2015/02/13

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سيّدي حضرة الشيخ حفظكم الله تعالى وأيّدكم وبارك في عمرك وعلمك وأدام لنا هذا الموقع المبارك بذاته الأقدس تبارك ربنا وتقدس

سيّدي الكريم لقد تمّ إنشاء جامع جديد في منطقتنا وبعد جمعتين سمعنا بأنّ القائمين على هذا الجامع اكتفوا لصلاة الجمعة بأذان واحد فقط وبعد الاستفسار والسؤال عن سبب فعلهم وتركهم لسنّة الخليفة الراشد سيّدنا عثمان رضي الله تعالى عنه من أحد طلاب العلم أجاب بأنّ الأذان الأوّل الذي سنّه سيّدنا عثمان رضي الله تعالى عنه كان يؤذن في السوق وليس في المسجد وأنّ الإمام عليًّا الخليفة الراشد رضي الله تعالى عنه كان يؤذن له آذان واحد في الكوفة والفعلين صحيحين مَنْ أقام الجمعة بأذان واحد أو مَنْ أقامه بأذانين. هل هذا الجواب صحيح سيدي؟

وأستميحك عذرا سيّدي أنني قد أطلت في صيغة السؤال، نرجو دعاءكم المبارك لنا ولأهلنا وللعراق والأمة الإسلامية وجزاكم الله عنا خير الجزاء.

وصلى الله تعالى على سيّدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 

الاسم: موفق سعد الله يوسف

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

بارك الله سبحانه فيك على دعواتك الطيبة، وأسأل الله الكريم تقدّست أسماؤه أنْ يفرّج الهمَّ ويكشف الكرب عن هذه الأمَّة، ويبسط الأمن والأَّمان على ربوع بلدنا وسائر بلاد المسلمين بمنَّه وكرمه وإحسانه ولطفه.

عن سيّدنا الْعِرْبَاض بن سارية رضي الله تعالى عنه قال:-

(صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) الإمام أبو داود رحمه خالق الوجود تبارك وتقدَّس.

إنَّ مِنْ أصول المسلمين التمسّك بما كان عليه أصحاب حضرة النبيّ صلَّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلَّم، ومتابعتهم فيما هم عليه مِنْ أقوال وأفعال واعتقادات، ولا يَسَعُ مسلما أنْ يخرج عن طريقتهم وفهمهم، ومَنْ فعل فقد تعرّض لتهديد قول الجبّار جلَّت عظمته:-

{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [سورة النساء: 115].

وهم فوقنا في كلّ شيء كما قال حضرة المعصوم صلَّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلَّم:-

(خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ مِنْ بَعْدِهِمْ يَتَسَمَّنُونَ، وَيُحِبُّونَ السِّمَنَ، يُعْطُوْنَ الشَّهَادَةَ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلُوهَا) الإمام الترمذي رحمه الله جلَّ وعلا.

قوله “يَتَسَمَّنُونَ” أي: يتكلّفون لتحصيله بالأكل وغيره.

ولاشكّ أنَّ للخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم أجمعين مزايا وخصائصَ لا يشاركهم فيها باقي الصحابة رضوان الله سبحانه عليهم، منها ما ذُكر في الحديث الشريف المصدّر به الجواب، ففي هذا النصّ الأمر باتباع سنّتهم وبيان أنَّها مِنْ سنّته عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، فقرن سنّتهم بسنّته في وجوب الاتّباع، فالأخذ بسنّتهم هو اتّباع لسيّدنا رسول الله صلَّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، وشدَّد في الأخذ بها فأمر بأنْ يُعضَّ عليها بالنواجذ، سواء كان ذلك سنّته أو ما أفتوا به وسنُّوه للأمَّة، وإنْ لم يتقدّم فيه شيء، وسواء ما أفتى به جميعهم أو أكثرهم أو بعضهم، قال الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود:-

(سَمِعْتُ أَحْمَدَ غَيْرَ مَرَّةٍ يُسْأَلُ يُقَالُ: مَا كَانَ مِنْ فِعْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ سُنَّة؟ قَالَ: نَعَم. وَقَالَ مَرَّةً لِحَدِيْثِ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِيْنَ”).

وقد كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم وعنكم يشيرون إلى عمل الخلفاء الراشدين عليهم مِنَ الله سبحانه دوام الرضوان، ويعملون به.

جاء عن سيّدنا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما:-

(أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي المُخْتَلِعَةَ أَنْ تَعْتَدَّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ، فَقِيْلَ لَهُ: إِنَّ عُثْمَانَ يُفْتِي بِحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ، فَرَجَعَ ابْنُ عُمَرَ وَصَارَ يُفْتِي النَّاسَ بِقَوْلِ عُثْمَانَ، وَيَقُوْلُ: عُثْمَانُ خَيْرُنَا وَأَعْلَمُنَا) الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله عزّ وجلّ بتصرّف.

