2020-11-07
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأل الله العلي العظيم أنْ يحفظكم ويرعاكم من كلّ سوء. عذرًا سيّدي كما يعلم جنابكم بخصوص موضوع الردّ على الإساءة لحضرة سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وصحبه وسلّم وذلك المطالبة بمقاطعة المنتجات الفرنسية، فكيف يكون ذلك هل يقاطع النّاس المنتجات التي أصبحت ملكا للمسلمين في محالهم التجارية أم ماذا؟
وجزاكم الله تبارك وتعالى خيرا.
 
من: محمد
 
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكركم كثيرا على تواصلكم العطر مع هذا الموقع الكريم، وعلى دعواتك الطيّبة، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يوفقكم لما يحبّ ويرضى إنّه سبحانه سميع مجيب، وبعد:-
في البدء ينبغي التأكيد بأنّ الشرع الإسلامي الحنيف يدعو لإقامة دار الإسلام لتكون للأمّة المنعة والعزة والاستقلالية التامّة.
وأرجو لمزيد بيان مراجعة كتاب معالم الطريق في عمل الروح الإسلامي لسيّدي حضرة الشيخ الدكتور عبد الله مصطفى الهرشمي طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه، الصفحة (35) وما بعدها.
ومن صور الاستقلال: الاستقلال الاقتصادي؛ فالمال عصبُ الحياة ولونٌ من ألوان القوّة التي جاء ذكرها في القرآن الكريم على نحو عام في قول الله عزّ وجلّ:-
{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [سورة الأنفال: 60].
ولمّا قدم حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم المدينة وجد اليهود قد سيطروا على سوقها فأنشأ للمسلمين سوقًا خاصّة تضبطه هدايات الشرع الشريف، ولتكون محورا لنمو الاقتصاد الذي ينفع المسلمين وبلادهم.
فعن سيّدنا أبي أسيد رضي الله تعالى عنه:-
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ذَهَبَ إِلَى سُوقِ النَّبِيطِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا لَكُمْ بِسُوقٍ، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى سُوقٍ فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا لَكُمْ بِسُوقٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى هَذَا السُّوقِ فَطَافَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا سُوقُكُمْ، فَلَا يُنْتَقَصَنَّ، وَلَا يُضْرَبَنَّ عَلَيْهِ خَرَاجٌ) الإمام ابن ماجه رحمه الله سبحانه.
إنّ شريعتنا الغرّاء في الأصل أباحت التعامل مع الكفّار في الظروف الطبيعية، وفيما أحلّه الله جلّ وعلا، أمّا في حالة الحرب والمعاداة التي تكون في صور متعدّدة، منها ما ذكره القرآن الكريم بقوله عزّ شأنه:-
{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [سورة النساء: 140].
وقوله جلّ جلاله وعمّ نواله:-
{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [سورة الأنعام: 68].
فالإعراض الوارد في الآيتين الكريمتين له صور عدّة، منها الإعراض والمقاطعة الاقتصادية.
وعليه فالمقاطعة الاقتِصاديَّة لِمَنْ يُسيءُ للإسلام ولسيّدنا الرَّسول صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم مشروعة، وقد تكون واجبةً، إذا كانت سببًا لكسْر شوكتِهم، ومنع تطاولهم؛ لأنَّ ما لا يتمُّ الواجِب إلاَّ به فهو واجب، كما هو مقرَّر شرعًا.
ومن أدلَّة المقاطعة الاقتِصاديَّة: ما جاء في الصحيح، أنّ سيّدنا ثمامة بن أثال رضي الله تعالى عنْه لمّا أسلم:-
(بَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: صَبَوْتَ؟ قَالَ: لاَ، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلاَ وَاللَّهِ، لاَ يَأْتِيكُمْ مِنَ اليَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ، حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
الإمام البخاري رحمه الباري جلّ وعلا.
ولا يخفى أنّ من أسباب تطاوُل الأصاغِر من المشركين على سيّد الأوَّلين والآخِرين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الطيبين الطاهرين، هو ضعفُ المسلمين وتفرُّقهم وترْكُهم العَمَلَ بِمُوجِب الكِتاب والسُّنَّة الشريفين، وترْكُهم الجهادَ في سبيلِ اللَّه جلّت قدرته؛ فإنَّه لا بُدَّ للحقّ من قوَّة تَحميه، ولذلك أمر الله عزّ وجلّ بإعداد ما يمكن من قوّة كما في الآية التي تصدّرت هذا الجواب المبارك.
