2015/11/16

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته سيّدي الشيخ الدكتور حفظك الله ورعاك أسأل عن الفقرة التالية التي وردت في مشاركة أحد الأفاضل عن سيرة سيّدنا معروف الكرخي رحمه الله، حيث ورد التالي:-

وقالَ مُحمدٌ بنُ عبدِ الرَّحمنِ: سمعْتُ أبِي يقولُ: قبرُ معروفٍ مُجرّبٌ لقضاءِ الحوائِجِ.

وقالَ يحيى بنُ سليمانَ: كانَتْ لِي حاجةٌ وقدْ تعسّرَتْ عليَّ فأتيْتُ قبرَ معروفٍ الكرخيِّ رضيَ اللهُ عنْهُ فقرأتُ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1]، ثلاثُ مراتٍ، وأهديتُها لَهُ ولأمواتِ المُسلمينَ ثمَّ ذكرْتُ حاجَتِي فما رجعْتُ حتى قُضيَتْ.

أرجو إفادتنا في موضوع طلب الحوائج عند القبور.

وبارك الله فيكم. خادمكم أبو عمر.  

 

الاسم: ابو عمر    

 

الرد:-

وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.

أسأل الله جلّ وعلا أنْ يحفظك ويرعاك وكافة المسلمين والمسلمات إنّه سبحانه وليّ ذلك والقادر عليه.

لقد أخبر نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم عن القبر فقال:-

(إِنَّمَا القَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ وعلا.

وعندما يوفّق المسلم لزيارة قبر نبيّ أو وليّ يدفعه إيمانه بهذا الحديث الشريف أنّه يقف في روضة غنّاء وجنّة معطاء يفوح عطرها وتزهو بركتها لتشمل كلّ مَنْ زارها فينشرح صدره وينطلق لسانه بالدعوات، راجيا فضل ربّ الأرض والسموات، هذا المعنى نجده واضحا فيما رواه مَالِكُ الدَّارِ رَحِمَهُ اللهُ العَزِيْزُ الغَفَّارُ، وَكَانَ خَازِنَ سَيِّدِنَا عُمَرَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى الطَّعَامِ، إذْ قَالَ:-

(أَصَابَ النَّاسَ قَحْطٌ فِي زَمَنِ عُمَرَ، فَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتَسْقِ لِأُمَّتِكَ فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا، فَأَتَى الرَّجُلَ فِي الْمَنَامِ فَقِيلَ لَهُ: ائْتِ عُمَرَ فَأَقْرِئْهُ السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُ أَنَّكُمْ مُسْقَونَ وَقُلْ لَهُ: عَلَيْكَ الْكَيْسُ، عَلَيْكَ الْكَيْسُ، فَأَتَى عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ فَبَكَى عُمَرُ ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ لَا آلُو إِلَّا مَا عَجَزْتُ عَنْهُ) الإمام ابن أبي شيبة رحمه الله عزّ وجلّ.

ومعنى قوله (عليك الكيس) أي عليك بالاجتهاد والسعي في خدمة الأمّة.

ومعنى قوله (لا آلو إلا ما عجزت عنه) أي لا أقصّر إلا فيما أعجز عنه.

وَعَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي صَالِحٍ رحمه الله تعالى قَالَ:-

(أَقْبَلَ مَرْوَانُ يَوْمًا فَوَجَدَ رَجُلًا وَاضِعًا وَجْهَهُ عَلَى الْقَبْرِ فَقَالَ: أَتَدْرِي مَا تَصْنَعُ؟ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ أَبُو أَيُّوبَ (الأنصاري الصحابيّ الجليل رضي الله سبحانه عنه)، فَقَالَ: نَعَمْ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ آتِ الْحَجَرَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: لَا تَبْكُوا عَلَى الدِّينِ إِذَا وَلِيَهُ أَهْلُهُ وَلَكِنْ ابْكُوا عَلَيْهِ إِذَا وَلِيَهُ غَيْرُ أَهْلِهِ) الإمام أحمد رحمه الله الفرد الصمد.

ولمّا قدم سيّدنا بلال رضي الله سبحانه عنه من الشام لزيارة النبيّ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:-

(أتَى القَبْرَ، فَجَعَلَ يَبْكِي وَيُمَرِّغ وَجْهَهُ عَلَيْه) الإمام ابن عساكر رحمه الله تعالى.

وقال سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه والكرام:-

(جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ لَهُ: أَجِبْ رَبَّكَ، قَالَ: فَلَطَمَ مُوسَى عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ فَفَقَأَهَا، قَالَ: فَرَجَعَ الْمَلَكُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَقَالَ: إِنَّكَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَكَ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ وَقَدْ فَقَأَ عَيْنِي، قَالَ: فَرَدَّ اللَّهُ عَيْنَهُ، وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى عَبْدِي فَقُلْ الْحَيَاةَ تُرِيدُ؟ فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْحَيَاةَ فَضَعْ يَدَكَ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَمَا تَوَارَتْ بِيَدِكَ مِنْ شَعْرَةٍ فَإِنَّكَ تَعِيشُ بِهَا سَنَةً، قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ تَمُوتُ، قَالَ: فَالْآنَ مِنْ قَرِيبٍ، قَالَ: رَبِّ أَدْنِنِي مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي عِنْدَهُ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَنْبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ) الإمام أحمد رحمه الله جلّ جلاله.

