2015/06/06

السؤال:

السلام عليكم سيّدي وتاج راسي سيّدي حضرة الشيخ ورحمة الله تعالى وبركاته.

أسأل الله عزّ وجلّ أنْ يكحل عيني برؤيتكم وأن يمد لكم بصحة جيدة وطول العمر خدمةً لأمة الحبيب سيّدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم وخدمةً للموقع الشريف والذي ينتفع منه جميع المسلمين وأشكركم من كل قلبي لاهتمامكم بالرسائل والتواصل من قبل المحبين والمشاركين بالموقع المبارك

سؤالي هو:-

خالتي متزوجة وتوفي زوجها ولم تنجب منه شيئاً ووالدها توفي منذ مدة فلم يبقَ لها إلا أم و4 إخوة و5 أخوات، قبل شهر أتت إلينا علماً أننا نازحين من تكريت إلى محافظة كركوك وبقت عندنا 10 أيام وخلال تواجدها معنا كنت أمازحها وألاطفها لكي أنسيها شيئا من الهمّ الذي وقعت فيه وخلال ملاطفتي معها أوصتني أمام إخواني ووالدي ووالدتي وكانت والدتها موجودة عندنا يومها وزوجة أخيها أيضاً وقالت لي: إذا متّ أي انتقلت إلى الرفيق الأعلى كاعي أي قطعة الأرض والذهب مالتي أي الخاص بها والفلوس اللي عندي لا أريد أحدا من الورثة يستفيدون منها، أريد بناء جامع ليجعل لي صدقة لأنّ إخوتي ما لفوني ولا ريحوني أي ماكو واحد منهم خلاني وياهم في بيته بالوقت الصعب وماكو واحد منهم ريحني بحياتي واتهموني وآني من التهمة بريئة هسّة أموت ويأخذون مني ورث؟ هذا كان كلامها فشاءت الأقدار وبعد كلامها بـ 20 يوما أصيبت بجلطة دماغية من جراء تفكيرها بالتهمة التي تمّ اتهامها وبقيت في المشفى 5 أيام وحالتها نحو الأسوء، وفي يوم الاثنين المصادف 29 رجب 1436 الموافق 18/5/2015 توفيت، فقلت لوالدتي سوف أسأل بهذا الخصوص إنْ كان مخالفا للشرع لا نعمل بالوصية، وإنْ أجاز لها الشرع سوف أتكلّم مع خالي الكبير والذي هو أخو المتوفية …..

وأعتذر على الإطالة وسوء أدبي مع حضرتكم وأقبّل أقدامكم وشكراً.

 

خادمكم وضاح أبو طارق

 

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

ورضي الله عزّ وجلّ عنكم لطيب تواصلكم مع هذا الموقع المبارك وصدق دعواتكم النقية، وإنّي لأدعو الله جلّ في علاه لكم بكلّ خير، وأنْ يشرّفني بلقاء أحبابي جميعا، وخدمتهم بما أستطيع، وبعد:-

فالوصية مشروعة في دّين الإسلام الحنيف؛ قال الله تبارك في علاه:-

{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [سورة البقرة: 180].

وقد ندب إليها حضرة دُرّة صدفة الوجود سيّدنا محمّد المحمود صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وأصحابه اهل الكرم والجود مِنْ غير عدّ أو حدود بقوله الشريف:-

(مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ جلاله.

وبيّن بعض فوائدها الروحية والمادية التي تتعلق بالدنيا والآخرة، فتفضل قائلا:-

(إِنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ) الإمام ابن ماجه رحمه الله عزّ شأنه.

وللمرء كلّ الحق في التصرّف بماله أثناء حياته.

أمّا إذا كان التصرّف يتعلق بعد الموت فهذه وصية، والوصيّة إنْ كانت لغير الوارث فهي مقبولة شريطة أنْ لا تتعدى الثلث، فإنْ تعدته أوقفت على إجازة الورثة، فإنْ قبلوا بها مَضَتْ وإلا رُدَّتْ إلى نصابها وهو الثلث لِمَا روى عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ رحمه اللهُ سبحانه عَنْ سيّدنا سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ قَالَ:-

(جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُنِي وَأَنَا بِمَكَّةَ وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرَ مِنْهَا قَالَ يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عَفْرَاءَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ قَالَ لَا قُلْتُ فَالشَّطْرُ قَالَ لَا قُلْتُ الثُّلُثُ قَالَ فَالثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ وَإِنَّكَ مَهْمَا أَنْفَقْتَ مِنْ نَفَقَةٍ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ حَتَّى اللُّقْمَةُ الَّتِي تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَكَ فَيَنْتَفِعَ بِكَ نَاسٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا ابْنَةٌ) الإمام البخاري رحمه الله الباري سبحانه.

وعليه ينبغي لجنابك الكريم بيان هذه الوصية كما سمعتها لقوله جلّ جلاله وعمّ نواله:-

{فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [سورة البقرة: 181].

فإنْ أجاز الورثة قمت بتنفيذها، وإلا يُصار التصرّف بثلث التركة فقط.

وأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1489) في هذا الموقع الأغرّ.

وينبغي التأكيد هنا إلى ضرورة العفو والصفح والتسامح لقول الله جلّ في علاه:-

{وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة النور: 22].

وعن سيّدنا عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله تعالى عنه قَالَ:-

(لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي: يَا عُقْبَةُ بْنَ عَامِرٍ، صِلْ مَنْ قَطَعَكَ، وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ، وَاعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد تقدّست أسماؤه.

وحريٌ بنا أنْ نُفعّلَ في حياتنا هذه الهدايات المباركة، فلا يليق بأمّة الرحمة المُهداة صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم اللقاء أنْ تتربى على الانتقام بل على التسامح ومجاهدة النفس للارتقاء على الجزاء بالمثل، فإذا كان ورثتها قد ظلموها أو أساءوا لها فلا يُعدّ هذا مبررا لحرمانهم مِنَ الإرث والتصدّق بالمال على هذه النيّة لأنّ الصدقة في هذه الحالة قد لا يقبلها الله عزّ وجلّ مهما كانت كبيرة.

والله عزّ شأنه أعلم.

وصلّى الله تعالى على خير مَنْ أقام في الأرض المساجد، إمام كلّ راكع وساجد، سيّدنا محمد وآله وصحبه الأماجد وسلّم تسليما كثيرا ما سار نحو طيبة الفيحاء قاصد.