2020-07-10
السؤال:
السلام عليكم سيّدي الفاضل، هنالك سؤال يدور في ذهني وكنت لا أستطيع سؤال حضرتكم حياءً منكم وإجلالا لكم وليس لدي أدنى شك في نسبكم العلمي إلى حضرة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، ولكن من باب التسلّح بالإجابة لمَنْ يسأل هذا السؤال وهو:-
1- متى بدأت كتابة (تدوين) سلسلة الإجازة الروحية والعلمية، هل من زمن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أم بعده؟ ومن أي زمن بالتحديد؟ ولماذا؟
2- إذا كانت الإجازة مدونة لحد زمن ما فما هو الإثبات بالانتساب إلى حضرة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
سيّدي الفاضل سؤالي من باب الاطمئنان وذلك استئناسا بنبيّ الله سيّدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام حينما سأل الباري عزّ وجلّ عن كيف يحيي الله الموتى، وكان سؤاله من باب الاطمئنان.
نفع الله بكم الإسلام والمسلمين، وجعلنا الله من أصحاب الجنة برفقة سيّدي ومولاي النبيّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم.
الاسم: أبو سيف
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
جزاك الله جلّ وعلا خيرا على تواصلكم الطيّب مع هذا الموقع المبارك، ودعواتكم الصادقة، وأسأل الله جلّ جلاله أنْ يرزقنا وإيّاكم التصديق والتطبيق والتحقيق إنّه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.
قبل البدء في الجواب عن سؤال جنابك الكريم ينبغي معرفة بعض المعالم الشريفة حول الإجازة الروحية والعلمية، وأرجو لذلك مراجعة جواب السؤال المرقم (2328) في هذا الموقع الكريم.
وللجواب عن السؤال أضع أمام أنظاركم الكريمة المحاور الآتية:-
1- ينبغي أنْ نفهم طبيعة العصور القديمة ومدى توفر الوسائل التقنية فيها قياسًا للعصور المتأخرة، فقد كانت تلك العصور بدائية نوعًا ما وتفتقد إلى أبسط الوسائل في المجالات كافّة، ومنها ما يتعلّق بالكتابة والتدوين، فقد كانت العلوم تُكتسب من أهلها مشافهة، ولكنّها دوّنت بعد ذلك لدواعي الحاجة لحفظها وعدم ضياعها أو تحريفها، ومثل ذلك جاءت الضرورة لكتابة وتدوين الإجازات الروحية والعلمية حفاظاً عليها من الضياع والادعاء.
2- ثبت في السُنّة الشريفة أنّه في صدر الإسلام لم تُبَح الكتابة سوى للقرآن الكريم، بل منع حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم كتابة الحديث الشريف مع العلم أنّه أصلٌ من أصول الدِّين كما هو معلوم؛ وعمدة هذا النهي قول سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(لَا تَكْتُبُوا عَنِّي، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ —) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
ولا يخالف أحد من المؤرخين وأهل العلم في أنّ السُنّة المطهّرة لم تدوّن في دواوين خاصّة في حياة حضرة خاتم النبيّين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين، ولا حتى في عهد الصحابة وكبار التابعين رضي الله تعالى عنهم وعنكم، وإنّما بدأ هذا التدوين بمعناه الصحيح في عهد الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه وعنكم، الذي أمر بجمع سُنّة سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم، وكلّف بذلك أهل العلم والثقة والإتقان كالإمام الزُّهْري المتوفى عام (124) للهجرة المشرّفة رحمه الله سبحانه.
3- وفقًا لطبيعة تلك المرحلة كانت الإجازات تؤخذ إذنًا وسماعًا ومشافهةً وتلقّيًا من الشيخ المُجيز إلى المجاز، أو إشهارًا بين الملأ، وهكذا كلّما اتسعت رقعة دار الإسلام وتعدّدت الشعوب الداخلة إليه فأهل العلم في ذلك الزمان كانوا يرتأون صيغة معيّنة أو أسلوبًا معيّنًا في تثبيت هذه الأسس والحقوق.
4- لقد كانت الإجازة العلمية تُسجَّل في وثيقة من الرقّ أو الكاغد “الورق”، أو في الكُتُب التي درسها الطالب بخطِّ الأستاذ نفسه، ومن أمثلة هذه الإجازات ما ذكره الإمام ابن الفرضي من أنَّ يوسف بن محمد بن سليمان الهمذاني الذي رحل إلى المشرق عشر سنوات وسمع من الكثيرين أجاز له جميع ما رواه، وتُوفِّي سنة (383 هـ) رحمهم الله عزّ وجلّ.