قال الحافظ وليّ الدين العراقي رحمه الله تعالى في شفاء السقام في شرحه للحديث ما نصّه:-

(وفيه استحباب معرفة قبور الصالحين لزيارتها والقيام بحقها).

لهذا لم يزل المسلمون سلفا وخلفا يزورون قبر النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام وقبور الأولياء والصالحين رضي الله تعالى عنهم وعنكم للتبرّك بها والدعاء عندها ولم ينكر عليهم أحد لاعتقادهم أنّ الفاعل هو الله جلّ في علاه.

وفي كتب المحدثين والمؤرخين رحمهم الله عزّ وجلّ الكثير من ذلك:-

عَنِ سَيِّدِنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ:-

(أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ رَحِمَهَا اللَّهُ: اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَشَفَتْ لَهَا عَنْهُ، فَبَكَتْ حَتَّى مَاتَتْ) الإمام أحمد رحمه الله سبحانه في الزهد.

وذكر الخطيب البغدادي رحمه الباري جلّ جلاله وعمّ نواله في تاريخ بغداد ما نصّه:-

(أَخْبَرَنَا إسماعيل بْن أَحْمَد الحيري قال أنبأنا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن السلمي قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَن بْن مقسم يقول: سمعت أبا عَلِيّ الصفار يقول: سمعت إِبْرَاهِيم الحربي يقول: قبر معروف الترياق المجرّب. أَخْبَرَنِي أَبُو إسحاق إِبْرَاهِيم بن عمر البرمكي قال نبأنا أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن بْن مُحَمَّد الزهري قَالَ سمعت أَبِي يقول: قبر معروف الكرخي مجرب لقضاء الحوائج. ويقال: إنّه مَنْ قرأ عنده مائة مرّة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وسأل الله تعالى ما يريد قضى الله له حاجته. حَدَّثَنَا أَبُو عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن عَبْدِ اللَّهِ الصوري قَالَ: سمعت أبا الْحُسَيْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن جميع يقول: سمعت أبا عبد الله بن المحاملي يقول: أعرف قبر معروف الكرخي منذ سبعين سنة ما قصده مهموم إلاّ فرّج الله همّه).

وذكر أيضا:-

(أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو عَبْد اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْن عَلِيّ بْن مُحَمَّد الصيمري قال: أنبأنا عمر بن إبراهيم قال: نبأنا عَلِيّ بْن ميمون قَالَ: سمعت الشافعي يقول: إنّي لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إِلَى قبره في كلّ يوم -يَعْنِي زائرًا- فإذا عرضت لي حاجة صلّيت ركعتين وجئت إِلَى قبره وسألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عنّي حتى تقضى.

ومقبرة عَبْد الله بْن مالك، دفن بها خلق كثير من الفقهاء والمحدثين والزهاد والصالحين، وتعرف بالمالكية.

ومقبرة باب البردان فيها أيضا جماعة من أهل الفضل، وعند المصلى المرسوم بصلاة العيد كان قبر يعرف بقبر النّذور.

ويقال: إنَّ المدفون فيه رجل من ولد عَلِيّ بْن أَبِي طالب رضي الله عنه يتبرّك الناس بزيارته، ويقصده ذو الحاجة منهم لقضاء حاجته).

وقال الإمام النووي رحمه الله عزّ وجلّ في الروضة ما نصّه:-

(يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ الْوَصِيَّةُ لِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَغَيْرِهِ مِنَ الْمَسَاجِدِ، وَلِعِمَارَةِ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْعُلَمَاءِ، وَالصَّالِحِينَ، لِمَا فِيهَا مِنْ إِحْيَاءِ الزِّيَارَةِ، وَالتَّبَرُّكِ بِهَا).

فالمراد ممّا تقدّم هو التماس بركة ذلك الرجل الصالح عند الدعاء، وليس التوجّه إليه بالدعاء، وهنا لابدّ من التفريق بين دعاء صاحب القبر، والدعاء عنده، فدعاء صاحب القبر والتوجّه إليه بطلب الشيء اعتقادا منك أنّه سيقضي لك حاجتك فهذا قطعا غير جائز.

أمّا الدعاء عند قبره والتوجّه إلى الله جلّ شأنه ملتمسا بركة ذلك المكان أو تلك الذات، فهذا هو المقصود من الدعاء عند قبور الأولياء والصالحين رضي الله سبحانه عنهم وعنكم أجمعين، فالتضرّع إلى الله عزّ وجلّ بالدعاء في رحابهم تبركا بهم إنّما هو لمظنّة القبول في تلك الأماكن الطاهرة التي تشرّفت بسكناهم، ومن المعلوم أنَّ تلك القبور يؤمّها من ملائكة الرحمة عليهم السلام ممّن لا يعلم عددهم إلاّ الله جلّ جلاله فيؤمّنون على دعاء الداعي ويستغفرون له، قال عزّ وجلّ:-

{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سورة سيّدنا يونس عليه السلام: 62-64].

وقال سبحانه:-

{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} [سورة فصلت: 30-32].

وأرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1705) في هذا الموقع المبارك.

والله جلّت صفاته أعلم.

وصلّى الله عزّ وجلّ وسلّم على الكامل المكمّل، والسيّد المبجّل، المتحلِّي بكلّ خلق أفضل، الموصوف بكلّ وصف أجمل، سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه ومَنْ على طريقتهم أقْبَل.