25-11-2020
السؤال:
السلام عليكم أدرج لحضرتكم نصّ سؤال من صديق مسيحي: صديقي العزيز الدكتور محمد المحترم ذكرتُ لك أنّ عندي سؤالا يحيرني وسئلت كثيرين ولم أحصل على إجابة مقنعة. نحن نعلم علم اليقين من التاريخ والمخطوطات والوقائع أنّ الرسالة الأولى التي خرجت إلى العالم في بداية المسيحية أنّ المسيح قد صلب وقام من الأموات. هذه الشهادة جاءت من شهود عيان استشهدوا ولم يتراجعوا عن ما شاهدوه. بعد انتشار هذا الإيمان في العالم أجمع وبعد ٦٥٠ سنة جاء القرآن ليقول إنّ جميع هؤلاء الشهود خدعوا والطامّة الكبرى أنّ الله هو الذي خدعهم إذ استبدل المسيح على الصليب بآخر دون أنْ يخبرهم وتركهم يضلّون ويتخبّطون لهذه المدّة الطويلة جدًّا. وما هي تهمتهم غير أنّهم صدّقوا ما رأوه. أليس من المنطقي والعدل والحق أنْ يخبر الله في الحال ما هو قد فعل؟ وإنْ كان الله يريد أنْ يضلّ اليهود لأنّهم قاوموا الحقّ لماذا يضلّ الحواريين وأتباع المسيح الذين وعدوا أنْ يكون فوق الذين كفروا إلى يوم الدِّين؟ هل سيقف ملايين المسيحيين أمام الله في يوم الدين ليقولوا ما ذنبنا نحن صدّقنا ما رأينا ولم نعط علمًا بغير ذلك. ألسنا نتعدّى على عدل الله في هذا؟ هل يحتاج الله أنْ يخدع الجميع حتى يحمي المسيح؟ ليتك تفدني إنْ كان عندك إجابة أنت مقتنع بها تماما وإنْ قلت لا أعلم فذلك أيضًا لا غبار عليه وشكرًا.
من: الحاج د. محمد البزركان
الرد:-
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وأفضلُ الصلاةِ وأتمُّ التسليمِ على سيّدِنا مُحمَّدٍ، وعلى سائرِ إخوانهِ منَ الأنبياءِ والمرسلينَ، خاصةً على سيّدِنا عيسى ابنِ مريمَ، الذي بشَّرَ برسولٍ يأتي مِنْ بعدِهِ:-
{وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} [سورة الصف: 6].
عليهِ وعلى والدِتهِ الصديقةِ مريمَ السَّلامُ.
أيّها السائلُ الكريمُ، أشكرُ لكَ سؤالكَ الذي يدلُّ على نباهةٍ ويقظةٍ وبحثٍ عنِ الحقِّ، أسألُ اللهَ جلّ في علاه أنْ يُرشِدَكَ إليهِ، فهوَ سبحانهُ الحقُّ، وهوَ وحدهُ الهادي.
يتعلَّقُ سؤالُكَ بمحورَينِ اثنينِ أستعرضُهما لا على طريقةِ الفتوى، وإنّما على سبيلِ المناقشةِ الهادئةِ المبنيَّةِ على النظَرِ في النُّصوصِ واعتمادِ اليقينيِّ مِنَ الأحداثِ حَصْرًا بُغيةَ الوصولِ إلى الحقِّ بإذنِ اللهِ جلّ جلاله.
وأستميحُكَ العُذرَ إنْ كانَ في الإجابةِ شيءٌ مِنَ الإطالةِ فما ذاكَ إلَّا لأوفي هذا الموضوعَ الهامَّ حقَّهُ بإذنِ اللهِ عزَّ وجلَّ.
المحورُ الأولُ:- يتعلَّقُ بموثوقيَّةِ النصوصِ وصِدقِيَّةِ وقوعِ الحوادثِ المختلفةِ. فإنَّ مِمَّا لا يقبلُ في مِلَّتِنا إثباتَ العقائدِ على نصوصٍ لا ترقى إلى درجةِ اليقينِ، فضلًا عنِ الأخبارِ الواهيةِ.
وإنَّنا ندعو غيرَنا إلى مثلِ هذا المنهجِ الذي تُحفظُ بهِ العقائدُ وتُصانُ بهِ الأديانُ. فكيفَ يرضى المرءُ لنفسهِ أنْ يعتقدَ أمورًا لا تقومُ على أُسُسٍ راسِخَةٍ أوْ يبنِيَ عقائدَهُ على حوادِثَ ظنِّيةٍ. وكما هوَ معلومٌ، فإنَّ كُلَّ المللِ تضعُ العقيدةَ فوقَ كُلِّ اعتبارٍ، إذْ فيها النجاةُ وفي خلافِها الخُسرانُ.
لذلكَ فإنَّ مَنْ يدَّعي أمرًا مِنْ أمورِ العقيدةِ خاصَّةً فعليهِ بالدليلِ اليقينيِّ الذي لا يقبلُ الشكَّ، لا سيَّما إذا كانَ هذا الأمرُ غيرَ مألوفٍ:-
{قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [سورة البقرة: 111].
فمَنِ ادَّعى أنَّ سيّدَنا عيسى عليهِ السَّلامُ صُلِبَ وقُتِلَ ودُفِنَ وعادَ إلى الحياةِ بعدَ الموتِ، فعليهِ بالدَّليلِ.
أمَّا أنَّهمْ صَلَبوا رجُلًا فهذا مِمّا اتَّفقَ عليه النَّصارى، ويوافِقُهُمُ اليهودُ بشأنِ الصَّلبِ، بلْ يتبجَّحُ اليهودُ بأنَّهُمْ مَنْ حرَّضوا الحاكِمَ الرومانيَّ (بيلاطِسَ) على قتلِ سيّدنا المسيحِ عليهِ السلامُ، حتَّى استصدروا منهُ الأمرَ بذلكَ الفِعلِ الشَّنيعِ. وهذا لا يُستغربُ منهَمْ فكمْ قتلوا مِنْ أنبياء بغيرِ حقٍّ:-
{— وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّـهِ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّـهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ} [سورة البقرة: 61].
ثُمَّ يأتي الإسلامُ لِيُثبِتَ حقيقةَ أنَّهُمْ فِعلًا صلبوا رجلًا، لكنْ هلِ الذي صُلِبَ كانَ هوَ سيّدَنا عيسى عليهِ السلامُ!؟
أمَّا مقتلُهُ عليهِ السَّلامُ ودفنُهُ فهذا ما لا دليلَ يقينيَّ عليهِ عندَ النَّصارى أنفُسِهِمْ، وأفترِضُ أنَّكَ أيُّها السائلُ مُطَّلِعٌ على ما في (الإنجيلِ) مِنْ تناقضٍ في هذه المسائل، فالأمرُ غامِضٌ عندهُمْ. وإنَّهُ لمِنَ أعجَبِ العَجَبِ أنْ تستنِدَ عقيدَةٌ على أخبارٍ ونقولاتٍ لا ترقى إلى اليقينِ.