ولم تكن هذه الإجازات مقصورة على الرجال فقط بل نالتها بعض النساء أيضًا؛ فقد ذكر الإمام الضبي أنَّ أبا عمرو الداني المقرئ المعروف بابن الصيرفي (ت 444 هـ)، وقرأت عليه امرأةً تُدعى (ريحانة)، وكانت تقعد خلف سترٍ فتقرأ، عليهم الرحمة والرضوان.
5- إنّ دين الإسلام قائم على الثقة والمحافظة على الأمانة؛ فالشيخ المُجيز مؤتمن على مراتب الإجازة وأنواعها، والشيخ المُجاز مؤتمن عليها أيضًا، ومن صور الإجازة المكتوبة في الإفتاء والتدريس، تلك التي نقلها القلقشندي (ت 821 هـ) موقَّعةً من شيخه ابن الملقن، رحمهما الله تعالى، وفيها:-
(أذن وأجاز لفلان المسمّى فيه، أدام الله تعالى معاليه، أنْ يدرّس مذهب الإمام الشافعيّ، وأنْ يقرأ ما شاء من الكتب المصنّفة فيه، وأنْ يفيد ذلك لطالبيه، حيث حلّ وأقام، كيف ما شاء متى شاء وأين شاء، وأنْ يفتي مَنْ قصد استفتاءه خطّا ولفظا، على مقتضى مذهبه الشريف المشار إليه، لعلمه وديانته وأمانته، ومعرفته ودرايته، وأهليّته لذلك وكفايته. فليتلقّ -أيّده الله تعالى- هذه الحلّة الشريفة، وليترقّ بفضل الله تعالى ذروة هذه المرتبة المنيفة، وليعلم قدر ما أنعم الله تعالى عليه، وأسدى من الإحسان الوافر إليه، وليراقبه مراقبة مَنْ يعلم اطّلاعه على خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وليعامله معاملة مَنْ يتحقّق أنّه يعلم ما يخفيه العبد وما يبديه في الورود والصّدور، ولا يستنكف أنْ يقول فيما لا يعلم: لا أعلم) صبح الأعشى (14/367).
فانظر يا رعاكَ اللهُ سبحانه كيف أصبحت الإجازة ههنا شهادة مرسومة تأذن لحاملها بالتدريس العام والإفتاء.
6- وبالمقابل فقد كان هناك مَنْ يقوم بتحريف وتزييف هذه الإجازات طمعًا في المكانة والمناصب، وللحصول على المكاسب المادِّيَّة، مثل ما يحدث اليوم من شراء للشهادات العلميَّة.
ولذلك فقد وضع الشيخ أبو العباس العمري وليد بن بكر بن مخلد (392 هـ) رحمه الله جلّ وعلا كتابًا سمَّاه (الوجازة)، يحتجُّ على بعض الإجازات العلمية فيه، ويرى أنَّها غير موثوقٍ بها، وأنَّ الزيف قد شابها.
7- لقد استثمر علماء الإسلام رضي الله تعالى عنهم وعنكم في العصر الحديث التقنيات والوسائل الجديدة لتثبيت وإعلان الإجازات وإشهارها بالكتابة والاحتفالات الجماهيرية للاحتفاء بهذا الحدث المبارك في المساجد، وتعظيمه باستقبال العلماء وطلبة العلم وإطعام الطعام وتوزيع الحلوى فرحًا برسوخ العلوم الشرعية واستبشارًا بولادة عالم جديد في الأمّة المحمدية المباركة صلّى الله تعالى وسلّم وبارك على معدن النور والعلم فيها سيّدنا محمّد وآله وصحبه الأفاضل.
8- لقد كان أكثر فرح الأمّة بهذه الأسانيد وبهذه الإجازات من باب إسقاط الفرض؛ لأنّ وجود المرشد المربي، والعالم في الأمّة فرضٌ كفائي، فاذا اجتهد أحدهم وتعب للحصول على الإجازة العلمية المباركة، واستمرّ مجاهدا نفسه حتى حصل بعدها (الإجازة العلمية) على إجازة الإرشاد الميمونة، فالأمّة تفرح لسقوط الإثم عنها لوجود هذا المرشد أو العالم الذي قام به الفرض الكفائي.
أسأل اللهَ العظيم ربّ العرش العظيم أنْ يبارك لهذه الأمّة بمرشديها وعلمائها ويُكثر أعدادهم ويزيد في إمدادهم إنّه ولي ذلك والقادر عليه.
والله تبارك اسمه أحكم وأعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والمجد.