2020-11-10
السؤال:
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا، وبعد:-
فالسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، ونسأله سبحانه وتعالى أنْ يحفظكم ويرفع مقامكم الكريم، وأنْ ينفعنا والمسلمين من علومكم وبركاتكم وأنفاسكم الطاهرة سيّدي حفظكم الله تعالى.
يتداول بعض من المسلمين عبارات مثل (محمّد قدوتنا) و (إلّا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم) وذلك لمّا بدى من تهجّم وأساء إلى جناب حضرة النبيّ عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتمّ التسليم فهل هذا يكفي في الردّ على هؤلاء المسيئين من اليهود والنصارى أم هناك أمور أخرى وطرق في التعامل مع من أساء لحبيبنا محمّد عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم التسليم؟ ونحن كما تعلمون حفظكم الله تعالى في العراق خاصّة وبلاد المسلمين عامة قد أصابنا ما أصابنا فأرجو من حضرتكم وجنابكم الكريم أنْ تبيّن لنا ما هو الواجب علينا في التعامل والتعبير عن حبّنا لرسول الله بأبي وأمي هو عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم السلام ونحن لا سيما قد أظلنا شهر ربيع الخير والمولد فنسأل الله تعالى بجاه صاحب المولد عليه وعلى آله أفضل الصلاة وأتم التسليم أنْ يرفع مقامكم وأنْ يمنّ عليكم بنعمة الصحة والعافية، وأرجو السماح والعذر منكم والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
 
من: حسين فليح
 
 
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
وفقكم الله جلّ وعلا لمراضيه، وشكرًا جزيلا لزيارتكم لهذا الموقع الكريم، ودعواتكم الصادقة، وبعد:-
حتى لا يطول الجواب سأجعله نقاطا مجملة مختصرة تبيّن المراد وتهدي إلى الرشاد بإذن الله الكريم الوهاب.
1- لقد بيّن القرآن الكريم أنّ الاستهزاء بحضرة خاتم النبيين وبإخوانه من الأنبياء والمرسلين عليه وعليهم الصلاة والتسليم وآلهم وصحبهم أجمعين ليس وليد هذا العصر وإنّما هو من قديم الزمان، فقد قال كفّار قريش في حضرته عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام: إنّه ساحر، مجنون، شاعر، كاهن، قال عزّ من قائل:
{وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: 41].
وقال عزّ شأنه:-
{يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [يس: 30].
 
2- لقد تكفّل الله جلّ في علاه بالردّ على كلّ مَن استهزأ بسيّدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه ومَنْ والاه، قال سبحانه:-
{فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [سورة الحجر: 94 – 96].
قال سيّدنا أنس رضي الله تعالى عنه:-
(مَرَّ رَسُوْلُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَمَزَ بَعْضُهُمْ فَجَاءَ جِبْرِيلُ أَحْسَبُهُ قَالَ: فَغَمَزَهُمْ فَوَقَعَ فِي أَجْسَادِهِمْ كَهَيْئَةِ الطَّعْنَةِ حَتَّى مَاتُوا) الإمام البزّار رحمه الغفار جلّ ذكره.
وذكر الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله عزّ وجلّ:-
(أَنّ بعض أُمَرَاء الْمغول تنصَّرَ فَحَضَرَ عِنْده جمَاعَةٌ من كبار النَّصَارَى والمغول فَجعل وَاحِدٌ مِنْهُم ينتقص النَّبِيَّ صلَّى الله عَلَيْهِ وَسلّم وَهُنَاكَ كلب صيد مربوط فَلَمَّا أَكثر من ذَلِك وثب عَلَيْهِ الْكَلْب فخمشه فخلصوه مِنْهُ وَقَالَ بعض من حضر هَذَا بكلامك فِي مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ: كلا بل هَذَا الْكَلْب عَزِيز النَّفس وَرآني أُشير بيَدي فَظنّ أَنِّي أُرِيد أَنْ أضربه، ثمَّ عَاد إِلَى مَا كَانَ فِيهِ فَأطَال فَوَثَبَ الْكَلْب مرّة أُخْرَى فَقبض على زردمته فقلعها فَمَاتَ من حِينه فَأسلم بِسَبَب ذَلِك نَحْو أَرْبَعِينَ ألفا من الْمغول) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (4/152).
وكثيرة هي الحوادث من هذا القبيل سواء رُوِيَتْ أم لا.
 
3- إنّ العقوبة للمستهزئ متحققة لا محالة إذا لم يتب، لكن قد تكون بعد حين، قال الحقّ جلّت قدرته:-
{وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} [سورة الرعد: 32].
 
4- ينبغي أنْ نعرف كيف كان النبيّ صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه يتعامل مع أولئك المستهزئين.
عاملهم غالبًا بأخلاقه الكريمة التي بعث لإتمامها وبالموعظة الحسنة أملا في إسلامهم، ورغبة في هدايتهم، كيف لا والله جلّ جلاله قال في حقّه:-
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: 107].
 
5- وجّهتنا نصوص الشرع الشريف بعدم سماع مثل هذه الافتراءات وروايتها حتى لا نكون مثلهم أو نحقق هدفهم، قال عزّ من قائل:-
{وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [سورة النساء: 140].
وقد قيل:-
(إِمَاتَةُ البَاطِلِ بِالسُّكُوْتِ عَنْهُ).
 
