2015/07/07
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيدي الشيخ سعدالله عارف البرزنجي حفظكم الله تعالى كنت قد أرسلتُ سابقا سؤالاً قد يكون لم يصل للموقع فحواه كيف أوفّق بين العمل بالكتاب العزيز والسنّة المطهّرة وبين تقليد أحد المذاهب الإسلامية الأربعة بحيث أكون عاملا بهما بفهم صحيح بعيد عن التقليد المطلق وبين اللامذهبية وجزاكم الله تعالى ألف خير.
الاسم: سعد
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
ورزقنا الله سبحانه وإيّاكم صحة الفهم على منهج السلف رضي الله عزَّ وجلَّ عنهم.
1- الكتاب والسنّة هما المصدران الوحيدان لاستقاء الأحكام الشرعية، وبقيّة المصادر المذكورة في كتب الأصول راجعة إليهما حسب فهم أسلافنا رضي الله تعالى عنهم وعنكم، لكنْ يجب أنْ يكون ذلك بفهمهم، وما بُني عليهما كالإجماع والقياس وغيرهما ممّا هو مذكور في كتب الأصول في حقيقته راجع إلى الكتاب العزيز والسنّة المطهّرة.
2- المكلفون بالنسبة لأحكام الشريعة وأدلتها قسمان:-
قسم قادر على أخْذ الأحكام من أدلتها بطريق الاجتهاد.
وقسم دون ذلك.
فالأول: هم المجتهدون.
والثاني: هم المقلِّدون.
فالأول مأمور بالاجتهاد للعمل بالأحكام الشرعية واتِّباعها.
والثاني مأمور بتقليده، فالعوام في زمن الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم وعنكم كانوا إذا نزلت بهم حادثة أو وقعت لهم واقعة يَهرعون إليهم ليسألوهم عن حكم الله جلّ وعلا في تلك الحادثة فيجيبونهم عن هذه المسائل مِنْ غير أنْ ينكروا عليهم ذلك، ولم ينقل عنهم أنَّهم أمروا هؤلاء السائلين بأنْ يجتهدوا ليعرفوا الحكم بأنفسهم، فكان ذلك إجماعًا سكوتيا على أنَّ مَنْ لم يقدر على الاجتهاد فطريق معرفته للأحكام هو سؤال القادر عليها.
يقول الإمام الشاطبي رحمه الكريم تقدَّست ذاته:-
(فَتَاوَى الْمُجْتَهِدِينَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْعَوَامِّ كَالأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُجْتَهِدِينَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ وُجُودَ الْأَدِلَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُقَلِّدِينَ وَعَدَمَهَا سَوَاءٌ؛ إِذْ كَانُوا لَا يَسْتَفِيدُونَ مِنْهَا شَيْئًا؛ فَلَيْسَ النَّظَرُ فِي الْأَدِلَّةِ وَالِاسْتِنْبَاطُ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُمْ أَلْبَتَّةَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النَّحْلِ: 43].
وَالْمُقَلِّدُ غَيْرُ عَالِمٍ؛ فَلَا يَصِحُّ لَهُ إِلَّا سُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، وَإِلَيْهِمْ مَرْجِعُهُ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ عَلَى الإطلاق، فهم إذن الْقَائِمُونَ لَهُ مَقَامَ الشَّارِعِ، وَأَقْوَالُهُمْ قَائِمَةٌ مَقَامَ الشَّارِعِ) الموافقات (5/ 336).
ويقول العلامة الشيخ محمد حسنين مخلوف عليه رحمة المنان جلَّ جلاله في كتابه بلوغ السول تحت عنوان: استناد أقوال المجتهدين إلى المآخذ الشرعية:-
(وقد اعتبر الأصوليون وغيرهم أقوال المجتهدين في حق المقلدين القاصرين كالأدلة الشرعية في حق المجتهدين، لا لأنَّ أقوالهم لذاتها حجّة على الناس تثبت بها الأحكام الشرعية كأقوال الرسل عليهم الصلاة والسلام فإنَّ ذلك لا يقول به أحد؛ بل لأنَّها مستندة إلى مآخذ شرعية بذلوا جهدهم في استقرائها وتمحيص دلائلها مع عدالتهم وسعة اطلاعهم واستقامة أفهامهم وعنايتهم بضبط الشريعة وحفظ نصوصها، ولذلك شرطوا في المستثمر للأدلة المستنبط للأحكام الشرعية مِنْ أدلتها التفصيلية – لكونها ظنيّة لا تنتج إلّا ظنّا – أنْ يكون ذا تأهل خاص وقوة خاصة وملكة قوية يتمكن بها مِن تمحيص الأدلة على وجه يجعل ظنونه بمثابة العلم القطعي صونا لأحكام الدين عن الخطأ بقدر المستطاع).
3- قد يعترض معترض بأنَّ الشرع الشريف أوجب علينا اتباع الكتاب والسنّة وليس اتباع كلام الأئمة رحمهم ربُنا جلَّ ثناؤه.
والجواب: إنَّ أقوال الأئمة المجتهدين ليست قسيمًا للكتاب والسنة، بل هي نتاج فهمهم لهما، فأقوالهم تفسير وبيان للكتاب والسنة, فالأخْذ بأقوال الأئمة ليس تركًا للآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، بل هو عين التمسُّك بهما، فإنَّهما ما وصلتا إلينا إلا بواسطتهم، مع كونهم أعلم ممّن بعدهم بصحيح الأحاديث وسقيمها، والناسخ والمنسوخ، ولغة العرب، وسائر العلوم المتعلقة بفهم النصوص، مع كمال إدراكهم وقوة ديانتهم وورعهم ونور بصائرهم، ففهموا القرآن الكريم والسنة المطهّرة على مقتضى قواعد العلوم التي لابدّ منها في ذلك، وبيَّنوا للناس ما يخفى عليهم على مقتضى المعقول والمنقول فيسّروا عليهم أمر دينهم.
4- ممّا سيوضح حقيقة ما ذكرته مراجعة ذلك العلم العظيم الذي هو مفخرة مِنْ مفاخر ديننا الحنيف أعني علم أصول الفقه الذي كان يسمّيه بعض مشايخنا رضي الله سبحانه عنهم وعنكم علم العلوم، إذ هو بمثابة أداة لاستكشاف الحكم الشرعي بشكل منضبط ومقنن.
خلاصة الأمر إذن:-
أنَّ المسلم مأمور باتباع الكتاب الكريم والسنّة الشريفة بفهم السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم وعنكم، وخلاف هذا الفهم سينتج فوضى فكرية وفقهية بل وعقائدية والحال شاهد بهذا.
ولزيادة الفائدة يرجى مراجعة جواب السؤال المرقم (1869) في هذا الموقع المبارك.
والله عزَّ كماله أعلم.
وصلِّى الله على مقصد العلماء ومَحط نظر الفقهاء سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه الأوفياء الأتقياء.