وقال الشيخ ابن القيم رحمه الله تبارك اسمه:-

(وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا سَنَّهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ أَوْ أَحَدُهُمْ لِلْأُمَّةِ فَهُوَ حُجَّةٌ لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهَا، فَأَيْنَ هَذَا مِنْ قَوْلِ فِرْقَةِ التَّقْلِيدِ: لَيْسَتْ سُنَّتُهُمْ حُجَّةً، وَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُمْ فِيهَا؟) إعلام الموقعين عن رب العالمين (2/173).

ولا خلاف أّنَّ الأذان في صلاة الجمعة كان واحدًا في عهد الرسول المُكرّم صلَّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلَّم لما روى الإمام البخاري رحمه الباري جلّ شأنه عن سيّدنا السائب بن يزيد رضي الله تعالى عنه قال:-

(إِنَّ الأَذَانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ كَانَ أَوَّلُهُ حِينَ يَجْلِسُ الإِمَامُ، يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى المِنْبَرِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَلَمَّا كَانَ فِي خِلاَفَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَثُرُوا، أَمَرَ عُثْمَانُ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِالأَذَانِ الثَّالِثِ، فَأُذِّنَ بِهِ عَلَى الزَّوْرَاءِ، فَثَبَتَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ).

وفي رواية الإمام ابن خزيمة رحمه الله عزّ وجلّ:-

(فَثَبَتَ حَتَّى السَّاعَة).

فهذا الأذان الذي زاده سيّدنا عثمان رضي الله تعالى عنه سُنّة مشروعة وليس بدعةً للأسباب التالية:-

1- هذا الأذان مشروع لقوله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين:-

(عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ) الإمام أبو داود رحمه الودود جلّت صفاته.

وسيّدنا عثمان رضي الله تعالى عنه مِنَ الخلفاء الذين أُمرنا بالاستنان بسُنّتهم، فلا يكون حاشاه بهذا مبتدعا، وتابعه كذلك لا يصح أنْ يقال إنَّه جاء ببدعة، قال الإمام سعيد بن المسيب رحمه الله عزّ شأنه:-

(فَأَمَرَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِتَأْذِينِ الْجُمُعَةِ الثَّالِثِ فَثَبَتَتِ السُّنَّةُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَا يُؤَذَّنُ تَأْذِينًا ثَالِثًا إِلَّا فِي الْجُمُعَةِ مُنْذُ سَنَّهَا عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) تاريخ المدينة للإمام ابن شبة رحمه الله عزّ وجلّ (3/960).

وقال الإمام إسحاق ابن راهويه رحمه الله سبحانه:-

(الأَذَانُ الأَوَّلُ لِلْجُمُعَةِ مُحْدَثٌ، أَحْدَثَهُ عُثْمَانُ، رَأَى أَنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ إِلَّا أَنْ يَزِيْدَ فِي المُؤَذِّنِيْنَ، لِيُعْلمَ الأَبْعَدِيْنَ ذَلِكَ، فَصَارَ سُنَّةً: لِأَنَّ عَلَى الخُلَفَاءِ النَّظَرَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ لِلْنَّاسِ) فتح الباري للإمام ابن رجب رحمه الله جلّ في علاه (8/221).

وقال الشيخ ابن تيمية رحمه الله جلّ وعلا:-

(وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ هَذَا الْأَذَانُ لَمَّا سَنَّهُ عُثْمَانُ وَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ صَارَ أَذَانًا شَرْعِيًّا) مجموع الفتاوى (24/193).

2- أنَّه أَمر بهذا في وقت الصحابة وفعله، وأقرّوه على هذا دون نكير، فكان إجماعا، بل وأجمعت الأمّة عليه في سائر العصور.

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى:-

(وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الّتِي خَرَّجَهَا البُخَارِيُّ هُنَا: “فَثَبَتَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ” يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا مِنْ حِيْن حَدَّدَهُ عُثْمَانُ اسْتَمَرَّ، وَلَمْ يُتْرَكْ بَعْدَهُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا أَقَرَّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يُبْطِلْهُ فَقَد اجْتَمَعَ عَلَى فِعْلِهِ خَلِيْفَتَانِ مِنَ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِيْنَ رَضِيَ اللهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِيْنَ) فتح الباري للإمام ابن رجب رحمه الله عزّ شأنه (8/221).

وقال الإمام بدر الدين العيني الحنفي رحمه الله عزّ وجلّ:-

(قَوْلُهُ: (فَثَبَتَ الْأَمْرُ) أَي: أَمْر الْأَذَان عَلَى ذَلِكَ، أَي: عَلَى أَذَانَيْنِ وَإِقَامَةٍ كَمَا أَنَّ الْيَوْمَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ فِي جَمِيْعِ الْأَمْصَارِ اتِّبَاعًا لِلْخَلَفِ وَالسَّلَفِ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (6/214).