إنَّ قضيَّةَ صَلْبِ المسيحِ عليهِ السَّلامُ مِنْ أهمِّ القضايا عِندَ النَّصارى. هلْ سألتَ نفسكَ أيُّها الباحثُ عنِ الحقِّ لماذا يتمسَّكُ النَّصارى بموضوعِ الصَّلْبِ على ضَعفِ حُجَّتِهِ، بلْ يستميتونَ في إثباتِهِ، وهيهاتَ. هلْ تعلمُ سببَ ذلكَ؟
ذاكَ أنَّ دينهُمُ الذي كتبهُ لهمْ ثُلَّةٌ مِنَ الذينَ اختلقوا أساطيرَ ما أنزلَ اللهُ تعالى بها مِنْ سُلطانٍ، قائمٌ على فَرَضِيَّةِ الصَّلْبِ والخلاصِ والتطهيرِ وأُلوهِيَّةِ المسيحِ عليهِ السَّلامُ وبُنُوَّتِهِ قيامَ السَّقفِ على الجُدرانِ، فأنَّى للسَّقفِ أنْ يبقى قائمًا إذا سقطَ الجدارُ. ولكَ أنْ تُراجِعَ ما يقولُهُ مَنْ خطَّ الإنجيلَ بيدِهِ وكيفَ يبني النَّصرانيَّةَ كلَّها على قِيامِ سيّدِنا عيسى عليه السلام مِنَ الموتِ بعدَ صلبِهِ، إذْ يقولُ:-
(ولوْ لمْ يكُنِ المسيحُ قدْ قامَ فالرِّسالةُ التي نُبَشِّرُ بها هيَ بلا معنًى، وإيمانُكُمْ أيضًا هوَ بلا معنًى) (1 كورنتوس 15 : 14).
ولقدْ رُويَ أنَّ حضرة النبيَّ صلَى اللهُ تعالى عليهِ وآله وصحبه وسلَّمَ لـمَّا جاءهُ نصارى نجرانَ، خاطبَ اثنينِ مِنْ كِبارِهِمْ فقالَ لهما بعدَ أنْ حدَّثاهُ:-
(أسلِما، فقالا: قدْ أسلَمنا قبلَكَ. قالَ: كذبتُما، منعكُما مِنَ الإسلامِ: دعاؤكُما للهِ ولَدًا، وعبادتُكما الصَّليبَ، وأكلُكُما الخنزير) (الدُّرُّ المنثورُ للإمامِ السيوطيُّ رحمَهُ اللهُ تعالى، آلِ عمرانَ عليهم السلام: 2).
وهكذا لا يبقى مِنَ النَّصرانيَّةِ شيءٌ إذا أسقطنا الصَّلْبَ وفداءَ المسيحِ عليهِ السلامُ للخلقِ وتطهيرِهمْ مِنَ الخطيئةِ الأولى (ويقصدونَ بها أكلَ سيّدِنا آدمَ عليهِ السَّلامُ مِنَ الشَّجَرَةِ) وقيامهِ مِنْ بينِ الأمواتِ، على حدِّ زعمِهمِ.
ولكَ أنْ ترجِعَ إلى كُتُبِ السِيَرِ والتفسيرِ للاطِّلاعِ على قصَّةِ نصارى نجرانَ بطولِها. أكتفي مِنها بهاتينِ الفقرتينِ لأهمِّيَّتِهِما:-
(… قالوا لهُ: مَنْ أبوهُ؟ وقالوا على اللهِ الكذبَ والبُهتانَ -لا إلهَ إلَّا هُوَ لَمْ يتَّخِذْ صاحِبَةً ولا ولدًا.
فقالَ لهُمُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ألستُمْ تعلمونَ أنَّهُ لا يكونُ ولدٌ إلَّا وهُوَ يُشبِهُ أباهُ؟
قالوا: بلى.
قالَ: ألستُمْ تعلمونَ أنَّ ربَّنا حيٌّ لا يموتُ، وأنَّ عيسى يأتي عليهِ الفناءُ؟
قالوا: بلى.
قالَ: ألستُمْ تعلمونَ أنَّ ربَّنا قَيِّمٌ على كلِّ شيءٍ يكلؤُهُ ويحفظُهُ ويرزُقُهُ؟
قالوا: بلى.
قالَ: فهلْ يملِكُ عيسى مِنْ ذلكَ شيئًا؟
قالوا: لا.
قالَ: أفلستُمْ تعلمونَ أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لا يخفى عليهِ شيءٌ في الأرضِ ولا في السَّماءِ؟
قالوا: بلى.
قالَ: فهلْ يعلمُ عيسى مِنْ ذلكَ شيئًا إلَّا ما عُلِّمَ؟
قالوا: لا.
قالَ: فإنَّ ربَّنا صوَّرَ عيسى في الرَّحِمِ كيفَ شاءَ، فهلْ تعلمونَ ذلكَ؟
قالوا: بلى.
قالَ: ألستُمْ تعلمونَ أنَّ ربَّنا لا يأكُلُ الطَّعامَ ولا يشربُ الشَّرابَ ولا يُحدِثُ الحدثَ؟
قالوا: بلى.
قالَ: ألستُم تعلمونَ أنَّ عيسى حملتْهُ أمُّهُ كما تحمِلُ المرأةُ، ثُمَّ وضعتْهُ كما تضعُ المرأةُ ولدَها، ثُمَّ غُذِّيَ كما يُغذَّى الصَّبيُّ، ثُمَّ كانَ يطعَمُ الطَّعامَ، ويشربُ الشَّرابَ ويُحدِثُ الحدثَ؟
قالوا بلى.
قالَ: فكيفَ يكونُ هذا كما زعمتم؟
قالَ: فعرفوا، ثُمَّ أبَوا إلَّا جُحُودًا …) (تفسيرُ الطَّبريُّ، سورةُ آلِ عِمرانَ عليهم السلام: 2).
وفيها:-
(… فلمَّا أتى رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الخبرُ مِنَ اللهِ، والفصلُ مِنَ القضاءِ بينهُ وبينَهُمْ، وأُمِرَ بما أُمِرَ بهِ مِنْ مُلاعَنَتِهِمْ، إنْ ردُّوا ذلكَ عليهِ دعاهُمْ إلى ذلكَ، فقالوا: يا أبا القاسِمْ دعنا ننظُرْ في أمرِنا، ثم نأتيكَ بما نُريدُ أنْ نفعلَ فيما دعوتنا إليهِ، ثُمَّ انصرفوا عنهُ، ثُمَّ خلوا بالعاقِبِ، وكانَ ذا رأيِهِمْ، فقالوا: يا عبدَ المسيحِ ماذا ترى؟ فقالَ: واللهِ يا معشرَ النَّصارى لقدْ عرفتُمْ أنَّ مُحمَّدًا لنبيٌّ مُرسلٌ، ولقدْ جاءكُمْ بالفَصلِ مِنْ خَبَرِ صاحِبِكُمْ، ولقدْ علِمْتُمْ أنَّهُ ما لاعَنَ قومٌ نبيًّا قطُّ، فبقيَ كبيرُهُمْ، ولا نَبَتَ صغيرُهُمْ، وإنَّهُ للاستِئصالُ مِنكُمْ إنْ فعلتُم …) (تفسير الحافظ ابن كثير رحمه الله عزّ شأنه – سورة آل عمران عليهم السلام: 61).