6- ينبغي التعامل مع هذه الأمور بفطنة وذكاء، ولا يكون تصرّفه مجرّد ردّة فعل، فالتجربة العملية أثبتت فشل هذا، بل وحققت ما يصبو إليه أعداء هذا الدين المتربصين به، إذ إنهم استغلوا بعض تلك التصرّفات لتشويه صورة الإسلام واتهامه بالإرهاب والاستخراب وهو منهما بريء.
فكان الأولى أنْ يكون الردّ عليها بالضوابط الشرعية المبنية على المنهج القوي القائم على اجتهادات أهل الذوق والتربية من العلماء الربانيين رضي الله تعالى عنهم وعنكم وحكام المسلمين أيضًا.
فالردّ المدروس الناتج عن الفقه النيّر والفهم السليم له دوره الفاعل وأثره البالغ في الوصول إلى الغايات والأهداف.
فمثلا: لو صَوَّرَ تصرّف المسيء والتجأ إلى القضاء لإقامة الدعوى ضدّه، أو إلى المنظمات التي تعنى بحقوق الإنسان، أو غيرها، ومعه غيره من المسلمين الغيارى يناصرونه ويدعمونه، أعتقد أنّ العواقب ستكون أفضل.
وهذه ليست دعوة للتنصّل عن شرف نصرة سيّدنا رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، بل ضرورة أنْ يكون للرد صفة شرعية منضبطة لاسيما في هذا الوقت الذي تعاني فيه الدول الإسلامية من الضعف والتفكك والفرقة، كما أنّ التصرفات غير المحسوبة تؤثر سلبا على الجاليات الإسلامية المقيمة في البلاد الأوربية.
7- إنّ بعض المسلمين هم مَنْ شجّعوا أولئك الأشرار على أنْ يقدموا بمثل هذه الأفعال المشينة، وذلك بسبب ابتعادهم عن هدي نبيّهم صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم، واقتدائهم بالحضارة الغربية وانقيادهم لها، وهذا ما حذّر منه نبيّنا عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام إذ قال:-
(لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: اليَهُودَ، وَالنَّصَارَى قَالَ: فَمَنْ؟) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
 
8- لا نستغرب من هذه الأفعال الصادرة من دهاقين الحضارة الأوربية المعاصرة فهي حضارة قائمة على الدجل والكذب، قال سيّدي حضرة الشيخ الدكتور عبد الله الهرشمي طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه:-
(وفي الدجل: حدّث عن الحضارة الأوربية ولا حرج. فالدجل خاصتها المميزة. السيّد المسيح الزكيّ الرحمة السلم العميم نصبوا اسمه ودينه شعارًا للاستعمار والحروب والظلم والسلب والنهب. المسيح الزكيّ عند المسلم جزء من إيمانه و (كلمة الله وروح منه ألقاها إلى مريم) العذراء. والمسيح عند اليهود هو ذلك الرجل الذي يكفرون به ويكفّرونه ويقولون فيه ويتقوّلون عليه شنائع لا يحتمل لسان المسلم نقله ولا قلمه كتابته. وكنائس الحضارة الأوربية الحديثة تعادي المسلمين كلّ صنوف العداء وتوالي اليهود والصهيونيين كلّ صنوف الموالاة والولاء. المسيح الزكيّ ابن الشرق، ابن ديار الشرق المقدّسة، مفخرة الشرق للعالم كلّه. وكنائس الغرب تعادي شرق المسيح، وتستخرب بلاده، وتشوّه سمعته وزكاءه، وتستصغر كنائس المسيح الشرقية الأصيلة وتحاول اتخاذها تبعا وأداة لها فللاستعمار أو استبقاءها تضعف رويدًا رويدًا حتى تنقضي. وبعد كلّ هذه الخبائث والكبائر في النوايا والأعمال، تقول كنائس الحضارة الأوربية الحديثة إنها هي التي تحبّ المسيح وتمثّل المسيح وتدين بدين المسيح! يا ويله من دجل غليظ غليظ في الأقوال والأعمال!) معالم الطريق في عمل الروح الإسلامي ص 219 – 220.
 
9- مقاطعة تلك الدول الداعمة لمثل هذه التجاوزات التي ترفضها جميع الأديان، وتنبذها كلّ الأعراف والقوانين، ولمعرفة المزيد في هذا الباب أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2663) في هذا الموقع النافع.
 
10- وقد ورد أنّ سيّدنا رسول الله عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين وجّه شاعره سيّدنا حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه في بيان محاسن الإسلام وكشف شبهات عبدة الأوثان والأصنام فقال عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(اهْجُهُمْ – أَوْ هَاجِهِمْ – وَجِبْرِيلُ مَعَكَ) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
فهذا مثال على الردّ بالحكمة لأنّ سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه، كان رئيس الدولة وقتها.
فهذه الرواية الشريفة تؤكّد ضرورة الرجوع إلى أولياء الأمور إنْ وُجِدُوا وتلقّي توجيهاتهم في تنظيم وترتيب أساليب الردّ للنّجاة من الفوضى وعدم الوقوع في منكر أعظم.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمّد الأسوة الحسنة، وعلى آله وصحبه ومن تبعه وسلّم تسليمًا كثيرًا.