الرد:-
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكرك على تواصلك مع هذا الموقع المبارك.
أسأل الله جلّ في علاه أنْ يجيرنا من عذاب القبر وأهواله إنّه سميع قريب مجيب.
إنَّ عذاب القبر هو من عالم البرزخ، وهو العالم المتوسط بين عالمي الدنيا والآخرة، ومن أمور الغيب التي يجب على المسلم فيها التسليم دون السؤال عن الكيفية، فلا يعلم أحد كمال كيفيتها وكنهها إلاّ الله عزّ وجلّ الذي علّمنا بعض علوم ذلك العالم الكبير بما أنزله في كتابه العظيم، وبما علّمه نبيّه المصطفى عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم.
إنّ ثبوت عذاب القبر ونعيمه دلّت عليه الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة واتفاق الأمّة سلفا وخلفا.
قال الله جلّ جلاله:-
{النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [سورة غافر: 46].
جاء في تفسير الإمام القرطبي رحمه الله تعالى ما نصه-:
(وَالْجُمْهُورُ عَلَى أنّ هذا العرض في البرزخ. احتج بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَثْبِيتِ عَذَابِ الْقَبْرِ بِقَوْلِهِ {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا} مَا دَامَتِ الدُّنْيَا. كَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَمُقَاتِلٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ كُلُّهُمْ قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى عَذَابِ الْقَبْرِ فِي الدُّنْيَا، أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ عَنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ} وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ أَرْوَاحَ آلِ فِرْعَوْنَ وَمَنْ كَانَ مِثْلَهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ تُعْرَضُ عَلَى النَّارِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ فَيُقَالُ هَذِهِ دَارُكُمْ. وَعَنْهُ أَيْضًا: إِنَّ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ سُودٍ تَغْدُو عَلَى جَهَنَّمَ وَتَرُوحُ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ فَذَلِكَ عَرْضُهَا….) الجامع لأحكام القرآن (15/318).
وعَنْ سَيِّدِنَا زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وَعَنْكُم قَالَ:-
(بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ، عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ وَنَحْنُ مَعَهُ، إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ، وَإِذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ أَوْ خَمْسَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ – قَالَ: كَذَا كَانَ يَقُولُ الْجُرَيْرِيُّ – فَقَالَ: مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الْأَقْبُرِ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا، قَالَ: فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: مَاتُوا فِي الْإِشْرَاكِ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا، لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، فَقَالَ: تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْر…..) الإمام مسلم رحمه المنعم تقدّس اسمه.
ولمّا كان عذاب القبر من أحوال البرزخ وتلك الأحوال لا تقاس بأحوال الدنيا فالعذاب والنعيم وسعة القبر وضيقه، إنّما يدركه الميت دون غيره والإنسان قد يرى في المنام وهو نائم على فراشه أنّه قائم وذاهب وراجع، وضارب ومضروب، ويرى أنّه في مكان ضيق موحش، أو في مكان واسع بهيج، والذي حوله لا يرى ذلك ولا يشعر به.
فهل عذاب القبر واقع على الروح والجسد معا؟
فالأصل أنَّ العذاب والنعيم في القبر يكون على الروح، وقد تتصل الروح بالبدن فيصيبه شيء من العذاب أو النعيم. وَالأَحَادِيثُ الشريفة التي تدلّ على هذه المسألة كثيرة منها:
عَنْ سَيِّدِنَا الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وعَنْكُم قَالَ:-
(خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنْ الأَنْصَارِ. فَانْتَهَيْنَا إلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرُ وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ الأَرْضَ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: اسْتَعِيذُوا بِاَللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا. وَذَكَرَ صِفَةَ قَبْضِ الرُّوحَ وَعُرُوجِهَا إلَى السَّمَاءِ ثُمَّ عَوْدَهَا إلَيْهِ. إلَى أَنْ قَالَ: وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ إذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ حِينَ يُقَالُ لَهُ يَا هَذَا مَنْ رَبُّك؟ وَمَا دِينُك؟ وَمَنْ نَبِيُّك؟ وَفِي لَفْظٍ: فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ وَيَقُولانِ لَهُ: مَنْ رَبُّك؟ فَيَقُولُ: رَبِّي اللَّهُ. فَيَقُولانِ لَهُ: مَا دِينُك؟ فَيَقُولُ دِينِي الإِسْلامُ. فَيَقُولانِ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي أُرْسِلَ فِيكُمْ؟ قَالَ: فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ. فَيَقُولانِ: وَمَا يُدْرِيك؟ فَيَقُولُ: قَرَأْت كِتَابَ اللَّهِ وَآمَنْت بِهِ وَصَدَّقْت بِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) قَالَ: فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَافْرِشُوا لَهُ فِي الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إلَى الْجَنَّةِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا، قَالَ: وَيُفْسَحُ لَهُ مَدَّ بَصَرِهِ، قَالَ: وَإِنَّ الْكَافِرَ فَذَكَرَ مَوْتَهُ. وَقَالَ: وَتُعَادُ رُوحُهُ إلَى جَسَدِهِ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولانِ لَهُ: مَنْ رَبُّك؟ فَيَقُولُ هاه هاه لا أَدْرِي. فَيَقُولانِ لَهُ: مَا دِينُك؟ فَيَقُولُ: هاه هاه لا أَدْرِي، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ عَبْدِي فَافْرِشُوا لَهُ مِنْ النَّارِ وَأَلْبِسُوهُ مِنْ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إلَى النَّارِ، قَالَ: وَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا، قَالَ: وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلاعُهُ، قَالَ: ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَبْكَمُ مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا، قَالَ: فَيَضْرِبُهُ بِهَا ضَرْبَةً يَسْمَعُهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إلا الثَّقَلَيْنِ فَيَصِيرُ تُرَابًا. ثُمَّ تُعَادُ فِيهِ الرُّوحُ) الإمام أبو دواد رحمه المعبود سبحانه.