وأنا في هذهِ الإجابةِ عندما أقولُ “النَّصرانيَّةَ” فأعني بها النَّصرانيَّةَ التي حُرِّفَتْ، وحاشا لدين سيّدِنا عيسى عليهِ السَّلامُ أنْ يأتي بالتناقُضاتِ، فإنَّهُ إنَّما جاءَ بملَّةِ الإسلامِ وتوحيدِ اللهِ عزَّ وجلَّ، كغيرِهِ مِنَ الرُّسُلِ إلَّا أنَّ لكلٍّ شريعة.
فلأعرِضْ الروايتين الآتيتينِ على مَنْ لديهِ إنصافٌ وليحكُمْ بنفسِهِ:-
روايةٌ تزعُمُ: أنَّ المسيحَ عليهِ السَّلامُ صُلِبَ وقُتِلَ ودُفِنَ ثُمَّ قامَ مِنَ القبرِ، ذلكَ أنَّهُ شوهدَ بعدَ تلكَ الحادثةِ بثلاثةِ أيّامٍ يُخبرُهمْ أنَّهُ حيٌّ وأنَّ دمهُ سالَ فداءً للمؤمنينَ بهِ وتكفيرًا لخطاياهُمْ.
وروايةٌ تقولُ: إنَّهُ لمْ يُصلَبْ أساسًا، وإنَّما صُلِبَ شخصٌ آخرُ، وبما أنَّهُ شوهِدَ بعدَ الحادثةِ يخبرُهُمْ أنَّهُ حيٌّ، فهوَ إذًا لمْ يمُتْ ولمْ يُدفَنْ.
أيُّ الروايتينِ أقربُ إلى الصِّدقِ أيّها الباحثُ عن الحقِّ؟ لا شكَّ أنَّ مَنْ لديهِ أدنى درجاتِ الإنصافٍ سيُرجِّحُ الثانيةَ مِنْ غيرِ دُخولٍ حتَّى في تفاصيلَ ولا رجوعٍ إلى نصوصٍ أو وثائقَ.
تقولُ في سُؤالِكَ: (إنَّ المسيحَ قدْ صُلِبَ وقامَ مِنَ الأمواتِ. هذهِ الشهادةُ جاءتْ مِنْ شُهودِ عيانٍ استشهدوا ولم يتراجعوا عن ما شاهدُوه).
ولنا أنْ نتساءلَ مَنْ هُمْ هؤلاءِ الشُّهودُ؟
أمّا الحواريُّونَ فلَمْ يشهدوا عمليةَ الصَّلبِ بحسبِ إنجيلِ مَرقُسَ إذْ جاءَ فيهِ:-
(تركَهُ الجميعُ وَهَرَبُوْا) (مَرْقُسَ 14: 50).
أيْ لا أحدَ منهُمْ شهِدَ صَلْبَ سيّدِنا عيسى عليهِ السَّلامُ، لكنَّهُمْ سمعوا مِنْ غيرِهِمْ فظنُّوهُ قُتِلَ حسبَ الروايةِ أعلاهُ.
إذًا، لا توجدُ شهادةٌ مِنْ ثقاتٍ، إنَّما هُوَ سماعٌ فلا نستطيعُ أنْ نبنيَ عقائدَ على هذهِ الجزئيةِ.
علَّمنا دينُنا التركيزَ على الحقائقِ الكُبرى وأخذِ العِبَرِ منها وعدمِ الخوضِ في تفاصيلَ لا تُقَدِّمُ ولا تُؤَخِّرُ. ففي موضوعِ الصَّلْبِ، أنبأنا القُرآنُ الكريمُ أنَّهمْ:-
{مَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ} [سورة النساء: 157]، وهذا القول الكريم يكفينا.
أمَّا التفاصيلُ الدَّقيقةُ لتلك الحادثةِ والتي اختلفَ فيها الرواةُ ولمْ تصِلنا بدرجةٍ يقينيةٍ فهيَ قليلةُ الأهميةِ إنْ لم تكن بلا فائدةٍ مثلَ يومِ الصَّلبِ وساعةِ الصَّلبِ وكمْ بقيَ مصلوبًا، وأيُّ ناظرٍ في تلكَ النُّقولاتِ يُدرِكُ أنَّهُ لنْ يخرُجَ إلا بمزيدِ حَيرَةٍ. الإشكاليةُ إذًا عندَ غيرِنا مِنْ يهودَ ونصارى، فهُمُ الذينَ اختلفوا في أمرِهِ عليهِ السَّلامُ كما سيأتي إنْ شاء الله تعالى.
ولأنتقلِ إلى جزئيةٍ أخرى وهي قيامُهُ عليهِ السَّلامُ بعدَ موتهِ:-
يعتقدُ النَّصارى كما وردَ في الإنجيلِ أيضًا أنَّهُ بعدَ ثلاثةِ أيّامٍ ظهرَ لهُمْ سيّدُنا عيسى عليه السلام. وهذهِ أيضًا فيها اضطرابٌ، فإنَّ الصَّلْبَ كانَ قدْ تمَّ مساءَ الجُمُعَةِ، ورؤيَ حيَّا صباحَ الأحدِ، وهذهِ المدَّةُ ليستْ إلَّا ليلتينِ ونهارًا واحدًا، وسأتجاوزُ هذهِ النُّقطةَ الآنَ فليستْ هيَ موضوعَنا، لكنْ أحببتُ أنْ أشيرَ إلى وجودِ اضطرابٍ كبيرٍ في كلِّ جُزئيةٍ واردةٍ، وهذا يستحيلُ في كلامٍ يُنسَبُ إلى اللهِ جلَّ جلالُهُ وعمَّ نوالُهُ:-
{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [سورة النساء: 82].
(وبينما هُما يتكلَّمانِ بهذا، وقفَ عيسـى بنفْسِهِ في وَسَطِهِمْ وقالَ لهمْ: السَّلامُ عليكُمْ (36) فذُهِلوا وارتَعَبُوا، وظنُّوا أنَّهمْ يُشاهدونَ شبحًا (37) فقالَ لهمْ: لماذا هذا الاضطرابُ؟ ولماذا هذا الشَّكُّ في قلوبكمْ؟ (38) انظُروا إلى يدَيَّ ورِجْلَيَّ، أنا هوَ بنَفْسي، المِسُوني وانظُروا، الشَّبَحُ ليسَ لهُ لحمٌ وعَظْمٌ كما ترونَ لي (39) ولـمَّا قالَ هذا، أراهُمْ يديهِ ورِجْلَيهِ (40) ولكِنَّهُمْ ظَلُّوا غيرَ مُصدِّقينَ مِنْ شِدَّةِ الفرحِ والدَّهشةِ، فقالَ لهمْ: هلْ عندكمْ هُنا شيءٌ آكُلُهُ؟ (41) فأعطَوهُ قِطعةً مِنَ السَّمكِ المشويِّ (42) فأخذها وأكَلها قُدَّامَهُمْ (43)) (لُوقا 24: 36-43).
