29-11-2020
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أولاً، أود أنْ أشكركم على هذه الخدمة المباركة واسأل الله تعالى أنْ يجعل عملكم هذا في موازين حسناتكم وأن يجزيكم الجزاء الأوفى بما تقدمونه من توجيهات تنفعون بها المسلمين من خلال موقعكم المبارك بكم وبالعاملين عليه. اثابكم الله خير الثواب في الدنيا والآخرة.
سيدي الفاضل سؤالي هو كالتالي:
نحن نفكر في إنشاء شركة استثمارية تستثمر في العقارات (المباني السكنية بشكل رئيسي) في الدول الغربية. لقد حرصنا على اختيار القطاعات العقارية التي يوجد بها أقل عدد من المشكلات الشرعية المحتملة (مثل تجنب الفنادق ومراكز التسوق وما إلى ذلك)، ولكن لا تزال هناك بعض الأسئلة:
1- في بعض الوحدات السكنية، قد يكون المقيمين غير متزوجين ولكنهم يعيشون معًا، حيث ان هذه الظاهرة كما تعلمون ليست نادرة في الغرب. لن يكون مدير الممتلكات قادرًا (ومن المحتمل ألا يُسمح له قانونًا) بالسؤال أو التحقق من الحالة الاجتماعية للمقيمين بسبب قوانين مكافحة التمييز التي تحظر التمييز على أساس العرق والجنس وغيرها.
2- قد تحتوي بعض المباني السكنية على حمامات سباحة وصالات رياضية مختلطة بين الجنسين لاستخدام السكان دون أي تكلفة إضافية (أي أن استخدام هذه المرافق مشمول في الإيجار الشهري). لن يكون مدير العقار قادرًا على تنظيم أو فرض قواعد اللباس المناسبة أو الفصل بين الجنسين في السباحة أو الصالة الرياضية. بالإضافة إلى ذلك، قد يرغب السكان في عقد تجمعات حول المسبح أو المناطق العامة في المجمع السكني كالحديقة وقد تتضمن هذه التجمعات الموسيقى والكحول.
3- على الرغم من أننا سنكون مالكين للعقار، إلا أن الإدارة اليومية للممتلكات ستتم من قبل شركة محلية متخصصة في إدارة الممتلكات. ستكون هذه الشركة مسؤولة عن العثور على مستأجرين جدد، والتفاوض بشأن عقود الإيجار، وتسويق الممتلكات، وجمع الإيجار، وما إلى ذلك. من غير المحتمل أن يكون موظفو هذه الشركة مسلمين، وفي حين أننا قد نكون قادرين على تنظيم السياسات العامة (على سبيل المثال عدم احتساب أي فائدة ربوية على مدفوعات الإيجار المتأخرة) لن نتمكن من مراقبة سلوكهم اليومي (على سبيل المثال كيفية تسويقهم للشقق وما الى ذلك)
4- من الشائع لمشتري هذه العقارات شراء بوليصة تأمين تحمي من الخسائر المحتملة مثل الكوارث الطبيعية والفيضانات والزلازل وغيرها بالإضافة إلى أي دعاوى قضائية قد يرفعها المستأجر ضد مالك العقار (على سبيل المثال، إذا سبب شيء ما في العقار في ضرر جسدي أو إصابة للمستأجر – يمكن أن تصل المسؤولية عن ذلك إلى ملايين الدولارات). لا توجد شركات تكافل في مثل هذه البلدان، لذلك سيلجأ المشتري للحصول على بوليصة تأمين تقليدية.
هل يمكنكم أن توضحوا لنا القضايا الشرعية المتعلقة بما ورد أعلاه وما إذا كان يمكن حلها؟ وهل يجب الامتناع عن الاستثمار في مثل هذه المشاريع؟
نشكركم جزيل الجزاء سيدي واعتذر على الإطالة
من: ابو خديجة
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
حيّاك الله جلّ وعلا في هذا الموقع الكريم، وأشكر لك حسن ظنّك بي، وجميل دعواتك وتمنياتك، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يكرمك ويزيدك من فضله إنّه سبحانه هو السميع العليم.
