11-9-2020

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

قبل السؤال أتوجّه إلى الباري سبحانه أنْ يجعل عملكم هذا في موازين أعمالكم وأن يجزيكم الجزاء الأوفى بما تقدمونه من فتاوى وتوجيهات تنفعون بها المسلمين خاصة وعامة الناس من خلال موقعكم المبارك بكم وبالعاملين عليه.

سؤالي عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كالواتساب وغيره في المكالمات ولفترة طويلة دون أنْ يبالي المتصل ظرف المقابل ممّا يسبب ضياعا في الوقت وتأخيرا عن ارتباطات أخرى أو يسبب مشاكل عائلية وغيرها لذا أرجو من خلال موقعكم بيان حكم ذلك شرعا مع توجيه في ذلك وجزاكم الله تعالى خيرا.

 

الاسم: مسلم

 

الرد:

وعليكمُ السلامُ ورحمةُ اللهِ تعالى وبركاتهُ.

أشكركَ على تواصُلِكَ، ودعائك الطيّبِ.

وأسألُ اللهَ جلّ في علاه أنْ يزيدَكَ والمسلمينَ حِرصًا على ابتغاء مرضاته.

التواصل من متطلبات الفطرة الإنسانية وله أحكام وآداب، فهو وسيلة من وسائل التعارف التي أرشد إليها الحقّ سبحانه في كتابه العزيز إذ قال:-

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [سورة الحجرات: 13]

لكن يجب أنْ يستثمر هذا التعارف والتواصل وفق ما شرع الله جلّ في علاه حتى تتحقق الفائدة منه، فينبغي مراعاة ما يلي:-

1- الاستئذان: قال الرحيم الرحمن جلّ جلاله وعمّ نواله:-

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَاللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [سورة النور: 27 – 28].

ذكر الحافظ ابنُ كثيرٍ رحمهُ اللهُ سبحانه لقوله عزّ وجلّ {حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ}:-

(هوَ الاسْتِئْذَانُ ثَلَاثًا، فَمَنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ مِنْهُمْ فَلْيَرْجِعْ، أَمَّا الأُوْلَى فَلِيُسْمِعَ الحَيَّ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَلِيَأْخُذُوْا حِذْرَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَإِنْ شَاؤُوْا أَذِنُوا، وَإِنْ شَاؤُوْا رَدُّوْا، وَلَا تَقِفَنَّ عَلَى بَابِ قَوْمٍ رَدُّوْكَ عَنْ بَابِهِمْ، فَإِنَّ لِلْنَّاسِ حَاجَاتٍ وَلَهُمْ أَشْغَالٌ، وَاللهُ أَوْلَى بِالعُذْرِ) تفسير القرآن العظيم (6/37).

 

2- مراعاة الظرف عند الاتصال: فقد يكون مشغولا بأداء عملٍ، أو خدمة ورعاية أهل بيته، أو أي شيء آخر، قال سيّد الأبرار عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الأطهار:-

(إِنِّي لَأَدْخُلُ فِي الصَّلاَةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلاَتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.

فتأمّلوا -يا رعاكم الله جلّ في علاه- كيف راعى حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم ظرف وحال تلك الأمّ وولدها وهو في الصلاة، فمراعاة ذلك في غيرها من باب أولى.

 

3- اختيار الوقت المناسب للاتصال في ليل أو نهار، لئلا يوقع الناس في الحرج، أو يشعرهم بالخوف والفزع، وقد نهينا عن ذلك كله، قال الحقّ تبارك اسمه:-

{— مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [سورة المائدة: 6].

وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى رَحِمَهُ اللهُ جَلَّ وَعَلَا قَالَ:-

(حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى حَبْلٍ مَعَهُ فَأَخَذَهُ، فَفَزِعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًاالإمام أبو داود رحمه المعبود جلّ جلاله.

 

4- عدم إطالة المكالمة: لأنّ ذلك يؤدّي إلى الملل للسامع، ويفتح شهوة الكلام عند المتحدّث، وقد حذّر نبيّنا الأكرم صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه من ذلك فقال:-

(لَا تُكْثِرُوا الكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّ كَثْرَةَ الكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ، وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ القَلْبُ القَاسِيالإمام الترمذي رحمه الله سبحانه.

وقال:-

(— وإنَّ أحدَكمْ لَيتكلَّمُ بالكلمةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ ما يظُنُّ أنْ تبلُغَ ما بلَغَتْ فيكتُبُ اللهُ لهُ بها سخَطَهُ إلى يومِ القيامةِ) الإمام ابن حبان رحمه الله تعالى.

 

5- عدم الإكثار من الاتصال، لأنّ ذلك يولّد النفرة والجفوة، وقد روي عن حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم أنّه قال:-

(زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا) الإمام الطبراني رحمه الله جلّ ذكره.

أي لا تكثر من الزيارة فتملّ، وأقلل حتّى تُحَبّ، وَصَدَقَ مَنْ قَالَ:

عَلَيْكَ بِإِغْـبَـابِ الزِّيَارَةِ إنَّهَا *** إِذَا كَثُرَتْ كَانَتْ إِلَى الْهَجْرِ مَسْلَكَا

أَلَمْ تَرَ أَنَّ القَطْرَ يُسْأمُ دَائِمًا ***وَيُـسْـأَلُ بِـالأَيْـدِي إِذَا هُـوَ أمْـ سَـكَـا

ولمعرفة المزيد عن هذا الموضوع أرجو مراجعة المشاركة المرقمة (309) في هذا الموقع الميمون.

والله جلّت قدرته أعلم.

وصلّى وسلّم على حضرة النبيّ المكرّم، والرسول المعظّم، والحبيب المفخّم، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أهل الجود والكرم.