حسْبَ هذا النصِّ يتبيَّنُ لنا أنَّ سيّدَنا عيسى عليهِ السَّلامُ أرادَ أنْ يُثبِتَ لهُمْ أنَّهُ حيٌّ وأنَّهُ لمْ يمُتْ، وأنَّ ما يَرَوْنَهُ أمامَهُمْ إنسانٌ حيٌّ بروحٍ وجسدٍ وليسَ شبحًا ولا روحًا، إذِ الأرواحُ لا أجسادَ لها مِنْ لحمٍ وعظمٍ، فقالَ لهُمْ المِسوني، والأرواحُ لا تأكُلُ فأراهُم أنَّهُ يأكُلُ. وتجدُرُ الإشارةُ هنا إلى أنَّ النصارى يُجمِعونَ على أنَّ المسيحَ عليهِ السَّلامُ لَمْ تُقطَعْ رِجلَاهُ أثناءَ الصَّلبِ كما كانوا يفعلونَ أحيانًا معَ المصلوبِ كيْ ينزِفَ ويفقِدَ دمهُ ويموتَ بسرعةٍ، وإنَّما تُرِكَ ليموتَ ببطءٍ على الصَّليبِ.
قد يقولُ قائلٌ: وما يمنعُ أنْ يكونَ قدْ ماتَ فعلًا ثُمَّ قامَ؟ فلنتمعَّنْ في هذا النَّصِّ الذي يدحضُ هذهِ المقولةَ أيضًا:-
(وكلَّمَهُ بعضُ الفُقهاءِ والفَرِّيسِيِّينَ وقالوا لهُ: يا مُعَلِّمُ، نُريدُ أَنْ نَرى مِنكَ آيةً (38) فأجابَهُم: ”شعبٌ شِرِّيرٌ وفاسِقٌ يطلُبُ آيةً، ولنْ يُعطى آيةً غيرَ آيةِ النبيِّ يونُسَ (39) فكما كانَ يونُسَ في بطنِ الحوتِ ثلاثةَ أيَّامٍ وثلاثَ ليالٍ، كذلكَ يكونُ الذي صارَ بَشَرًا في قلبِ ٱلْأَرْضِ ثلاثةَ أيَّامٍ وثلاثَ لَيالٍ (40)) (مَتَّى 12: 38-40).
أيْ أنَّ سيدنا عيسى عليهِ السَّلامُ قالَ لهُمْ حسبَ هذا النَّصِّ: ستظهرُ لكُمْ آيةٌ مثلَ آيةِ سيّدِنا يونُسَ عليهِ السَّلامُ في قومِه، حيثُ التقمَهُ الحوتُ وبقيَ ثلاثةَ أيامَ بلياليها حيًّا بينما يظنُّهُ الناسُ ميِّتًا. كذلكَ سأُدفَنُ أنا في بطنِ الأرضِ ثلاثةَ أيامٍ بلياليها لكنِّي حيٌّ ويظنُّني النَّاسُ ميِّتًا.
انظُرْ إلى الاضطِرابِ في النَّصِ ثانيةً، فإضافةً إلى عدمِ تطابُقِ مُدَّةِ لَبثِ سيّدِنا يونُسَ عليهِ السَّلامُ وهيَ ثلاثةُ أيّامٍ مع مُدَّةِ موتِ سيّدِنا عيسى عليهِ السَّلامُ وهيَ ليلتانِ ونهارٌ واحدٌ كما أسلفت، هنالكَ ما هوَ أهَمُّ مِنْ ذلكَ، فلكي تتطابقَ الآيتانِ، آيةُ سيّدنا يونُسَ وآيةُ سيّدنا عيسى عليهِما السَّلامُ، فيجبُ أنْ لا يكونَ سيّدُنا عيسى عليهِ السَّلامُ قدْ ماتَ في هذهِ الأيّامِ الثلاثةِ كما لمْ يمُتْ سيّدُنا يونُسَ عليهِ السَّلامُ تلكَ الأيامِ الثَّلاثةِ في بطنِ الحوتِ، وإلَّا فلنْ تتطابقَ الآيتانِ. وبذلِكَ تبطُلُ دعوى موتِهِ عليهِ السلامُ، وتَتَّفِقُ مع قولِ القرآنِ الكريمِ بأنَّهُ لَمْ يُصلَبْ أصلًا ولمْ يُقتَلْ، وبالتَّالي لَمْ يُدفَنْ ولمْ يقُمْ مِنَ الموتِ:-
{وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ}
ثُمَّ تُكمِلُ الآيةُ فتُثبِتُ حقيقةَ اختلافِ النَّصارى واليهودِ أنفُسِهِمْ وشكِّهِمْ في موتِ سيّدِنا عيسى عليهِ السَّلامُ:-
{وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} [سورة النساء: 157].
أمرٌ آخرُ يُشيرُ إلى شكِّهِمْ في موتِهِ عليهِ السَّلامُ:-
إنَّ اليهودَ الذينَ حرَّضوا بيلاطِسَ على صلبِ المسيحِ عليهِ السَّلامُ -ويُفتَرَضُ أنَّهُمْ أعلى مِنْ شُهودِ العيانِ لأنّهم المنفِّذونَ- شكُّوا أنُفُسُهُمْ في موتِهِ، وطلبوا مِنَ الحاكِمِ أنْ يُرسِلَ حُرَّاسًا ليحرُسوا قبرَ المسيحِ عليهِ السَّلامُ إذْ وَرَدَهُمْ أنَّهُ كانَ قدْ قالَ:-
(سأقومُ بعدَ ثلاثةِ أيّامٍ).
أهذا فِعلٌ يصدُرُ مِمَّن هوَ واثِقٌ مِنْ موتِ شخصٍ! ولأنَّ الحاكِمَ لا يعنيهِ أمرُ المسيحِ عليهِ السَّلامُ كثيرًا، قالَ لهُم:-
(اذهبوا واحرُسوهُ أنتمْ) (يُنظَر إنجيلُ مَتَّى 27: 62-66).
ولمْ يكُنْ قدْ وافقَ على قتلهِ وصلبهِ إلَّا إرضاءً لهُمْ كيْ لا يَشْكُوْهُ إلى القيصرِ في روما.
إنَّ كُلَّ هذهِ التفاصيلُ لا تعنينا كثيرًا، لكنْ أردت أنْ أثبِتَ الاضطرابَ الموجودَ في كلامِ كتّابِ نصِّ الأناجيلِ التي بينَ أيدي النَّصارى وغيرها مِنْ وثائقَ أُخرى.
