2015/05/09

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف حالكم.. حفظكم الله وإيانا إن شاء الله تعالى.

يا شيخنا الحبيب انا اعاني من الوسواس القهري

وهذا المرض مشهور عند بعض الناس:

https://www.youtube.com/watch?v=5YfYbQxgPog

 

——————————

وبهذا الفيديو يوضح الدكتور طارق الحبيب أنّ مرضى الوسواس القهري يؤجرون على الإصابة ولا يحاسبون عليه نتيجة الأخطاء التي يقعون بها فهل هذا صحيح؟

جزاكم الله خيرا..

وشكرا جزيلا على الموقع المبارك..

خادمكم المخلص

 

الاسم: موسى سلام عمران

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

شكرا جزيلا على تواصلك الطيّب مع هذا الموقع المبارك، وأساله جلّ وعلا لك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدّين والدنيا والآخرة، وبعد:-

فلا شك أننا في دار الحياة الدنيا، وصفتها أنها دار امتحان وبلاء، والاختبار فيها يأتي على أنواع مختلفة، منها ما يصيب الإنسان من أمراض عضوية أو نفسية.

ولمزيد فقه في هذا الموضوع أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (546) في هذا الموقع المبارك.

فالمبتلى ينبغي عليه أنْ يراجع ذوي الاختصاص؛ قال تعالى:-

{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [سورة النحل: 43].

وأهل الذكر هم أهل الاختصاص في كلّ مجال، وعليه فالوسواس القهري مرضٌ عصبيٌ أو نفسي، والمريض تلحقه أحكام خاصة في شريعة الإسلام الغرّاء تخفيفا عنه، فالتخفيف والتيسير سِمة هذا الدّين الإسلامي الحنيف أصلا، ويظهر التخفيف على نحو أكثر بروزا ووضوحا في الحالات الخاصة كحالة المرض مثلا؛ قال جلّ في علاه:-

{لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} [سورة النور: 61].

كما أنّ النبيّ الكريم عليه من الله تعالى وآله وصحبه أفضل صلاة وتسليم تفضل في أكثر من حديث شريف مبيناً أجر صاحب المرض أو البلاء شريطة أن يرضى بقضاء الله تعالى ويصبر، منها ما رواه سيدنا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله تعالى عنهما:-

(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أُمِّ السَّائِبِ أَوْ أُمِّ الْمُسَيَّبِ فَقَالَ مَا لَكِ يَا أُمَّ السَّائِبِ أَوْ يَا أُمَّ الْمُسَيَّبِ تُزَفْزِفِينَ قَالَتْ الْحُمَّى لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا فَقَالَ لَا تَسُبِّي الْحُمَّى فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ) الإمام مُسلم رحمه الله تعالى المُنعم.

كما يجب عليه أن يلتزم بالعلاج الذي يُوصف له، فما مِنْ داء إلا وله دواء، فهذه هي سُنّة خاتم الرُسل والأنبياء صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه الأصفياء وسلم تسليما كثيرا ما دامت الأرض والسماء؛ فقد:-

(عَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا بِهِ جُرْحٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ادْعُوا لَهُ طَبِيبَ بَنِي فُلَانٍ قَالَ فَدَعَوْهُ فَجَاءَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَيُغْنِي الدَّوَاءُ شَيْئًا فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَهَلْ أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ دَاءٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا جَعَلَ لَهُ شِفَاءً) الإمام أحمد رحمه الله تعالى الصمد.

ومِنَ المهم أن أؤكد على ضرورة التضرع لله تعالى، والإلحاح بالدعاء لكشف الضرّ والبلاء؛ فإن هذه الأمراض أعراض تأتي بإذن الله تبارك وتعالى، وتزول بإذنه وقدرته وأمره؛ قال الله تقدست أسماؤه على لسان سيدنا أيوب عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:-

{وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ} [سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: 83 – 84].

ولا شكّ أنّ الاتصال بالعلماء الصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم، وطلب الدعاء أو الرُقية منهم نافع بإذن الله عزّ وجلّ فهم مِنْ أسباب الرحمة وكشف البلاء الخاص والعام في الأمّة، فعن سيّدنا عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيّ رضي الله تعالى عنه:-

(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ أُمَّ قَوْمَكَ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي شَيْئًا قَالَ ادْنُهْ فَجَلَّسَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ فِي صَدْرِي بَيْنَ ثَدْيَيَّ ثُمَّ قَالَ تَحَوَّلْ فَوَضَعَهَا فِي ظَهْرِي بَيْنَ كَتِفَيَّ ثُمَّ قَالَ أُمَّ قَوْمَكَ فَمَنْ أَمَّ قَوْمًا فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمْ الْكَبِيرَ وَإِنَّ فِيهِمْ الْمَرِيضَ وَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَإِنَّ فِيهِمْ ذَا الْحَاجَةِ وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ) الإمام مُسلم رحمه الله جلّ شأنه.

ومِنَ المهم أنْ أنبّه إلى شيءٍ ورد في المقابلة الموجودة في الرابط الذي أثبته جنابكم في السؤال، فقد جاء فضيلة الدكتور طارق الحبيب نفع الله تعالى به، بحديث صريح الإيمان دليلا على الوسواس القهري، وهذا بعيدٌ لأنّ الوسواس القهري الذي هو صورة مِنْ صور الضعف البشري الذي يستغله الشيطان فيزيد مِنْ معاناة صاحبه كما بيّن ذلك فضيلة الدكتور نفسه في حديثه لا يتناسب أبداً مع قول الرحمة المُهداة صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم بأنّ ذاك صريح الإيمان، ولبيان هذا الأمر أتشرف لأنقل نصّ ما قاله حضرة الشيخ الدكتور عبد الله مصطفى الهرشمي طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه إذْ يتفضّل قائلا:-

(أخرج مسلم في صحيحه (القسطلاني ج2ص190): “حدثني زهير بن حرب حدثنا جرير عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال” جاء ناس من أصحاب النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلّم فسألوه “إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أنْ يتكلّم به”. قال[النبيّ]: “وقد وجدتموه”. قالوا: نعم. قال: “ذاك صريح الإيمان”.

أولئك مِنْ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقد وجدوا في قلوبهم أقصى الإحسان، وجدوا عبادتهم كأنّهم يرون الله تعالى، فتعاظمهم أنْ يتكلّموا به، فهرعوا إلى النبيّ الكريم فعرضوا عليه الشأن. ومَنْ يوازن هذا الحديث بحديث الإحسان، ويتأمل سؤال النبيّ الاستحساني “وقد وجدتموه” وجوابهم، ثمّ الذي بثّ به النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في شأن ما كانوا يجدون وحقيقته “ذاك صريح الإيمان” أي صِرفه الخالص المبرّأ مِنْ كلّ شائبة – نقول: مَنْ يتأمل هذا كلّه يتحقق مِنْ أنّ سؤال الأصحاب وبيان الرسول إنّما هما في شأن النهج الأقصى لمقام الاحسان: “أنْ تعبد الله كأنّك تراه”) معالم الطريق في عمل الروح الإسلامي ص300.

وأرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (448، 606، 791) في هذا الموقع المبارك.

وأخيرَا أسأل الله جلّ جلاله وعمّ نواله لجنابك ولكافّة المرضى الشفاء العاجل ببركة مَنْ ريقه ولمسه واسمه شفاء سيّدنا محمد صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه الأوفياء وسلّم تسليمًا كثيرًا بعدد كلّ داء ودواء.

والله عزّ شأنه أحكم وأعلم.