2015/06/15
الرسالة:
إذا أخطأ العبد واستغفر الله في نفس الوقت هل يغفر له؟؟ مهما كان الخطأ؟؟ جزاكم الله خيرا.
الاسم: حنان
الرد:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاتهُ.
قال ربُّنا العَليمُ الحَكيمُ سبْحانَهُ:-
{إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء : 18].
وقدْ جعلَ اللهُ التوبةَ مقبولةً مِنْ عبادِهِ وإنْ عظُمَتْ سيئاتُهُم, وارتكبُوا كبائرَ الآثامِ والفواحشِ, ولا معصيةَ بعْدَ الكفرِ ما لمْ تطلعُ الشمسُ مِنْ مغْرِبِها, أو تبلغُ الروحُ الحلقومَ, قال تعالى:-
{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ} [الأنفال : 38].
قَالَ الحَبيبُ المَحْبُب صَلَّى اللَّهُ تعَالى عَلَيْهِ وآلهِ وصحبهِ وَسَلَّمَ:-
(يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) الإمَامُ البُخاريُّ رحمهُ اللهُ جلّ وعلا.
لكنَّ التوبةَ لها شروط لابدَّ منْها, والتائبُ ليس مَنِ استغفرَ اللهَ بلسانِهِ، واستمرَّ في ذنوبِهِ وعصيانِهِ، غيرَ نادمٍ ولا مُقلعٍ, ولا عازمٍ على التركِ.
وأهمُّ تلكَ الشروطِ:-
1- رَدُّ المظالِمِ إلى أهلِها.
2- الندمُ على ما فاتَ مِنَ المعاصِي والذنُوبِ.
3- العزيمةُ على عدمِ العودةِ إلى المعاصِي.
هذه هي الشروط التي ذكرها أهل العلم والذكر جزاهم الله عزّ وجلّ خيرا، لكن يبقى الأمل بفضل الله جلّ في علاه قائما خاصة بعدما بلّغ سيّدنا وحبيبنا وقرّة عيوننا صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحابته ما أوحى الله سبحانه إليه ومنه ما رواه سيّدنا عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ:-
(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا لِأُمَّتِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، بِالْمَغْفِرَةِ، فَأُجِيبَ: إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، مَا خَلَا الظَّالِمَ، فَإِنِّي آخُذُ لِلْمَظْلُومِ مِنْهُ، قَالَ: أَيْ رَبِّ إِنْ شِئْتَ أَعْطَيْتَ الْمَظْلُومَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَغَفَرْتَ لِلظَّالِمِ، فَلَمْ يُجَبْ عَشِيَّتَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، أَعَادَ الدُّعَاءَ، فَأُجِيبَ إِلَى مَا سَأَلَ، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ قَالَ تَبَسَّمَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إِنَّ هَذِهِ لَسَاعَةٌ مَا كُنْتَ تَضْحَكُ فِيهَا، فَمَا الَّذِي أَضْحَكَكَ؟ أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ قَالَ: إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ، لَمَّا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، قَدِ اسْتَجَابَ دُعَائِي، وَغَفَرَ لِأُمَّتِي أَخَذَ التُّرَابَ، فَجَعَلَ يَحْثُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَيَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، فَأَضْحَكَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ جَزَعِهِ) الإمام ابن ماجة رحمه الله عزّ شأنه.
فالحَمْدُ للهِ إذ نتعاملُ مَعَ ربٌّ كريمٌ ..وهو أرحمُ الراحمينَ، وخيرُ الغافرِينَ، وهو التوَّابُ الرَّحيمُ لا يتعاظمُ أمامَ عفوهِ ذنبٌ، ولا تكْبُرُ أمامَ مغفرتِهِ معصيةٌ، فرحْمَتُهُ وسعَتْ كلَّ شيءٍ، يغْفِرُ كلَّ الذنوبِ إذا تابَ عبدُهُ إليهِ، فالأمَلُ في رحْمَةِ اللهِ كبيرٌ والرجاءُ فيهِ لا ينْقطِعُ، يقولُ الرَّحيمُ الرَّحمن تبَاركَ وتعالى:-
{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر : 53].
آيةٌ عظيمةٌ تُعلِمُنا ألا نقطعَ رجاءَنا في اللهِ واهِبِ النِعَمِ أبداً، وألا نقْنط أو نيْأس مِنْ رحْمَتِهِ، وأنْ نُوقِنَ بأنَّ بابَ التوبةِ مفتوحٌ لا يُغْلقُ في أيِّ ساعةٍ مِنْ ليلٍ أوْ نهارٍ، قَالَ الشافعُ المُشفَّعُ صلواتُ ربِّي وسلامُهُ عليهِ وعلى آلهِ وصحبِهِ أجمَعينَ:-
(إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) الإمَامُ مُسْلِمٌ رحمهُ المنعم جلّ جلاله.
ومِنَ المُبشراتِ العظيمةِ التي تَبْعَثُ إلينا جميعاً بروحِ الأملِ أنَّ اللهَ الرَّؤوفُ الرَّحيمُ يفرحُ بعبْدِهِ إذا تابَ إليهِ ورجِعَ إليهِ، قَالَ سيِّدُ الخلقِ وحبيبُ الحقِّ صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآلهِ وصحبِهِ وَسَلَّمَ:-
(لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ) الإمَامُ مُسْلِمٌ رحمهُ اللهُ عزّ وجلّ.
فالله تبارك اسمه يُحِبُّ مَنْ يتوب إليهِ، بالرغمِ مِنْ أنَّهُ قدْ أذْنبَ وأساءَ وأخطأَ وفرَّطَ إلا أنَّ اللهَ تعالى يُحِبُهُ، حيثُ قالَ مولانا جلَّ في عُلاه:-
{— إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة : 222].
ولمعرِفةِ بعضِ الأفعالِ التي تُعينُ المُسلِمَ على مغفِرَةِ الذنُوبِ أرجُو مراجَعَةِ جوابِ السؤالِ المُرَقمِ (2047) مِنْ هذا المَوقعِ المباركِ.
وفي الختامِ أسألُ اللهَ جلّ في علاه أنْ يتوبَ عليّ وعليكم، ويغفرَ لي ولكم، ويمحوَ عنَّا آثارَ ذنُوبِنا، ويأخذَ بنواصِينا إليهِ أخذَ الكرامِ عليهِ إنَّهُ سبْحانَهُ سميعٌ قريبٌ مجيبُ الدعواتِ.
وصلِّ اللهُمَّ على سيِّدِنا مُحَمَّدٍ ما اتَّصلَتْ العيونُ بالنظرِ، وتزخرفَتْ الأرضُونَ بالمطرِ، وحجَّ حاجٌ واعْتمر، ولبَّى ونحرَ، وطافَ بالبيتِ العتيقِ وقبَّلَ الحجرَ، وعلى آلهِ وصحبهِ أهلُ الخيرِ والكرمِ وسلَّمْ تسليماً كثيراً .. وربُّنا الكريمُ الوهابُ أعلمُ بالحقِّ والصوابِ.