وأخلُصُ مِنْ كلِّ ذلكَ -وإنَّما اقتصرت على أمثلةٍ معدودةٍ ويوجدُ كثيرٌ غيرُها-
أنَّهُ لا يوجدُ إجماعٌ عندَهُمْ مِنْ (أنَّ الرِّسالةَ الأولى التي خرجَتْ إلى العالمِ في بدايةِ المسيحيَّةِ أنَّ المسيحَ قدْ صُلِبَ وقامَ مِنَ الأمواتِ. هذهِ الشَّهادةُ جاءتْ مِنْ شهودِ عيانٍ استشهدوا ولم يتراجَعوا عنْ ما شاهدوهُ)، وأنَّ هذا زعمٌ لا يستنِدُ إلى أدلَّةٍ يقينيةٍ.
إنَّ هذا كلّهُ في كفَّةٍ، والاستنتاجُ غيرُ المعقولِ وغيرُ المقبولِ بتاتًا مِنْ أنَّهُ إلهٌ أو ابنُ إلهٍ لمجرَّدِ أنَّهُ شوهدَ بعدَ صلبهِ وقَتلهِ ودفنهِ في كفَّةٍ، تعالى اللهُ عمَّا يقولونَ عُلُوًا كبيرًا.
أَوَلَيْسَ الأقربُ يا صاحبي أنْ يُقالَ: إنَّه لمْ يُقتَلْ أصلًا؟ كلُّ هذهِ التناقُضاتِ وغيرها، ألا تجعلُ المرءَ يرفُضُ رفضًا قاطِعًا ما وَرَدَ في الأناجيلِ المكتوبة بأيدٍ بشرِيّةٍ ألوهيَّةَ سيّدِنا عيسى عليهِ السَّلامُ وما يتبعُ ذلك مِنْ مُعتقداتٍ، ويطمئنُ قلبُهُ إلى عقيدةِ التَّوحيدِ التي جاءَ بها القرآنُ الكريمُ:-
{لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة المائدة: 73].
هذا وإنَّني إذْ أورِدُ آياتٍ مِنَ القُرآنِ الكريمِ لا أورِدُها كيْ أحاجِجَكَ بها، وإنَّما لأبَيَّنَ لكَ الإنصافَ الذي يعرِضُهُ القُرآنُ الكريمَ، ومِقدارَ ما يُكِنُّهُ المسلمونَ لسيِّدِنا عيسى عليهِ السَّلامُ مِنْ محبَّةٍ وتبجيلٍ وإكرام، وأنَّنا نؤمِنُ بهِ ولا نُفَرِّقُ بينهُ وبينَ أحدٍ مِنْ رُسُلِ اللهِ تعالى، ونُجِلُّ والدتَهُ السيّدةَ مريمَ ابنةَ سيّدنا عِمرانَ العذراءَ البتولَ عليهما السَّلامُ، ولا نرضى نسبةَ أمرٍ يخدِشُ مقامَ نُبوَّته عليهِ السَّلامُ، ولا مكانة إمّه عليها السَّلامُ.
وقبلَ كُلِّ هذا فإنَّ مَنْ لا يؤمِنُ بسيّدِنا عيسى عليهِ السَّلامُ نبيًّا ورسولًا فليسَ بمُسلمٍ.
إنَّ وقوعَ المعجِزاتِ مِنَ الأنبياءِ لهيَ دليلٌ على نبوَّتِهِمْ لا ألوهيَّتِهِمْ، تأمّل ما يقولُه سيّدُنا عيسى عليهِ السَّلامُ لقومهِ:-
{وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّـهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّـهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 48 -51].
إذًا فالأنبياءُ عليهِمْ أزكى التحايا والسَّلامُ لا يُمكِنُ أنْ يدَّعوا الألوهيةَ وحاشاهُمْ:-
{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 79، 80].
وهُمْ لا يستنكِفونَ أنْ يكونوا عبادًا للهِ جلّ في علاه:-
{لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا} [سورة النساء: 172].
ويومَ القيامةِ يُسألونَ عنْ ذلكَ:-
{وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [سورة المائدة: 116-117].
المحورُ الثاني:- يتعلَّقُ بما تبقَّى مِنْ سؤالكَ، وهوَ لا يحتاجُ إلى كثيرِ كلامٍ، لأنَّ السؤالَ مُستنِدٌ على المعلوماتِ التي لمْ تثبُتْ كما بيَّنْتُ في المحورِ الأوَّلِ.
وأظُنُّكَ أدركَتَ الآنَ لماذا أسهبتُ فيهِ، فإنَّه لا يصِحُّ أنْ نتَّهِمَ اللهَ جلَّ في عُلاهُ بعدمِ العدلِ مستندينَ على معلوماتٍ لمْ تصِحْ أصلًا. فكما يقالُ: ثبِّتِ العرشَ ثُمَّ انقُشْ، أيْ ائتِ بالدَّليلِ اليقينيِّ أوَّلًا ثُمَّ استخلِصِ النتائجَ، أمَا وإنَّ الدليلَ لمْ يثبُتْ فكلُّ استنتاجٍ يليهِ يكونُ مشكوكًا فيهِ إنْ لمْ نقُلْ باطِلًا. فإنَّ التناقُضاتِ التي ثبتَ وجودُها كما في المحورِ الأوَّلِ تنسِفُ كلِّ ما يتعلَّقُ بتلْكَ الرِّواياتِ، بدءًا مِنْ رِواياتِ الشهودِ فما دونَها.
أمَّا رفعُهُ عليهِ السَّلامُ فهوَ ثابتٌ عندنا بقولِ اللهِ عزّ شأنه في القُرآنِ الكريمِ:-
{— بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [سورة النساء: 158].
وبقولِهِ سبحانه:-
{إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 55].
وَوَرَدَ في أكثر التفاسير أنَّ الوفاةَ هُنا هيَ وفاةُ نومٍ. (تفسير الحافظ ابن كثير رحمه الله عزّ وجلّ).
كما قال تعالى:-
{وَهُوَ ٱلَّذِى يَتَوَفَّـٰكُم بِٱلَّيْلِ —} [سورة الأنعام: 60].
أيْ أرفعكَ وأنتَ نائمٌ، وقيلَ: قابضُكَ ورافِعُكَ إليَّ مِنَ الدنيا مِنْ غيرِ موتٍ. (تفسيرُ الجلالينِ).
وقيلَ: {مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} على التقديمِ والتأخيرِ لأنَّ الواوَ لا توجِبُ الترتيبَ، فيكونُ المعنى: رافعكَ إليَّ ومطهرُكَ مِنَ الذينَ كفروا ومتوفّيكَ بعدَ أنْ تنزلَ مِنَ السَّماءِ. (تفسيرُ الإمام القرطبيّ رحمه الله سبحانه).
وقيلَ: مُستَوفي أجلكَ، وعاصِمُكَ مِنْ أنْ يقتلكَ الكُفَّارُ، ومؤخرُكَ إلى أجلٍ كتبتُهُ لكَ، ومميتكَ حتفَ أنفِكَ لا قتيلًا بأيديهِمْ. (تفسيرُ الإمام الزمخشري رحمه الله تعالى).
