01-12-2020
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
حفظكم الله سبحانه وتعالى سيّدي بحفظه من كلّ شرّ وسوء ومرض وكرب وبلاء وألبسكم لباس الصحة والعافية والمعافاة الكاملة، وأطال الله سبحانه وتعالى لنا وللمسلمين بعمركم المبارك، ورفعنا الله سبحانه وتعالى بكم، سيّدي رضي الله تعالى عنكم وأرضاكم لديّ سؤال وهو:
رجل اشترى قطعة أرض بمبلغ ١٦٠ ورقة، دفع إليه ١٠٠ وحين استلام الأرض يدفع المبلغ المتبقي، وكان الموعد بينهم ٦ سنوات، فلمّا حان وقت تسليم الأرض للمشتري انقلب البائع، هل يحقّ للمشتري أنْ يطالب بأرباح ١٠٠ ورقة التي أعطاها للبائع قبل ٦ سنوات؟
وجزاكم الله تعالى سيّدي والقائمين على الموقع كل خير
من: سائل
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
حياكم الله جل جلاله، وبارك لكم مروركم الكريم على هذا الموقع المنور وأسأله تعالى ان يمدكم من نوره وعلومه الشريفة بما يُصلح شأنكم في الدنيا والآخرة، وبعد:-
قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ —} [سورة المائدة: 1].
فالوفاء بالعهد والعقد من صفات المؤمنين، أمّا نقض العهد والوعد فمن صفات المنافقين نعوذ بالله تعالى، قال الصادق الأمين صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه أجمعين:-
(آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ) الإمام البخاري رحمه الباري جلّ وعلا.
وينبغي للمسلم أنْ يتمسّك بهدايات هذه النصوص الشريفة ويتوكّل على الله جلّ جلاله، ولا يلتفت إلى تسويل النفس الأمّارة بالسوء ووساوس الشياطين التي تَعِدُ بالفقر والباطل، قال الله تباركت أسماؤه:-
{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [سورة البقرة: 268].
أمّا تفصيل المسألة فالتراجع عن البيع من قبل البائع أو المشتري:-
إمّا أنْ يكون بعد تمام البيع أو قبله، فإنْ كان قبله فهو رجوع عن وَعْدٍ وَعَدَ كلّ منهما به الآخر، والتراجع عنه لا يوجب حقًّا ماليًّا على أحد منهما إلّا أنْ يلحق بالموعود ضررٌ فيُقدّر له مبلغ بقدر الضرر الفعلي، يحكم به ذوو الاختصاص ويتصالحون عليه، أو أنْ يعفو أحدهما عن الآخر من غير تعويض، قال جلّ في علاه:-
{— وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى —} [سورة البقرة: 237].
أمّا إنْ كان البيع قد تمّ ولكن لم ينقد المشتري الثمن وإنّما دفع جزءاً منه كعربون إنْ مضى البيع احتسب من الثمن، وإنْ لم يمض لم يرد وأخذه البائع فهذا هو بيع العربون، وقد أجازه طائفة من أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم، فإنْ كان التراجع من البائع كما جاء في سؤالك الكريم فليس له ذلك أصلا، ويجب عليه تسليم المبيع إلى المشتري كما يجب على المشتري نقد باقي الثمن؛ فإنْ رفض البائع فللمشتري أنْ يرفع أمره للقضاء بموجب عقد البيع الذي تمّ بين الطرفين، وبموجبه يستحق الأرض على أنْ يدفع باقي المبلغ على وفق بنود وشروط العقد، وليس له أنْ يُطالب بأرباح المبلغ الذي دفعه للبائع فليس في ذلك وجه مشروع، ولكن إنْ أقَالَ المشتري البائع مقابل مبلغ يدفعه إليه ويتصالحا على ذلك مع ردّ العربون فلا مانع.
ولمزيد اطلاع وفائدة أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (2395، 2589) في هذا الموقع المبارك.
وأخيرا فلنتشرّف بهدايات قول سيّدنا النبيّ الكريم عليه وآله وصحبه الصلاة والتسليم:-
(مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا بَيْعَتَهُ؛ أقَالَهُ اللهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود.
وما أحوج المسلم يوم القيامة إلى عفو الله جلّت قدرته، وما أفقره إلى مغفرته سبحانه ينقذه الله عزّ وجلّ بهما من هول الحساب وشدّة العذاب، ووطأة العقاب، وليس ذلك بالصعب ولا بالمحال، فمَنْ أقال في الدنيا مسلمًا من عثرته، أقاله الله عزّ شأنه يوم القيامة من أهوال الحساب، نسأل الله سبحانه أنْ يقيلنا من عثرات الدنيا والآخرة بجاه الحبيب المصطفى صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أهل الصدق والوفا.
والله سبحانه أحكم وأعلم.