2015/06/05
السؤال:
السلام عليكم ۔۔۔۔ وفقكم الله لخدمة دينه ونفعنا ونفع بكم ۔۔۔۔۔ من بليِ بكثرة الحلفان في قلبه على كلّ صغيرة وكبيرة مثل الحلف إنْ لا يعيد في الوضوء وبداية الصلاة ۔۔۔۔ كيف يتخلص من هذه العادة التي أصبحت أشبه بالمرض؟
الاسم: راوية
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، وأشكرك على دعواتك الطيّبة وأدعو لك بمثلها.
أثنى الحق جلّ جلاله على مَنْ يعظم حرماته وجعلها دلالة على تقوى المسلم فقال عزّ شأنه {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج/32]، هذا لمَنْ يعظّم شعائره سبحانه فكيف بمَنْ يعظّمه جلّت قدرته؟ وردت آيات بيّنات تدلّ على تعظيم الخالق جلّ جلاله وعمّ نواله منها:- قوله عزّ وجلّ {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الزمر/67]. وقوله سبحانه {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحشر 23- 24]. ومعنى هذه الأسماء كما يلي: (الملك: الذي لا ملك فوقه، ولا شيء إلا دونه. القدّوس: هو المبارك. السَّلامَ: هو الذي يسلم خلقه من ظلمه. المؤمن: أمن بقوله أنه حقّ. المهيمن: الأمين. والمصدق. العزيز: الشديد في انتقامهِ. الْجَبَّارُ: يعني: المصلح أمور خلقه. الْمُتَكَبِّرُ: قيل: عُنِيَ به أنّه تكبر عن كلّ شرّ. الخالق: الذي لا معبود تصلح له العبادة غيره، ولا خالق سواه. البارئ: الذي برأ الخلق، فأوجدهم بقدرته. المصوّر: خلقه كيف شاء، وكيف يشاء) تفسير الإمام الطبري رحمه الباري جل شأنه. ومن الآيات الدالة على تعظيمه: سورة الفاتحة، وآية الكرسي، وغيرها من الآيات الكريمات. لذا ينبغي على المسلم تعظيم الله سبحانه في قلبه، لأنّ افتقاد صفة تعظيمه هو السبب في كثرة الحلف وأول ما يبدأ به المسلم للتخلص من الحلف هو بالتفكّر في خلقه والتدبّر في كتابه والتأمل في أسمائه وصفاته خاصة تلك التي لها دلالة على قيّومته وجلاله وقدرته كالتي ذكرتها وغيرها حتى يتشرّب قلبك بمعاني عظمة الله عزّ وجلّ فتقلع عن عادة الحلف. ولا زلت أذكر كيف كان الناس في الماضي يأتون إلى والدي رحمه الله عزّ وجلّ لحلّ قضية من القضايا المتنازَع عليها بين طرفين فتستوجب أحيانا اليمين، فإذا كان كذلك دُعِيَ جمعٌ غفير إلى الجامع ليشهدوا هذا اليمين، وقبل أخذه من الطرفين أو أحدهما كان والدي رحمه الله سبحانه يقف متحدّثا عن عظمة الحلف وخطورته إذا كان كذبا، ويذكر بعض القصص التي تبيّن مصير مَنْ حلف كاذبا، ثمّ بعد ذلك تبدأ مراسيم اليمين، وكان لهذا التصرّف أثر كبير عند كثير من الناس الذين كانوا ينكرون ما عليهم من حق وجاءوا ليحلفوا، فإذا سمعوا كلامه عادوا إلى رشدهم واعترفوا بذنبهم وردّوا الحق لأصحابه قبل اليمين. فهذه صورة تحيي في القلوب عظمة الله تعالى وتمنعهم من الحلف. أمّا حكم الحلف فإنك إذا حلفت على شيء أنْ لا تفعله ثمّ فعلته ففي هذه الحالة تجب عليك كفارة يمين. أمّا إذا حلفت مرّة ثمّ حلفت مرّة ثانية لنفس الشيء، فإنْ كان الحلف في مجلس واحد تجب فيه كفارة واحدة، وإنْ تعددت المجالس فتجب في كلّ مجلس كفارة. وكفارة اليمين ذكرت في كتاب الله عزّ وجلّ في قوله {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [المائدة / 89]، ويجب أنْ يراعى الترتيب الوارد في الآية فيقدم الإطعام على الصيام فإنْ لم يجد صام، وأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2043) في هذا الموقع المبارك. أمّا فيما ينتابك من الوسواس فهذه العادة من الشيطان الذي لا ينفك عن نزغ الإنسان ووسوسته، قال الحقّ جلّ وعلا {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأعراف /200].
وقد أرشد النبيّ صلّى الله تعالى وسلّم على ذاته وصفاته وعلى آله وصحابته إلى هذا العلاج بقوله في شأن مَنْ تأتيه الوسوسة (— فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه. ومعناه إذا عرض له الوسواس فيلجأ إلى الله تعالى في دفع شرّه وليعرض عن الفكر في ذلك وليعلم أنّ هذا الخاطر من وسوسة الشيطان فليعرض عن الإصغاء إلى وسوسته وليبادر إلى قطعها بالاشتغال بالذكر والاستعاذة. وعَنِ سيّدنا عبد اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما فِي تفسير قَوْلِهِ جلّ وعلا {الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ} قَالَ (الشَّيْطَانُ جَاثِمٌ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإِذَا سَهَا وَغَفَلَ وَسْوَسَ، وَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ) الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله عزّ وجلّ. وأرجو مراجعة اجوبة الأسئلة المرقمة (448، 971، 2076) في هذا الموقع الكريم. وصلّى الله تعالى على مَنْ أسلمَ على يديه شيطانه فكان لا يأمره إلا بخير سيّدنا محمد وعلى الآل الكرام والصحب العظام وسلّم تسليما كثيراً.
والله تباركت وتقدست ذاته وأسمائه وصفاته أعلم.