2020-05-14
السؤال:
سيّدي حضرة الشيخ سعد الله حفظكم الله تعالى السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الله تعالى أنْ يمتعكم بالصحة والعافية، وأنْ ينفع بكم وبعلمكم.
ما معنى مصطلح (الوصول إلى الله سبحانه وتعالى)؟
جزاكم الله تعالى خيرا وفتح عليكم.
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
الاسم: أحمد
الرد:
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
وأشكرك على دعواتك المخلصة سائلا المولى القدير أنْ يكرمك بمثله وزيادة يحبّها لعباده الصالحين إنّه سبحانه أرحم الراحمين.
الوصول إلى الله جلّ جلاله وعمّ نواله، ليس المراد منه المعنى المفهوم بين النّاس لأنَّ الله تجلّت أسماؤه لا يُحيّزه زمان ولا يحيط به مكان، فكلّ ما يخطر في بالك فالله جلّ وعلا بخلاف ذلك، قال عزّ من قائل:-
{— لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].
وروى سيّدنا أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه وعنكم فقَالَ:-
(كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَجْهَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّهَا النَّاسُ ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، إِنَّكُمْ لَيْسَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا، وَهُوَ مَعَكُمْ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ جلاله وعمّ نواله.
إنّما الوصول هو معرفة الله عزّ وجلّ معرفة ذوقية والقرب منه بما يليق بجلاله سبحانه وفضله، قال عزّ شأنه:-
{وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة: 10، 11].
وقال جلّ ذكره:-
{كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19].
وقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ) الإمام أحمد رحمه الله عزّ وجلّ.
وحين قالَ سيّدنا ربيعةُ رضيَ اللهُ سبحانه عنهُ لسيّدنا رسولِ اللهِ صلّى الله تعالى عليهِ وآله وصحبه وسلم:-
(ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِيَ مَعَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ: إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ. قَالَ: أَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ) الإمام أبو نعيم رحمه الله الكريم جلّ وعلا.
وقال نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم فيما يرويه عن ربّه سبحانه:-
(قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: عَبْدِي عِنْدَ ظَنِّهِ بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ، ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ، ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَأَطْيَبَ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ ذِرَاعًا، تَقَرَّبْتُ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي، أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) الإمام أحمد رحمه الله جلّ وعلا.
وروي أنّ سيّدنا ذا النون المصري رحمه الله تعالى، دخل كهفا من الكهوف فرأى رجلًا أبيضَ الرأس واللحية، أشعث أغبر نحيفًا، كأنَّما نشر من قبر، وهو قائمٌ يصلِّي، فلمَّا سلَّم من صلاته سلَّم عليه، فردَّ السلام، ثمَّ عاد إلى صلاته، فما زال يصلّي إلى العصر، ثمّ استندَ إلى حَجر هناك مقابل المحراب يسبِّح، فقال له: رحمك الله، ادع لي دعوة، فقال: آنسك الله بقربه، ثمّ سكت، فقلت: زدني، فقال: من آنسَه الله بقربه أعطاه أربع خصال: عزًّا في غير عشيرة، وعلمًا من غير طلب، وغنًى من غير مال، وأُنسًا من غير جماعة. مرآة الزمان في تواريخ الأعيان (12/284).
ولا يحصل هذا التقرّب إلاّ بعد أداء الفرائض، والاجتهاد في نوافل الطاعات، وذلك هو الفرار الحقيقي إلى الله جلّ في علاه كما في قوله سبحانه على لسان رسوله صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:-
{فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الذاريات/50].
وقد قَالَ سيّد السادات عليه وآله وصحبه أتمّ التسليم وأفضل الصلوات:-
(إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ) الإمام البخاري رحمه الباري تقدّس اسمه.
نقل الحافظ ابن حجر رحمه الله جلّ شأنه في الفتح ما نصّه:-
(قَالَ الطُّوفِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي السُّلُوكِ إِلَى اللَّهِ وَالْوُصُولِ إِلَى مَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَطَرِيقِهِ إِذِ الْمُفْتَرَضَاتُ الْبَاطِنَةُ وَهِيَ الْإِيمَانُ وَالظَّاهِرَةُ وَهِيَ الْإِسْلَامُ وَالْمُرَكَّبُ مِنْهُمَا وَهُوَ الْإِحْسَانُ فِيهِمَا كَمَا تَضَمَّنَهُ حَدِيثُ جِبْرِيلَ وَالْإِحْسَانُ يَتَضَمَّنُ مَقَامَاتِ السَّالِكِينَ مِنَ الزُّهْدِ وَالْإِخْلَاصِ وَالْمُرَاقَبَةِ وَغَيْرِهَا) فتح الباري (11/345).
