31-8-2020
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته شيخنا الفاضل نسأل الله عزّ وجلّ أنْ يحفظكم وينفع بكم البلاد والعباد. سيّدي أقاربي حصل معهم خلاف مع زوجة ابنهم وحصل الطلاق بينهم بعد مشاكل كثيرة. بعد فترة قصيرة من الزمن ابنهم أخو المطلِّق تمرّض جدًّا ذهبوا إلى عدة دكاترة كبار والتحاليل والسونارات نظيفة وحار معه الأطباء. يسترجع الأكل والشرب ولا يقدر على المشي وألم في رأسه وعيونه قلّ نظرهنّ وصارت عنده حالة يهز رأسه. راجعوا مرقين والكلّ أجمعوا على إنّه سحر والعياذ بالله لكنّه لا يستجيب للرقية، صار ٣ سنوات على هذا المرض، وكل ّيوم يزداد أكثر، سيّدي ما هو توجيه حضرتكم لحالته؟ كلنا أمل برب العالمين وثمّ حضرتكم لأنّ حالة أهله يرثى لها، سيدي ما هو الحكم إذا ذهبوا إلى ساحر؟ وهل يجوز ترك ابنهم يموت أمام أنظارهم؟ أفيدونا جزاكم الله تعالى خير الجزاء وعذرا على الإطالة.
أسأل الله سبحانه وتعالى أنْ يشفي جميع مرضى المسلمين بجاه سيّد الأولين والآخرين سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
من: سائلة
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
حيّاكم الله جلّ جلاله، وبارك لكم مروركم الكريم على هذا الموقع المنور، وأسأله عزّ شأنه أنْ يمدّكم من نوره وعلومه الشريفة بما يُصلح شأنكم في الدنيا والآخرة، وجزاكم خيرا على دعواتكم الطيّبة لمرضى المسلمين، وخادمكم يدعو بالعافية للناس أجمعين.
قبل الشروع بالإجابة عمّا يخص المريض عافاه الله تعالى ينبغي أنْ نُسلّط الضوء على حالة الطلاق التي حدثت؛ فلربما حصل فيها ظلم، وهذا واقع معظم المشاكل مع الأسف، فإذا كان الزوج هو الذي أوقع الطلاق ظلماً فقد عَرّضَ نفسه لنقمة الله جلّ وعلا وغضبه -عياذًا بالله سبحانه- القائل في محكم كتابه العزيز:-
{وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [سورة الأنفال: 25].
فينبغي للزوج أنْ يُراجع نفسه في هذا الطلاق بكلّ تجرّد ومصداقية، ويسأل: هل كان فيه على حقّ أم على باطل، فإنْ كان على حقّ فذلك خير، وإنْ كان على باطل فيجب عليه أنْ يبذل جهده ويُحاول تصحيح الأمور وإعادتها إلى نصابها، ورفع المظلمة وإزالة الضرر تفاعلًا مع قول الله تباركت أسماؤه:-
{فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة المائدة: 39].
وقد يكون الظلم واقعًا بعد الطلاق من حيث هضم الحقوق والتقصير في الواجبات التي تستحقها المرأة، فكثيرًا ما يقع الظلم عليها، فلا تُحصّل حقوقها، وهذا مخالف لهدايات التوجيه الرباني في قوله جلّ شأنه:-
{وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [سورة البقرة: 231].
وعلى وفق ما تقدّم ينبغي للطرفين -الرجل والمرأة- مراجعة النفس فإنْ كان هناك من سبيلٍ للعودة والصلح فهذا أفضل كما قال الحق جلّ وعلا:-
{— فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ —} [سورة النساء: 128].
أمّا ما يخصّ حالة المريض -شافاه الله سبحانه- فأقول وبالله جلّ جلاله التوفيق:-
لا يمكن إرجاع كلّ ما يلاقيه الإنسان إلى السحر، فكلّ إنسان معرّض للابتلاء بنسبة معقولة، بل هو من سُنن الله تبارك اسمه الذي قال في محكم كتابه العزيز:-
{— وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [سورة الأنبياء عليهم السلام: 35].
ولقد أسهبت في الإجابة عن موضوع الرقية الشرعية والسحر فأرجو مراجعة أجوبة الأسئلة المرقمة (1077، 1096، 2450) في هذا الموقع المبارك.
وممّا يُؤسف له كثرة المتصدرين للرقية الشرعية من غير علمٍ وإذْنٍ، وهم بذلك يُضللون النّاس ويستغلون حاجتهم ويبثّون في روعهم الخوف من عالم الجنّ والسحر الذي قال الله سبحانه فيه:-
{وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [سورة البقرة: 102].
فالذي أنصح به الآتي:-
1- التوكل على الله جلّ وعلا حقّ توكله، قال سبحانه:-
{— وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} [سورة سيّدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام: 11 – 12].