وقيل: {مُتَوَفِّيكَ} أي “مُتمِّمٌ عُمركَ، فحينئذٍ أتوفَّاكَ، فلا أتركُهُم حتى يقتلوكَ، بلْ أنا رافعُكَ إلى سمائي، ومقربُكَ بملائكتي، وأصونُكَ عنْ أنْ يتمكَّنوا مِنْ قتلِكَ وهذا تأويلٌ حسنٌ” (تفسيرُ الإمام الرازي رحمه الله جلّ وعلا).
وأيًّا كانَ الأمرُ، فالثابتُ عندنا أنَّه رُفِعَ عليهِ السَّلامُ. ويزيدُنا القرآنُ الكريمُ معلومةً مُستقبليةً وهيَ أنَّ بعضَ أهلِ الكتابِ سيؤمنونَ بهِ على الوجهِ الحقِّ عندَ نزولِهِ في آخرِ الزَّمانِ -وهذا ثابتٌ في حديثِ سيّدنا النَّبيِّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام أيضًا-، أيْ يؤمنونَ أنَّهُ عبدٌ للهِ تعالى وأنَّهُ ليسَ بإلهٍ، وبنزولِهِ في آخرِ الزَّمانِ فردًا مِنْ أمَّةِ سيّدنا مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ تعالى وسلّم عليهِ وآله وصحبه أهل الفضل والمجد:-
{وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} [سورة النساء: 159].
فالسؤالُ هُنا إذًا:-
هلْ عُلِمَ أمرُ رفعِهِ عليهِ السَّلامُ؟ ومَنْ علِمَ بذلكَ؟
فنحنُ نقولُ: إنَّهُ كانَ أمرًا معلومًا واشتُهِرَ بينَ أتباعِهِ مِنَ الحواريينَ خاصَّةً، وهمُ الذينَ نشروا خبرَ رفعِهِ. إذْ وردَ في كُتُبِ النَّصارى أنَّهُ عليهِ السَّلامُ ظَهرَ في الجليلِ وبقيَ معهُمْ أربعينَ يومًّا، ثُمَّ رُفِعَ إلى السَّماءِ وهُمْ ينظُرونَ. (يُنظَر مثلًا سِفرُ أعمالِ الرُّسل، الإصحاحُ الأولُ).
فإذا كانَ هذا معلومًا عندَهُمْ مذكورًا في كُتُبِهِمْ -على اضطِرابٍ فيهِ-، علِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ. فلا يبقى معنًى لقولِكَ: (وبعدَ 650 سنةٍ جاءَ القُرآنُ لِيقولَ إنَّ جميعَ هؤلاءِ الشُّهودُ خُدِعوا والطامَّةُ الكُبرى أنَّ اللهَ هوَ الذي خدعهمْ إذِ استبدَلَ المسيحَ على الصَّليبِ بآخَرَ دونَ أنْ يُخبِرَهُمْ وتركَهُمْ يضِلُّونَ ويتخَبَّطونَ لهذهِ المدَّةِ الطَّويلةِ جدًّا. وما هيَ تُهمَتُهُمْ غيرَ أنَّهمْ صدَّقُوا ما رأوهُ).
نعَمْ، إنَّ اللهَ سبحانهُ يبتلي العِبادَ ويختبِرهُمْ بما يُطيقونَ، وإذْ قدِ ابتلى واختبرَ أعداءَ المسيحِ عليهِ السَّلامُ بأنْ صلبوا شخصًا ظنُّوهُ المسيحَ لأوَّلِ وهلَةٍ، إلَّا أنَّهُ أظهَرَ لهُمْ أنَّ المسيحَ حيٌّ لمْ يمُتْ. فمَنْ أصرَّ على ظُلمِهِ وعِنادِهِ، ولَمْ يعتقِدِ الحقَّ فلا يلومَنَّ إلَّا نفسَهُ بعدَ أنْ بانَتِ الحقيقةُ.
ألا ترى يا صاحبي أنَّ هذا الحالَ مِنَ الابتلاءِ والاختبارِ وهذهِ الحُجَّةَ التي تذكُرُها، هيَ نفسُ الحالِ الذي وقعَ فيهِ اليهودُ والنَّصارى في ميلادِ المسيحِ عليهِ السَّلامُ مِنْ قَبلُ، إذْ ابتلاهُمُ اللهُ تعالى واختبرهُمْ بخلْقِهِ سيّدَنا عيسى عليهِ السَّلامُ مِنْ غيرِ أبٍ. فإذْ باليهودِ يتَّهمونَ أُمَّهُ الصِّدِّيقةُ عليها السَّلامُ بالفاحشةِ، ويتَّهِمونهُ عليهِ السَّلامُ بأنَّهُ ابنُ زنًى حاشاهُما ممَّا يقولونَ، وإذْ بالنَّصارى يزعُمونَ أنهُ إلهٌ وابنُ إلهٍ، تعالى اللهُ عمَّا يقولونَ علوًّا كبيرًا. لكِنَّ اللهَ عزّ وجلّ إذا ابتلى بيَّنَ الحقَّ وطريقَ النجاةِ:-
{لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} [سورة الأنفال: 42].
فأظهرَ لهُمْ معجزاتٍ وآياتٍ لا حصْرَ لها على يدي هذا النَّبيِّ الكريمِ، كانَ أوَّلُها حديثُهُ في المهدِ كيْ يهتدي المؤمِنونَ أصحابَ القلوبِ النقيَّةِ الصَّافِيَةِ، ولا يضِلُّ إلَّا مَنِ ارتضى لنفسِهِ الضَّلالَ، مَنْ كانتْ نفسُهُ غارقةً بالهوى والفسادِ.
ويجدُرُ بالذكرِ أنَّ بعضَ النَّصارى لا يذكرونَ معجزةَ كلامِهِ عليهِ السَّلامُ في المهدِ بينَ المعجزاتِ، ذاكَ أنَّهُ يؤكِّدُ فيها أنَّهُ عبدٌ للهِ جلّ وعلا وليسَ بإلهٍ ولا بابنِ إلهٍ:-
{فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا * ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ * وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَـٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [سورة السيّدة مريم عليها السلام: 29-36].
أيُّها النَّصارى.. أفكُلَّما جاءَكُمُ اختبارٌ وابتلاءٌ سقطتُمْ فيهِ! أفكُلَّما جاءَكُمْ ابتلاءٌ بِما كسبتْ أيديكُمْ وقعتُمْ في ضَلالٍ أكبرَ! نعمْ.. إنَّ الابتلاءَ والاختبارَ يأتي بحسْبِ عِظَمِ الذَّنبِ والمعصيةِ التي ارتُكِبَتْ، وهذا عينُ العدلِ:-
{فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [سورة النساء: 160-161].