ورحم الله تعالى القائل:
سَعِدَ الَّذِينَ تَجَنَّبُوا سُبُلَ الرَّدَى *** وَتَيَمَّمُوا لِمَنَاِزِل الرِّضْوانِ
فَهُمُ الَّذِينَ أَخْلَصُوا فِي مَشْيِهِمْ *** مُتَشَرِّعِينَ بِشِرْعَةِ الإيمَانِ
وَهُمُ الَّذِينَ بَنَوْا مَنَازِلَ سَيْرِهِمْ *** بَيْنَ الرَّجَا والْخَوْفِ لِلدَيَّانِ
وَهُمُ الَّذِينَ مَلا الإلَهُ قُلُوبَهُمْ *** بِوِدَادِهِ وَمَحَبَّةِ الرَّحْمَانِ
وَهُمُ الَّذِينَ أَكْثَرُوا مِنْ ذِكْرِهِ *** فِي السِّرِ وَالإِعْلاَنِ وَالأَحْيَانِ
يَتَقَرَّبُونَ إِلَى الْمَلِيكِ بِفِعْلِهِمْ *** طَاعَاتِهِ وَالتَّرْكِ لِلْعِصْيَانِ
فِعْلُ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ دَأْبُهُمْ *** مَعَ رُؤْيَةِ التَّقْصِيرِ وَالنُّقْصَان
صَبَّرُوا النُّفُوسَ عَلَى الْمَكَارِهِ كُلِّهَا *** شَوْقاً إِلَى مَا فِيهِ مِنْ إِحْسَانِ
نَزَلُوا بِمَنْزِلَةِ الرِّضَى فَهُمْ بِهَا *** قَدْ أَصْبَحُوا فِي جُنَّةِ وَأَمَانِ
وهذا لا يتحقق إلاّ بمجاهدة العبد لنفسه في مراتب التقوى حتى يتدرج فيرتقي شيئا فشيئا ليصل بإذن الله عزّ وجلّ وفضله إلى مقام الإحسان، قال الحقّ جلّ جلاله:-
{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].
وقال الحبيب المحبوب صلى الله تعالى وسلم عليه وآله وصحبه أتقياء القلوب:-
(الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ لِلَّهِ، أَوْ قَالَ: فِي اللَّهِ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ ذكره.
ورحم الله جلّ وعلا القائل:
واتَّـقِ اللهَ فَـتَـقْــوَى اللهِ مَـا *** جاورتْ قَلبَ امرئٍ إلا وَصَلْ
لَيسَ منْ يَقطعُ طُرقاً بَطلاً *** إِنَّـمَـا مَـنْ يَـتَّــقِــي اللهَ البَـطَـلْ
ومقام الإحسان لا حدَّ لمراتبه، ولهذا فلا يمكن لأحد أنْ يجزم بوصوله إلى الله جلّ وعلا، يقول مولانا سبحانه:-
{هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [آل عمران عليهم السلام: 163].
فإذا كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على درجات عند ربّهم تعالى وتقدّس فما بالك بعموم المسلمين؟! قال سبحانه:-
{انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا} [الإسراء: 21].
وفي سورة الواقعة بيّن الحقّ جلّ وعلا أنّ من عباده: السابقين، وأصحاب اليمين فقال:-
{فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ * وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ * وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} [الواقعة: 8 – 11].
والسير إلى الله تعالى مأمور به في الكتاب العزيز والسنّة المطهّرة، فهو سلوك صراطه المستقيم، الذي بعث به رسوله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين، وأنزل به كتابه، وأمر الخلق كلّهم بسلوكه والمضيّ فيه، قال عزّ من قائل:-
{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].
وقال جلّ وعلا:-
{إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} [المزمل: 19].
وقال جلّ جلاله وعمّ نواله:-
{يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} [الانشقاق: 6].
والكَدْحُ هو السير زحفاً، وقال سيّدنا إبراهيم عليه السلام، لمّا اعتزل قومه وسار إلى ربّه سبحانه:-
{وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات: 99].
وقول سيّدنا موسى عليه السلام بما أخبر به القرآن العظيم:-
{—- وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: 84].
ولمزيد فائدة أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (330، 555) في هذا الموقع الكريم.
وعليه فإنَّ طالب الوصول إلى الله تعالى والدار الآخرة يحتاج أنْ يكون عارفًا بوسائله، بصيرا بمعوّقاته، ذلك أنَّ السائر إلى الله عزّ وجلّ لا ينقطع سيره إليه ما دام في قيد الحياة.
فالطريق إلى الله سبحانه واحد لا اعوجاج فيه ولا انحراف، بيّنه الشرع الشريف فقال الله جلّ شأنه:-
{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6].
وقال سيّدنا عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه:-
(خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا فَقَالَ: هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ فَقَالَ: هَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ، ثُمَّ تَلَا: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا}) الإمام أبو داود رحمه المعبود جلّ اسمه.
فالسير إلى الله تعالى والوصول إليه، هو أنْ يتوجّه الإنسان طائعاً مختاراً إلى الله جلّ وعلا محبًّا له، مستقيمًا على شرعه موافقا للكتاب الكريم، والسنّة الشريفة، وهدي الشريعة الغرّاء، في صحبة خبير عالم بالطريق ومسالكه، ممّنْ ينطبق عليه قوله عزّ وجلّ:-
{الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} [الفرقان: 59].
وذلك من أجل تزكية النفوس وتطهيرها من علائق الدنيا ومداخل الشيطان والوصول إلى رضا الرحيم الرحمن، وهنا أرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (599، 1654، 203) في هذا الموقع المبارك- قسم الذكر والتزكية والسلوك.
وكذلك المحاضرة التي بعنوان (بركة صحبة المرشد)
وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا.
والله تبارك اسمه أعلم.