وقال:-

(فَإِنْ قُلْتَ: هُوَ الأَوَّلُ لِأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِمَا قُلْتُ: نَعَم هُوَ أَوَّلٌ فِي الْوُجُود، وَلَكِنَّهُ ثَالِثٌ بِاعْتِبَار شَرْعِيَّتِهِ بِاجْتِهَادِ عُثْمَانَ وَمُوَافَقَةِ سَائِر الصَّحَابَة بِهِ بِالسُّكُوْتِ وَعَدَمِ الْإِنْكَارِ، فَصَارَ إِجْمَاعًا سُكُوْتِيًّا) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (6/211).

وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي رحمه الله جلّ ذكره:-

(وَيُسَـنُّ الأَذَانُ الأَوَّلُ فِي أَوَّلِ الوَقْتِ لِأَنَّ عُثْمَانَ سَنَّهُ وَعَمِلَتْ بِهِ الأُمَّةُ بَعْدَهُ، وَهُوَ مَشْرُوْعٌ لِلْإِعْلَامِ بِالوَقْتِ، وَالثَّانِي لِلْإِعْلَامِ بِالخُطْبَةِ، وَالإِقَامَة لِلْإِعْلَامِ بِقِيَامِ الصَّلَاةِ) الكافي في فقه الإمام أحمد (1/330).

وقال الإمام ابن المنذر رحمه القادر المقتدر عزّ شأنه:-

(أَمَرَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ بِالنِّدَاءِ الثَّالِثِ فِي الْعَدَدِ، وَهُوَ الْأَوَّلُ الَّذِي بَدَأَ بِهِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلِمْنَاهُ، ثُمَّ مَضَتِ الْأُمَّةُ عَلَيْهِ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا) الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (4/56).

وقال الإمام الكرماني رحمه الله تعالى:-

(فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ شُرِّع؟ قُلْتُ: بِاجْتِهَادِ عُثْمَانَ وَمُوَافَقَةِ سَائِرِ الصَّحَابَةِ لَهُ بِالسُّكُوْتِ وَعَدَمِ الإِنْكَارِ فَصَارَ إِجْمَاعًا سُكُوْتِيًّا) الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (6/27).

وقال الشيخ ابن تيمية رحمه ربّ البرية جلّ جلاله:-

(وَمَا فَعَلَهُ عُثْمَانُ مِنَ النِّدَاءِ الْأَوَّلِ اتَّفَقَ عَلَيْهِ النَّاسُ بَعْدَهُ: أَهْلُ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرُهُمْ، كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى مَا سَنَّهُ أَيْضًا عُمَرُ مِنْ جَمْعِ النَّاسِ فِي رَمَضَانَ عَلَى إِمَامٍ وَاحِدٍ) منهاج السنة النبوية (6/292).

أمَّا ما روي عن سيّدنا عليّ رضي الله تعالى عنه وغيرها مِنَ الآثار التي تدلّ على خلاف ذلك فأجيب عنها:-

1- إنَّ ما روي عن سيّدنا عليّ رضي الله سبحانه عنه رواه الإمام القرطبي رحمه الله عزّ وجلّ في تفسيره إذ قال:-

(وَقَدْ كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، يُؤَذِّنُ وَاحِدٌ إِذَا جَلَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ. وَكَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ بِالْكُوفَةِ) الجامع لأحكام القرآن (18/100).

والإمام القرطبي رحمه الله جلّ في علاه لم يسند ما نسبه إلى سيّدنا عليّ رضي الله تعالى عنه، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله سبحانه:-

(أَذَانُ الْجُمُعَةِ الْأَوَّلُ، زَادَهُ عُثْمَانُ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَأَقَرَّهُ عَلِيٌّ، وَاسْتَمَرَّ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ).

وقال الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى:-

(فَالْجَوَابُ: أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ مِمَّنْ يُوَافِقُ عَلَى ذَلِكَ فِي حَيَاةِ عُثْمَانَ وَبَعْدَ مَقْتَلِهِ. وَلِهَذَا لَمَّا صَارَ خَلِيفَةً لَمْ يَأْمُرْ بِإِزَالَةِ هَذَا الْأَذَانِ) منهاج السنة النبوية (6/290).

2- إنَّ العلماء رضي الله سبحانه عنهم وعنكم قد نصّوا على أنَّه لم يُنكر أحدٌ مِنَ الصحابة رضي الله تعالى عنهم زيادة هذا الأذان، بل نقلوا إقرارهم له كما ذكرناه أعلاه.