فيا صاحبي، ليسَ فيما ذكرتَ أدنى ظُلمٍ مِنْ ربِّ العبادِ الرَّحيمِ الرَّحمنِ، لكِنْ:-
{مَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} [سورة الإسراء: 15].
إذًا فقولُك (أليسَ مِنَ المنطقيِّ والعدلِ والحقِّ أنْ يُخبِرَ اللهُ في الحالِ ما هُوَ قدْ فعلَ؟)
فجوابُهُ: أنَّ اللهَ جلّ جلاله قد فعلَ وأظهرَ لهُمُ ذلكَ مِنْ خلالِ نبيّهِ سيّدنا عيسى عليهِ السَّلامُ ثمَّ عنْ طريقِ أتباعِهِ مِنَ الحواريينَ، فقَبِلَ ذلكَ مَنْ قَبِلهُ، ورفضَهُ مَنْ رفضَهُ، ومنْ رفضَ فاللومُ عليهِ إذْ قدْ بيَّنَ اللهُ لهُ الحقَّ. فما الذي جعلَ البعضَ يضِلُ والبعضَ يتمسَّكُ بالحقِّ؟ إنَّه البحثُ الصَّادِقُ عنِ الحقِّ. ولا أظُنُّكَ تُنكِرُ أنَّ الكثيرَ مِنَ النَّصارى بقوا على الدينِ الحقِّ الذي جاءَ بهِ سيّدُنا عيسى عليهِ السَّلامُ مِنْ غيرِ اعتقادٍ بألوهيتهِ ولا ببنوَّتهِ إلى ما شاء اللهُ، ثُمَّ ما زالَ ذلكَ الحقُّ ينحسِرُ إلى أنْ أذِنَ اللهُ تباركَ اسمه بظهورِ خاتمِ الأنبياءِ والمرسلينَ عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين، بالدينِ الحقِّ المبين.
ومع كلِّ ما ذكرتُه، فإنَّ مِنْ عدلِ اللهِ جلّ وعلا ورحمتِهِ، أنْ لا يُحاسِبَ إلَّا مَنْ وصلتهُ الدَّعوةُ صافيةً لكنَّهُ قصَّرَ في اتِّباعِها ولمْ يبذُلِ الوُسعَ في طَلَبِها:-
{— وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا} [سورة الإسراء: 15].
فنحنُ على اعتقادِ أنَّ مَنْ لمْ تصِلْهُ دعوةُ الحقِّ بوضوحٍ فهوَ ناجٍ إنْ شاءَ اللهُ تعالى بشرطِ أنْ لا يكونَ قدْ قصَّرَ هوَ في طلبِها والبحثِ عنها. لذلكَ فإنَّ النَّصارى الذينَ آمنوا بسيّدِنا عيسى عليهِ السَّلامُ ما بينَ مبعثهِ ومبعثِ سيّدِنا مُحمَّدٍ صلّى اللهُ تعالى عليهِ وآلهِ وصحبهِ وسلَّمَ حتَّى وإنِ اعتقدوا أنّه قُتِلَ أوْ صُلِبَ واكتفوا بذلكَ ولمْ يرتبوا على الصَّلبِ عقائدَ أخرى كاتخاذهِ إلهًا أو ابنَ إلهٍ، فإنَّهُم بذلكَ موَحِّدونَ، وإنْ شاء الله تعالى ناجون.
أمَّا الشِّركُ فهوَ ما لا يغفِرُهُ اللهُ سبحانه ولا عُذرَ لهُمْ فيهِ، وحاشا سيّدنا المسيح عليهِ السَّلامُ أنْ يأمُرَهُمْ بذلكَ:-
{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [سورة النساء: 116].
وقولُكَ: (وإنْ كانَ اللهُ يريدُ أنْ يُضِلَّ اليهودَ لأنّهمْ قاوموا الحقَّ، لماذا يُضِلُّ الحواريينَ وأتباعَ المسيحِ الذينَ وُعِدُوا أنْ يكونوا فوقَ الذينَ كفروا إلى يومِ الدِّينِ؟)
أمَّا الحواريونَ رضيَ اللهُ تعالى عنهمْ فحاشاهُمْ أنْ يضِلُّوا، بلْ هُمُ الذينَ بلَّغوا دينَ سيّدِنا عيسى عليهِ السَّلامُ، وهمْ مِنْه بمنزِلةِ الصَّحابةِ رضوانُ اللهِ تعالى عليهِمْ مِنْ سيّدنا رسولِ اللهِ صلَّى الله تعالى وسلّم عليهِ وآله وصحبه ومَنْ والاه القائل:-
(مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ في أُمَّةٍ قَبْلِي إلَّا كانَ له مِن أمَّتِهِ حَوَارِيُّوْنَ، وَأَصْحَابٌ يأخُذُوْنَ بسُنَّتِهِ ويَقْتَدُونَ بأَمْرِهِ) الإمامُ مسلمٌ رحمه اللهُ عزّ شأنه.
وانُظرْ كيفَ يأمُرُ اللهُ جلّ ذكره عبادَهُ المؤمنينَ أنْ يقتدوا بالحواريينَ:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ} [سورة الصف: 14].
وأمَّا الذينَ وُعِدوا بأنْ يكونوا فوقَ الذينَ كفروا في قولِه تعالى:-
{وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 55].
فإنّي سائلُكَ أيُّها الباحِثُ عنِ الحقيقةِ: مَنْ هُمُ الذينَ اتَّبعوا المسيحَ عليهِ السلامُ؟
هلْ هُمُ الذينَ ادَّعوا بأنَّهُ إلهٌ؟ وهوَ الذي:-
{قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا} [سورة السيّدة مريم عليها السلام: 30].
هلْ هُمُ الذينَ قالوا ثالثُ ثلاثةٍ؟:-
{لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـٰهٍ إِلَّا إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ} [سورة المائدة: 73].
هلْ همُ الذينَ قالوا عنهُ أنهُ ابنُ اللهِ؟:-
{— وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} [سورة التوبة: 30].
هلْ همُ الذين َكفروا بسيّدنا مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وآله وصحبه وسلَّمَ وقدْ كانَ المسيحُ عليهِ السَّلامُ يُبشِرُهُمْ بهِ:-
{وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَـٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} [سورة الصف: 6].
إنَّ هؤلاء ليسوا أتباعًا للمسيح عليهِ السَّلامُ وهوَ مِنهُم بريءٌ، وسيُسألُ يومَ القيامةِ إنْ كانَ قدْ قالَ لهمُ اتخذوني إلهًا؟ ويجيبُ إجابةَ الصَّادِقِ الواثِقِ الذي لمْ يُقَصِّرْ في تبليغِ رسالتهِ:-
{وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * قَالَ اللَّهُ هَـٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [سورة المائدة: 116-119].