وإنّ من أهم موجبات الكتاب العزيز والسُنّة المطهّرة هو التربية الروحية التي هي من أفضل أنواع الجهاد والقوّة التي ينبغي استنهاضها في أمّة الإسلام في عصرنا الحالي.
والحقيقة أنّ مقومات الاستقلال والنهضة والقوّة إنّما غابت في أمّة المسلمين اليوم لغياب التربية الروحانية المباركة التي بوجودها تأبى نفوس أصحابها الكفر والذلة والهوان؛ فينبغي المجاهدة في إيجادها وجعلها ثقافة عامّة بين المسلمين بل العالمين جميعًا.
(فتزكية النفس، وتجلية القلب، والتوجّه صوب مرتبة الإحسان – كلُّ أولئك تربية روحانية صِرف – تترسخ العقيدة، وتتعالى الهمم، وتنشأ أجيال كجيل المؤمنين العظام أصحاب رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وأصحابه.
أمّا إذا ضعفت هذه التربية أو فُقدت فسترى مسلمين ضعفاء متشرذمين عائشين في أوطانهم معايش الذلّ، وفيهم مَنْ ينشّأ في الحِلية لكنّه في خصام الحضارات غير مُبين، فإذا تأمّلت ما ذكرته علِمتَ أنّ جهاد النفس والقلب والروح هو الصرح والأساس المتين لسائر أنواع الجهاد) معالم الطريق في عمل الروح الإسلامي لحضرة الشيخ الدكتور عبد الله مصطفى الهرشمي طيب الله تعالى روحه وذكره وثراه ص174 – 175.
ولمزيد اطلاع وفائدة ارجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1154) في هذا الموقع الميمون.
أمّا كون البضاعة الموجودة في المحلات والأسواق قد تمّ شراؤها وأصبحت ملكًا للمسلمين، فالتاجر المسلم بالخيار بين قولين:-
الأوّل:- إنْ شاء أخذ بباب العزيمة وحجب تلك البضائع عن الناس تماشيًا مع الجماعة وإظهارًا للمقاطعة، فقد قال نبيّنا الأكرم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(يَدُ اللَّهِ مَعَ الجَمَاعَةِ) الإمام الترمذي رحمه الله سبحانه.
وقال:-
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي – أَوْ قَالَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – عَلَى ضَلَالَةٍ، وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ إِلَى النَّارِ) الإمام الترمذي رحمه الله عزّ وجلّ.
فهذا من باب النصرة لله تعالى ورسوله الكريم عليه وآله وصحبه الصلاة والتسليم؛ قال الله جلّ في علاه:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [سورة سيّدنا محمد عليه الصلاة والسلام: 7].
فعسى الله تعالى أنْ يعوّضه خيرًا، ويبارك في رزقه وعمله.
وله أنْ يعود لبيع تلك البضائع إذا تمّ الاعتذار والتراجع عن تلك الإساءات إنْ كانت صلاحية بيعها ما زالت في حدودها المسموحة.
الثاني:- ترك الأخذ بالعزيمة والتمسّك بالأصل وهو إباحة بيع تلك البضاعة كونه مالكها الشرعي، فله ذلك على أنْ يُبيّن ذلك للنّاس بوضع لافتة تُظهر موافقته للجماعة ومقاطعته لشراء البضائع من تلك الدول المسيئة مستقبلا.
وهذا الذي أرجّحه وأدعو للالتزام به لأنّها نِعَمٌ دُفِعَت أثمانها فينبغي شكرها باستخدامها لا بإتلافها، وأدعو المسلمين ببذل الجهود لإيجاد البديل، والتميّز في جعل مواصفاته أعلى وأرقى بما ينسجم مع دعوة دينهم للإتقان والإحكام، وأحمّل الحكومات والجهات صاحبة القرار المسؤولية أمام الله سبحانه العزيز الجبّار بدعم المنتجات الوطنية وتكريم أهل الكفاءات والمساهمين في التصنيع والإنتاج.
والله تبارك اسمه أحكم وأعلم.
وصلّى الله تعالى على أشجع من صدح بالحق وقال به، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا حتى يرضى.