3- إنَّ العلماء رحمهم الله تعالى حين ينقلون الإجماع على سنّية هذا الأذان لا يذكرون مخالفاً مع علمهم بهذه الآثار إمَّا لمقال في إسنادها أو لأنَّها وإنْ كانت صحيحة السند لا ترتقي لمعارضة الإجماع وعمل الأمة إلى هذه الساعة.

ثمَّ أيّ فرق مِن الأذان في المسجد أو السوق؟ وإنَّما فعل في السوق لأنَّ الغاية منه الإعلام بدخول وقت الصلاة وهو غير متحقق للبعيدين عن المسجد آنذاك، وهل إذا نودي بالأذان في السوق سيُجيزه المعترض في المسألة؟ ثمَّ إنَّ هذا كلام مَنْ لم يفهم العلّة مِنْ زيادة الأذان، فالعلّة هي ما ورد عند الإمام الطبراني رحمه الله جلّ ذكره:-

(فَأَذَّنَ بِالزَّوْرَاءِ قَبْلَ خُرُوجِهِ، يُعْلِمُ النَّاسَ أَنَّ الْجُمُعَةَ قَدْ حَضَرَتْ).

وقد نصَّ الفقهاء رضي الله تعالى عنهم وعنكم على ذلك، قال الحافظ رحمه الله سبحانه:-

(وَتَبَيَّنَ بِمَا مَضَى أَنَّ عُثْمَانَ أَحْدَثَهُ لِإِعْلَامِ النَّاسِ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ قِيَاسًا عَلَى بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ فَأَلْحَقَ الْجُمُعَةَ بِهَا وَأَبْقَى خُصُوصِيَّتَهَا بِالْأَذَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْخَطِيبِ وَفِيهِ اسْتِنْبَاطُ مَعْنًى مِنَ الْأَصْلِ لَا يُبْطِلُهُ) فتح الباري (2/394).

وفي الشرح الكبير للإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى:-

(وَالنِّدَاءُ الأَوَّلُ: مُسْتَحَبٌّ فِي أَوَّلِ الوَقْتِ، سَنَّهُ عُثْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَعَمِلَتْ بِهِ الأُمَّةُ بَعْدَهُ وَهُوَ لِلْإِعْلَامِ بِالوَقْتِ، وَالثَّانِي: لِلْإعْلَامِ بِالخُطْبَةِ، وَالثَّالِثُ: لِلإِعْلَامِ بِقِيَامِ الصَّلَاةِ) الشرح الكبير على متن المقنع (2/188).

فهل انتهت هذه العلة اليوم مع كثرة الفساد وبعد الناس عن ربّهم جلّ وعلا وانشغالهم بمطالب الحياة وتعالي أصوات أهل الفسق؟

إنَّ ممّا دعاني إلى الإطالة في الجواب ما أسمعه هنا وهناك ممّا يعتصر القلب له دمًا، وتنقبض له الروح ألمًا، مِنَ الإزراء بإصحاب سيّدنا رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وسلَّم ورضي عنهم رضاءً سرمديا -وقد فعل- تعالى شأنه، فأحدهم يصِمُ الأذان بالبدعة الضلالة، والآخر يقول: نحن نتّبع الرسول عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين، ولا نأخذ بما جاء به الصحابة رضوان الله تعالى عنهم، وما يدري أنَّه بذلك قد أزرى بالمهاجرين والأنصار، ومِنْ علامات آخر الزمان:-

(ولَعَنَ آخرُ هذه الأمَّة أوّلَها) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ وعلا.

فيا ويح الأُمَّة عند ذلك الزمان، رزقنا الله سبحانه وإيّاكم الترضّي والإتباع بإحسان لأصحاب النبيّ العدنان صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه وأكرمنا حسن الأدب مع سادتنا أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ رضي عنهم المنعم المنّان، وأجزل لهم المثوبة والإحسان.

فالأحسن إذن إبقاء هذا الأذان اتّباعًا لهدي السلف وموافقة لإجماع أهل العلم، وتأسيًّا بعمل الأمَّة في سائر العصور في أمّهات المساجد ولاسيما الحرمين الشريفين حرسهما الله عزّ وجلّ.

ولزيادة الفائدة يُرجى مراجعة جواب السؤال المرقم (2016) في هذا الموقع المبارك.

والله جلّ جلاله وعمّ نواله أعلم.

وصلِّ اللهمَّ على درّة الأكوان وسيّد الأنس والجانّ نبيّنا مُحَمَّد الذي به رفع الله تعالى لنا الشان، وفضّلنا على بني الإنسان، وعلى آله وصحبه ذوي القدر والعرفان، وخُصَّ بمزيد الرضا سيّدنا أبا بكر رفيقه في الأزمان، وسيّدنا عمر قاهر الشيطان، وسيّدنا عثمان كهف الحياء والإيمان، وسيّدنا علي فارس الشجعان، ما تتابع القمران وما قرأ قارئ {والذين اتبعوهم بإحسان} [سورة التوبة: 100].