ففي هذا الحديث الشريف تصريح بإعادة الروح إلى الجسد وباختلاف أضلاعه وهذا يوضّح حقيقة الأمر أنَّ العذاب واقع على الروح والجسد مجتمعين.
وقد يكون للروح منفردا كما هو في حال النعيم، قال سيّدنا رسول الله صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(إنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يبعثه الله إلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ) الإمام النسائي رحمه الباري عزّ وجلّ.
فالعذاب في البرزخ يقع على الروح ثمّ يسري إلى الجسد بخلاف ما كان في الدنيا، إذ لو أصيب جسد بحرق مثلا فيقع العذاب على البدن ثمّ يسري إلى الروح.
والخلاصة:
العذاب والنعيم بعد الموت يكون للروح ويتأثر به الجسد تأثّراً لا نُحِسّ به والله جلّ وعلا أعلم بكيفيته، كما أنَّ النائم يتلذذ أو يتألم بروحه وإنْ كنّا لا نرى أثر ذلك على جسده، وقد يتصبّب عرقاً من الخوف أو يبتسم من السرور، ونحن لا نشاهد ما يشاهده النائم، والنوم مثال مُصغر عن الموت وإنْ كانت أحوال الآخرة لا تشبه أحوال الدنيا، ولكن هذا مثال يُقرِّب الموضوع لأذهاننا.
وأيضا من الصور التقريبية للحياة في باطن الأرض ما يذكره علماء الجيولوجيا أنّ كل حفنة من التراب تعجّ بالحياة الكثيفة والحركة المنتجة. وفي الممرات الجوفية التي تتقاطع، والفجوات الدقيقة، والشقوق المجهرية، والمسام الترابية، تعيش مجموعة متعددة ومتنوعة من المخلوقات الحية، وكلّ سنتيمتر مكعب من التراب يحوي أكثر من مليار جرثومة، ونصف مليون “أحادية الخلية”، وآلاف الديدان الصغيرة، ومئات الحشرات من القراديات وكثيرات الأرجل.
وتمدّ النباتات الخضراء جذورها في قلب التراب حيث تعيش أنواع من النباتات المجهرية، تنتمي بصورة خاصة إلى فئة الطفيليات والطحالب، فتمضي في جوف الأرض حياة كاملة.
وهناك أيضا حيوانات أخرى كثيرة، من مجموعة الفقريات، تعيش في قلب التراب، وتعتبر نسبياً من عمالقة جوف الأرض. وخاصة القوارض وآكلات الحشرات ومن الضفدعيات التي يبدو جسمها شبيهاً بالحية كالضفدع الثعباني، ومن الزواحف كحيّة الرمال التي تعيش في المناطق الشديدة الحرارة.
وممّا يثير الدهشة والاستغراب أنّ بعض الطيور والأسماك تعيش، في طور من أطوار حياتها داخل التراب.
وهذه الحالة تنطبق على أنواع عدة تلجأ إلى جوف الأرض لتحتمي من الشتاء أو من الصيف وتعيش حياة بطيئة. ولا شكَّ في أنَّ الوسط الترابي يمتاز بالثبات أكثر من الوسط الخارجي المتقلب. وهذا يعدّ وضعاً مثالياً يسمح للحيوانات بالهرب من برد الشتاء القارس أو من حرّ الصيف الشديد.
هناك أنواع كثيرة من الحيوانات، ولا سيما الحشرات، تقضي فترة النمو والتطوّر داخل التراب، وعندما تبلغ مرحلة النضج تخرج إلى سطح الأرض. فالأوساط الجوفية غنية بالكهوف والمغاور الصغيرة، وفيها تعيش حيوانات لها خصائصها المميّزة.
إذن هناك حياة في باطن الأرض ولكلّ كائن نظامه الخاص به للحياة فيه وكذا الأموات في قبورهم فلهم حياة برزخية خاصة بهم.
ورحم الله جلّ في علاه صاحب متن الشيبانية إذ قال:
وَنُؤْمِنُ أَنَّ المَوْتَ حَقٌّ وَأّنَّنَا *** سَـنُـبْـعَـثُ حَـقًّـا بَـعْـدَ مَوْتَـتِـنَـا غَـدَا
وَأَنَّ عَذَابَ القَـبْـرِ حَقٌّ وَأَنَّهُ *** عَلَى الجِسْمِ وَالرُّوْحِ الّذِي فِيْهِ أُلْحِدَا
وَمُنْكَرُهُ ثُمَّ النَّكِـيْـرُ بِصُحْبَةٍ *** هُمَا يَسْأَلَانِ العَبْدَ فِي القَـبْـرِ مُـقْـعَـدَا
ولمزيد معرفة عن عالم البرزخ وأحوال الروح فيه أرجو مراجعة جواب السؤالين (637، 1832) في هذا الموقع المبارك.
والله جلّ جلاله أعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم على الحبيب المحبوب سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أتقياء القلوب.