وعدم اليأس من الشفاء؛ فشفاء هذا المريض وغيره ممّا لا يُعجز الله جلّت قدرته -حاشاه- بل سبحانه على كلّ شيء قدير، وبالإجابة جدير لمَنْ دعاه بصدق ويقين، قال عزّ من قائل على لسان سيّدنا إبراهيم عليه الصلاة والتسليم:-
{وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} [سورة الشعراء: 80].
وبهذا ينبغي أنْ يتحلّى الأهل بالأمل والتفاؤل والطاقة الإيجابية التي ستنعكس على المريض، قال تعالى:-
{— وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [سورة سيّدنا يوسف عليه السلام: 87].
وبعكسه فالتشاؤم والضجر يزيد المريض انتكاسًا حتى يتمنّى الموت كي لا يرى علامات الحزن والضجر على وجوه أهله وأحبّائه.
2- مواصلة عرضه على الأطباء، فالعلم في تطوّر، وقد يكتب الله تعالى له الشفاء على يد أحدهم، وفوق كلّ ذي علم عليم، فابحثوا عن الطبيب الحاذق، ويا حبذا التواصل مع الأطباء داخل وخارج البلاد، قال نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً، إِلَّا قَدْ أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ) الإمام أحمد رحمه الفرد الصمد جلّ جلاله.
3- لا بأس بالرقية الشرعية، وأرجو لذلك مراجعة جواب السؤال المرقم (279) في هذا الموقع الكريم.
والأصل فيها أنْ يُرقي المسلم نفسه فإنْ لم يستطع فلا بأس أنْ يُرقيه والده أو أحد أفراد أسرته ومحبيه، وإذا تيسّر له مَنْ يُرقيه ممّن يمتلكون الإذن بالرقية الشرعية، وقد عُرف عنه الصلاح والتقوى فهذا ممّا أرجو أنْ يكون نافعاً بإذن الله تقدّست أسماؤه.
4- دوام إخراج الصدقة بنيّة الشفاء، تبركاً وتمسّكًا بهدايات قول الرحمة المهداة صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(دَاوُوْا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ، وَحَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكَاةِ، وَأَعِدُّوْا لِلْبَلَاءِ الدُّعَاءَ) الإمام البيهقي رحمه الله تعالى الولي.
5- لا يجوز الذهاب للساحر أبدًا فهذا من أشدّ المنكرات والمحرمات في شريعة الإسلام، وقد ذكرت هذا الجواب في الأسئلة التي أحلتُ جنابك عليها، كما لا ينبغي الجزم بالاعتقاد بأنّ المريض مسحور اعتمادًا على قول الرقاة؛ لأنّ أغلبهم مع الأسف يقول بذلك مع أيّ عارض، كما لا ينبغي ربط طلاق الأخ بمرض أخيه، فهذا من الظنّ المنهيّ عنه والذي يتبعه القيل والقال والغيبة المنكرة؛ قال الحق جلّ جلاله:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [سورة الحجرات: 12].
6- بالطبع لا يجوز ولا ينبغي لأي مسلم أنْ يرى شخصًا يموت أمامه ثمّ هو لا يبذل جهده لإنقاذه، وهذا ما ينبغي لأهل المريض أنْ يفعلوه ولا يتوقفوا عن ذلك إلى أنْ يمنّ الله تعالى عليه بالشفاء وهو أرحم الراحمين؛ ولذا فقد أوصيتُ بكلّ ما سبق، ولا ندري بأيّ سبب سيجعل الله جلّ وعلا فيه الشفاء، فلربّما حصل بدعوة صادقة، أو صدقة خفيّة، أو رُقية مباركة، أو مراجعة طبيب حاذق.
7- ومن أعظم أسباب الشفاء والفرج مراجعة السادة المرشدين رضي الله تعالى عنهم وعنكم؛ فهم الأبواب المُشرعة إلى قلب الرحمة المهداة سيّدنا وحبيبنا محمد عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام، وإنْ كان الدعاء لجميع المسلمين من بعض وظائفهم المباركة، وإنّ خادمكم لا ينفك داعيًا للبشرية جميعًا، وللمسلمين خاصّة، وللسالكين على نحو أخصّ، وسأدعو بمزيد من الخصوصية والعناية لهذا المريض وعائلته ولجميع المرضى عسى أنْ يتجلّى الله جلّ في علاه عليه وعليهم بالشفاء العاجل إنّه أرحم الراحمين.
والله سبحانه أحكم وأعلم.
وصلّى الله تعالى وسلّم وبارك على سيّدنا وحبيبنا محمّد، وعلى آله وصحبه والمهتدين بهديه إلى يوم الدين.