجعل لبيتي اثنين للأكل وواحدة فقط للتوزيع للفقراء والناس؟
أسال الله تعالى أنْ يطيل عمرك ويحفظك ووفقك أنت وكلّ العاملين في هذا الموقع المبارك.
الاسم: عدنان حسن
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
وجزاك خيرًا على دعواتك للفقير وللإخوة العاملين في الموقع المبارك، وأرجو أنْ يكون لمَنْ دلَّ عليه نصيبٌ في كلّ دعوة.
ورد في النصوص الشرعية الشريفة أنْ يأخذ المضحّي من كلّ ذبيحة جزء لأهل بيته وجزء يتصدّق به وجزء يهديه لمَنْ يشاء.
قال ربّنا تبارك اسمه:-
{لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [سورة الحج: 28].
وقال سبحانه:-
{وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} [سورة الحج: 36 – 37].
والقانع: هو المتعفف، أو الراضي بما يُدفع له من غير طلب.
والمعتر: هو السائل الذي يتعرّض للطلب.
وقال سيّدنا رسولُ الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(كُلُوا وَأطْعِمُوا وادّخِرُوا) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وَعَنْ سَيِّدِنَا جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلَاثٍ، ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: كُلُوا، وَتَزَوَّدُوا، وَادَّخِرُوا) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
وأودّ أنْ أنبّه إلى أنَّ ما يعتقده البعض من النّاس من وجوب جعل الأضحية أثلاثًا، حتّى إنّهم يثلّثون كلّ شيءٍ ويخشون الإثم من تركه، هو ممّا لم يقم عليه دليلٌ شرعي. لذا كانت من المسائل التي تعدّدت فيها آراء الفقهاء رضي الله جلّ وعلا عنهم وعنكم:-
ذهب بعضهم إلى جواز الأكل من لحم الأضحية وإطعام الأغنياء والفقراء منها وادخار بعضها، واستحبّوا أنْ لا تقلّ الصدقة منها عن ثلثها.
(وَيَأْكُلُ مِنْ لَحْمِ الْأُضْحِيَّةِ وَيُطْعِمُ الْأَغْنِيَاءَ وَالْفُقَرَاءَ وَيَدَّخِرُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْأَضَاحِيِّ فَكُلُوا مِنْهَا وَادَّخِرُوا) وَمَتَى جَازَ أَكْلُهُ وَهُوَ غَنِيٌّ جَازَ أَنْ يُؤَكِّلَهُ غَنِيًّا.
قَالَ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْقُصَ الصَّدَقَةَ عَنْ الثُّلُثِ، لِأَنَّ الْجِهَاتِ ثَلَاثَةٌ: الْأَكْلُ وَالِادِّخَارُ لِمَا رَوَيْنَا، وَالْإِطْعَامُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ} فَانْقَسَمَ عَلَيْهِمْ أَثْلَاثًا) العناية شرح الهداية (9/517).
وذهب البعض الآخر إلى جعلها نصفين، يأكل نصفا، ويتصدّق بنصف، أو تثليث الأضحية، فيأكل ثلثا، ويهدي ثلثا، ويتصدّق بثلث.
وقال الإمام النووي رحمه الباري سبحانه:-
(وَإِذَا نَحَرَ الهَدْيَ أَو الأُضْحِيَة نَظَرْتَ فَإنْ كَانَ تَطَوّعًا فَالمُسْتَحَبّ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (نَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّيْنَ بُدْنَةً ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَنَحَرَ مَا غَبَرَ) وَأشْرَكَهُ فِي هَدْيِهِ وَأَمَرَ مِنْ كُلّ بُدْنَةٍ بِبِضْعَةٍ فَجَعَلَهَا فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ فَأَكَلَ مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَ مِنْ مَرَقِهَا، وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ (وَالبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ) فَجَعَلَهَا لَنَا وَمَا هُوَ لِلإنْسَانِ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَكْلِهِ وَبَيْنَ تَرْكِهِ، وَفِي القَدْرِ الّذِي يُسْتَحَبُّ أَكْلُهُ قَوْلَانِ:-
قَالَ فِي القَدِيْمِ يَأْكُلُ النِّصْفَ وَيَتَصَدَّقُ بِالنِّصْفِ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ (فَكُلُوْا مِنْهَا وَأَطْعِمُوْا البَائِسَ الفَقِيْرَ) فَجَعَلَهَا بَيْنَ اثْنَيْنِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
وَقَالَ فِي الجَدِيْدِ: يَأْكُلُ الثُّلُثَ وَيَهْدِي الثُّلُثَ وَيَتَصَدَّقُ بِالثُّلُثِ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ (فَكُلُوْا مِنْهَا وَأَطْعِمُوْا القَانِعَ وَالمُعْتَرَّ) المجموع شرح المهذّب (8/413).
بل وذهب البعض إلى استحباب أنْ يأكل ويتصدّق ويعطي دون تقيّد بثلث، فلو زاد فيما يأكله عن الثلث جاز.
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله جلّ في علاه:-
(قَالَ: وَالِاسْتِحْبَابُ أَنْ يَأْكُلَ ثُلُثَ أُضْحِيَّتِهِ، وَيُهْدِيَ ثُلُثَهَا، وَيَتَصَدَّقَ بِثُلُثِهَا، وَلَوْ أَكَلَ أَكْثَرَ جَازَ) المغني (9/448).
ولذلك فإذا كنت تضحّي بثلاث أضاحي فلا حرج في أخذ واحدة منها كاملة، أو ناقصة، ولو كانت غير متساوية مع غيرها أو أخذ أكثر من واحدة، أو أخذ ثلث كلّ واحدة منها، فالأمر فيه متسع.
ومهما واسيت الفقراء من أضحيتك وإنْ زاد على الثلث كان أحسن.
وهذا الذي أرجحه مصلحة للفقراء والمساكين.
ولمزيد من الفائدة أرجو مراجعة باب أحكام الأضحية، والمشاركة المرقمة (50) في هذا الموقع المبارك.
والله عزّ شأنه أعلم.
وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.