قال الإمام السرخسي رحمه الله عزّ وجلّ:-
(وَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُؤَاجِرَ الْمُسْلِمُ دَارًا مِنْ الذِّمِّيِّ لِيَسْكُنَهَا فَإِنْ شَرِبَ فِيهَا الْخَمْرَ، أَوْ عَبَدَ فِيهَا الصَّلِيبَ، أَوْ أَدْخَلَ فِيهَا الْخَنَازِيرَ لَمْ يَلْحَقْ الْمُسْلِمَ إثْمٌ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَاجِرْهَا لِذَلِكَ وَالْمَعْصِيَةُ فِي فِعْلِ الْمُسْتَأْجِرِ وَفِعْلُهُ دُونَ قَصْدِ رَبِّ الدَّارِ فَلَا إثْمَ عَلَى رَبِّ الدَّارِ فِي ذَلِكَ) المبسوط (16/39).
وقال أيضًا في موضع آخر:-
(وَلَوْ كَانَ الْمُسْتَأْجِرُ مُسْلِمًا فَظَهَرَ مِنْهُ فِسْقٌ فِي الدَّارِ أَوْ دَعَارَةٌ أَوْ كَانَ يَجْمَعُ فِيهَا عَلَى الشُّرْبِ مَنَعَهُ رَبُّ الدَّارِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ لَا لِمِلْكِهِ الدَّارَ بَلْ عَلَى سَبِيلِ النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ فَإِنَّهُ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَاحِبُ الدَّارِ وَغَيْرُهُ فِيهِ سَوَاءٌ، وَلَيْسَ لِرَبِّ الدَّارِ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ الدَّارِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ لَازِمٌ لَا يُفْسَخُ إلَّا بِعُذْرٍ وَالْعُذْرُ ضَرَرٌ يَزُولُ بِفَسْخِ الْإِجَارَةِ وَهَذَا لَيْسَ مِنْ تِلْكَ الْجُمْلَةِ فَلَا تُفْسَخُ الْإِجَارَةُ لِأَجْلِهِ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ بَاعَهُ الدَّارَ كَانَ يَفْسَخُ الْبَيْعَ لِمَا ظَهَرَ مِنْهُ؟ لَا سَبِيلَ لَهُ إلَى ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْإِجَارَةُ) المبسوط (15/135).
ولأجل توضيح هذه الأقوال وبيان استدلالها، أنّ القاعدة الفقهية المقررة:-
(كُلُّ وَسِيْلَةٍ حُكْمُهَا حُكْمُ مَقْصَدِهَا).
فالشريعة الإسلامية حرصت على بيان أحكام الوسائل والمقاصد، والوسائل تابعة لحكم المقاصد، فإنْ كان القصد أو النيّة لأجل الحرام فالوسيلة حرام، وهكذا مع الواجب والمندوب والمكروه والمباح، “فالأمور بمقاصدها” قال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه:-
(إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى —) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
فبناء المجمعات السكنية إنّما كان القصد منها السكن، وهذه النيّة الأساس لا إشكال عليها، أمّا إذا كانت النيّة لأجل أنْ تكون مرتعًا للخَنَا والدعارة وشرب الخمر، فهو محرّم ابتداءً وانتهاءً، قال الإمام ابن قدامة رحمه الله جلّ جلاله:-
(وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ إجَارَةُ دَارِهِ لِمَنْ يَتَّخِذُهَا كَنِيسَةً، أَوْ بِيعَةً أَوْ يَتَّخِذُهَا لِبَيْعِ الْخَمْرِ أَوْ الْقِمَارِ) المغني (5/408).
أمّا المسابح والصالات الرياضية فإنْ كانت غير مختلطة كأنْ يقال: هذا للرجال، وهذا للنساء، فهو أمر محمود لِمَا فيه من التأكيد على تقوية الأبدان وتطهيرها، والترفيه عن النفس.
أمّا إذا كانت غير ذلك (أي مختلطة)، فهو مذموم ويجب التهرّب منه قدر المستطاع.
فإنْ لم يمكن فأرجو من الله تعالى ألّا يؤاخذك لأنّ النيّة هي الإسكان، ويا حبّذا أنْ تضيف على هذا المجمّع مسجدًا جامعًا، أو مصلىً خاصًّا، وأنْ تختار للمجمّع المناطق التي تسكنها الجاليات الإسلامية.
فلعلّ هذا يؤدّي إلى استثمار تلك المجمعات من قبل الجاليات المسلمة بسبب وجود ذلك المسجد أو المصلّى، فتطفئ هذه الحسنة آثار تلك السيئة.
والتوجّه هذا وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله جلّ في علاه القائل:-
{اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [سورة العنكبوت: 45].
والقائل سبحانه:-
{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [سورة سيّدنا هود عليه السلام: 114].
أمّا سؤالك عن التأمين فأرجو مراجعة جواب السؤال (2225) في هذا الموقع الميمون.
والله تعالى أعلم وأحكم.
وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.