لا يا صاحبي، هؤلاءِ ليسوا أتباعَهُ، أتباعُهُ مَنْ آمنوا بهِ وبجَّلوهُ وعظَّموهُ التعظيمَ الذي يليقُ بعبدِ اللهِ ورسولهِ في زمانِهِ. وأتباعُهُ الذينَ جاءوا بعدَ رفعِهِ عليِه السَّلامُ فآمنوا بهِ عبدًا للهِ ورسولِهِ. وأتباعُهُ الذينَ آمنوا بسيّدنا مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وآله وصحبه وسلَّمَ وهوَ الذي بشَّرَهُمْ بهِ المسيحُ عليهِ السلامُ، هؤلاءِ همُ الذينَ قالَ اللهُ جلّ وعلا فيهِمْ:-
{— وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 55].
وأخيرًا، قولُكَ: (هلْ سيقِفُ ملايينُ المسيحيينَ أمامَ اللهِ في يومِ الدِّينِ ليقولوا ما ذنبُنا؟ نحنُ صدّقنا ما رأينا ولمْ نُعطَ عِلمًا بغيرِ ذلكَ. ألسنا نتعدّى على عدلِ اللهِ في هذا؟ هل يحتاجُ اللهُ أنْ يخدعَ الجميعَ حتى يحمي المسيحَ؟).
تمّتْ الإجابةُ عنه أعلاهُ، وأضيفُ إلى ما تقدَّمَ أنَّ الحُجَّةَ عليهِم، وسيقالُ لهُمْ إنَّ الحقَّ قد بيَّنَاهُ لكُمْ، وسيقِفُ سيّدُنا عيسى عليهِ السَّلامُ شاهدًا عليهمْ:-
{— وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا} [سورة النساء: 159].
ويقولُ لهُمْ بلْ قدْ بيَّنتُ لكُمْ وبلَّغتُ أنَّني لمْ أُصلَبْ ولمْ أُقتَلْ وقلتُ لكمْ إنِّي عبدُ اللهِ ورسولُهُ، وقدْ بلَّغكُمُ الحواريونَ هذا، وسيشهَدُ الحواريُّونَ أنَّهُمْ بلَّغوا، وستشهدُ على ذلكَ أمَّةُ سيّدنا مُحمَّدٍ صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه، فهُمْ شهودٌ على الأمَمِ بتصديقِهِمْ بكتابِ اللهِ تعالى وما فيهِ، وبما بلَّغَهُمْ نبيُّهُمْ صلّى اللهُ تعالى عليهِ وآلهِ وصحبِهِ وسلَّمَ، وبإيمانِهِمْ بكُلِّ رسُلِ اللهِ سبحانه، وبما آتاهُمُ اللهُ جلّ جلاله مِنْ عِلمٍ:-
{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [سورة البقرة: 143].
وانظرْ كيفَ يشهدُ الحواريونَ بأنَّهُمْ مسلمونَ، وكيفَ يسألونَ اللهَ تعالى أنْ يكتُبَهُمْ مَعَ الشَّاهدينَ مِنْ أمَّةِ مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وسلَّمَ:–
{قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ * رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 52-53].
أدعوكَ يا صاحبي -أقرَّ اللهُ تعالى عينَكَ بالحقِّ الذي تُنشِدُهُ- أنْ تقرأَ هذهِ الآياتِ التي وردَ فيها ذِكرُ سيّدِنا عيسى عليهِ السَّلامُ بتجرُّدٍ، وكرِّرها أكثرَ مِنْ مرةٍ، اقرأها مُستشعرًا أنَّكَ المخاطَبَ بها، واسمعها بصوتِ قارئٍ يتلُوها لكَ بأحكامِها كما في هذهِ الروابطِ:-
أيُّها الباحِثُ عنِ الحقِّ والحقيقةِ، لقدْ بشَّرَ سيّدُنا عيسى عليهِ السَّلامُ كما بشَّرَ سيّدُنا موسى عليهِ السَّلامُ مِنْ قبلُ بمقدَمِ خاتمِ الأنبياءِ سيّدِنا مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وآله وصحبه وسلَّمَ ليُكمِلَ اللهُ سبحانه بهِ الشِّرائعَ ولِيُتِمَّ بهِ الفضائلَ والأخلاقَ، ورغمَ التغييرِ الذي طرأ على التَّوراةِ والإنجيلِ إلَّا أنَّا نجِدُ بقايا تلكَ البشارَاتِ.
انظرْ مثلا هذا النَّصَّ:
(عندي الكثيرُ لأقولَهُ لكُمْ، ولكنكمْ لا تقدرونَ أنْ تحتمِلُوهُ الآنَ (12) لكنْ عندما يجيءُ روحُ الحقِّ يرشِدُكُمْ إلى كلِّ الحقِّ، لأنَّهُ لا يقولُ شيئًا مِنْ عندِهِ، بلْ يتكلَّمُ بما يسمعُ ويُخبرُكُمْ بما سيحدُثُ (13) وهوَ سيمجِّدُني، لأنَّ ما يُخبِرُكُمْ بهِ هوَ مِنْ عندي (14)) (إنجيل يوحنا 16: 12-14).
إنَّ هذا النَّصَّ ليتطابَقُ معَ وصفِ سيّدِنا مُحَمَّدٍ صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وآله وصحبه وسلَّمَ في القُرآنِ الكريمِ:-
{مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ} [سورة النجم: 2-4].
أيّها الباحثُ عنِ الحقِّ.. إنَّ هذا الذي تقرأهُ مِنْ آياتِ القُرآنِ الكريمِ هوَ البرهانُ مِنَ اللهِ جلّ في علاه، وهوَ النُّورُ المبينُ الواضحُ الذي لا تناقُضَ فيهِ، ولا يضِلُّ مَنِ اهتدى بهِ. وقدْ وعدَ اللهُ تعالى أهلَ الكُتبِ السابقةِ أمثالكَ مِنَ الذينَ آمنوا بأنبيائهِمْ، ثُمَّ لـمَّا سمعِوا بسيّدنا مُحمَّدٍ خاتمِهِمْ صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وآلهِ وصحبِهِ وسلَّمَ آمنوا بهِ، وعدَهمْ أنْ يكتُبَ لهُ الأجرَ مرتينِ:-
{ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَؤُنَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [سورة القصص: 52-54].
فهنيئًا لمنْ حازَ هذا الفضلَ مِنكُمْ أيّها النَّصارى:-
{وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [سورة الأعراف: 156-157].
هدانا اللهُ تعالى وإياكَ إلى الحقِّ، ويُرجى الاطلاعُ على جوابِ السُّؤالِ المرَقَّمِ (1762) في هذا الموقع الميمون.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلَّى اللهُ وسلَّمَ وباركَ على سيدِنا مُحمَّدٍ خاتمِ الرُّسُلِ، وعلى إخوانِهِ مِنَ الأنبياءِ والمرسلينَ، وآلِ كلٍّ وصحبِ كلٍّ وسائرِ الصَّالحينَ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.
ملاحظةٌ: نُصوصُ الإنجيلِ مأخوذَةٌ مِنْ: الإنجيلُ الشريفُ، طبعةُ دارِ الكتابِ الشريفِ، 2011، بيروت – لبنان.