2015/08/10

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

حضرة الشيخ سعدالله حفظكم الله

هل يجوز قراءة القرآن الكريم وإهداء ثوابه للميت؟

 

الاسم: عامر عبيد مخلف العيساوي

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

وأشكر لك تواصلك مع هذا الموقع المبارك.

يجوز اِهداء ثواب العمل الصالح إلى أي شخص حيًّا كان أو ميتًا، قال تبارك اسمه:- {رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} [سورة ابراهيم عليه الصلاة والسلام: 41].

فالآية الكريمة فيها دعاء للوالدين وللمؤمنين أحياءً وميّتين لأنّ العمل لا يتعلق بالجسد بل بالروح، والروح لا تفنى.

وقد صحّ عن النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم أنّه أمر بالصدقة على للميت، وأنْ يصام عنه ويحجّ.

والصوم والصدقة والحجّ عن الموتى من الأعمال الصالحة، وبهذا احتج مَنْ قال من العلماء إنّه يجوز إهداء ثواب العبادات المالية والبدنية إلى موتى المسلمين كما هو مذهب الأئمة أحمد وأبي حنيفة وطائفة من أصحاب مالك والشافعي رضي الله تعالى عنهم وعنكم أجمعين.

وقال الإمام الفقيه برهان الدين بن مفلح رحمه الله تعالى وهو من أئمة الفقه الحنبلي:-

(ولا تكره القراءة على القبر وفي المقبرة في أصح الروايتين لهذا المذهب، روى أنس مرفوعا قال: من دخل المقابر فقرأ فيها يس خف عنهم يومئذ وكان له بقدرهم حسنات، وصحّ عن ابن عمر أنّه أوصى إذا دفن أنْ يقرأ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها ولهذا رجع أحمد عن الكراهة قاله أبو بكر وأوصلها أنه مرّ على ضرير يقرأ عند قبر فنهى عنها فقال له محمد بن قدامة الجوهري: يا أبا عبد الله ما تقول في مبشر؟ قال: ثقة، فقال: أخبرني مبشر عن أبيه أنّه أوصى إذا دفن أنْ يقرأ عنده بفاتحة البقرة وخاتمتها وقال: سمعت ابن عمر أوصى بذلك فقال أحمد: ارجع فقل للرجل يقرأ) المبدع (2/280).

وقال رحمه الله سبحانه أيضا:-

(قال أحمد: الميت يصل إليه كلّ شيء من الخير للنصوص الواردة فيه ولأنّ المسلمين يجتمعون في كلّ مصر ويقرؤون ويهدون لموتاهم دون نكير فكان إجماعا وكالدعاء والاستغفار حتى لو أهداها للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم جاز ووصل إليه الثواب) المبدع (2/281).

وقال الشيخ ابن تيمية رحمه ربّ البرية:-

(احتج مَنْ قال من العلماء إنّه يجوز إهداء ثواب العبادات المالية والبدنية إلى موتى المسلمين كما هو مذهب أحمد وأبي حنيفة وطائفة من أصحاب مالك والشافعي فإذا أهدى لميت ثواب صيام أو صلاة أو قراءة جاز ذلك) الفتاوى (24/322).

وقال رحمه الله عزّ وجلّ أيضا:-

(وسئل عمّن هلّل سبعين ألف مرّة وأهداه للميت يكون براءة للميت من النار حديث صحيح أم لا؟ وإذا هلّل الإنسان وأهداه إلى الميت يصل إليه ثوابه أم لا؟ فأجاب إذا هلل الإنسان هكذا سبعون ألفا أو أقلّ أو أكثر وأهديت إليه نفعه الله بذلك وليس هذا حديثا صحيحا ولا ضعيفا والله أعلم) الفتاوى (24/323).

أمّا حديث انقطاع عمل الميت الذي رواه سيّدنا أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنه:-

(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ) الإمام الترمذي رحمه المغني جل وعلا.

فهذا الحديث يتكلم عن عمل الميت لا عن عمل الحيّ فالذي ينقطع هو عمل الميت، أمّا الحيّ فعمله باق له يهبه لمَنْ شاء.

قال الشيخ ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في كتاب الروح، ردا على من استدلّ بهذا الحديث وأنكر وصول الثواب للأموات:-

(وأمّا استدلالكم بقوله صلّى الله عليه وسلّم إذا مات العبد انقطع عمله فاستدلال ساقط فإنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يقل انقطع انتفاعه وإنّما أخبر عن انقطاع عمله، وأمّا عمل غيره فهو لعامله فإنْ وهبه له وصل إليه ثواب عمل العامل لا ثواب عمله فالمنقطع شيء والواصل اليه شيء آخر).

فإذا اعتقد شخص أنّ ثواب العمل لا يصل إلى الأموات فإنّ هذا الشخص إذا مات فلن يصل إليه شيء من دعاء وثواب الأحياء، فينظر وهو في قبره وصول ثواب الأعمال إلى جيرانه من أهل القبور ولا يصل إليه شيء لأنّه اعتقد جازما عدم وصوله إليهم.

ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (306، 1750) في هذا الموقع الكريم.

والله تبارك اسمه أعلم.

وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.