2020-12-15
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
جزاكم الله تعالى عنّا خيرًا فضيلة الشيخ وبارك فيكم ونفع بكم الإسلام والمسلمين.
شيخ أود من حضرتكم التكرّم ببيان موقف السالك تجاه الأشخاص ذوي الشخصية النرجسية، الذين يكون لديهم حبّ كبير لذاتهم وأنانية مفرطة وشعور مبالغ في أهميتهم، ولديهم أوهام النجاح والقوة، والمعجبين بشكل مفرط في أنفسهم لدرجة أنّهم يتحدثون دائماً بصفتهم أشخاص فريدين من نوعهم، ولديهم شعور بالاستحقاق فهم يحاولون الكسب دائمًا ولو على حساب الغير، وتدلّ موافقهم على التكبّر والتعالي والغرور والعجرفة، كما أنّ أصحاب تلك الشخصية يستغلون الآخرين لمصالحهم الشخصية لأقصى درجة ممكنة، وهم أيضًا حسودين يسعون دائما لازدراء الأشخاص المتفوقين عليهم للتقليل من شأنهم، يعتبرون أنّ الآخرين وممتلكاتهم عبارة عن امتداد لهم، كما أنّ عدم خضوع الأشخاص لهم لا سيما المقرّبين جدًّا يجعلهم يتعرّضون لهم بإساءات وأذى نفسي كبير جدًّا وقد يصل إلى أذى جسدي حتى يتمّ الرضوخ لهم.
جزاكم الله تعالى عنا خيرًا وبارك فيكم ووفقكم لكلّ خير.
من: سائلة
الرد:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أشكركم كثيرا على تواصلكم العطر مع هذا الموقع الكريم، وعلى دعواتك الطيّبة، وأسأل الله جلّ في علاه أنْ يوفقكم لما يحبّ ويرضى إنّه سبحانه سميع مجيب، وبعد:-
في البدء ينبغي أنْ أؤكد بأنّ السالك لا يختلف عن بقيّة الأمّة الإسلامية من حيث الأصل فهو منهم، بل هو المعاهد ربّه سبحانه على أنْ يكون أكثرهم التزاما بالشرع الشريف، الذي يوصي بالتعامل مع الآخرين بإحسان الظنّ بهم؛ قال الحقّ جلّ جلاله:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [سورة الحجرات: 12].
ومن هدايات خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين التماس العذر فيما بينهم لدفع خواطر الشرّ التي تؤدي إلى القطيعة والضغينة فقال:-
(إِذَا بَلَغَكَ عَنْ أَخِيكَ الشَّيْءُ تُنْكِرُهُ فَالْتَمِسْ لَهُ عُذْرَاً وَاحِدَاً إِلَى سَبْعِينَ عُذْرَاً، فَإِنْ أَصَبْتَهُ وَإِلَّا قُلْ: لَعَلَّ لَهُ عُذْرَاً لَا أَعْرِفُهُ) الإمام البيهقي رحمه الله الوليّ سبحانه.
ولمزيد فائدة أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (1849، 2433) في هذا الموقع المبارك.
أمّا في حالة وجود مثل تلك الصفات التي جاءت في رسالتك الطيّبة فحينئذ أتوجّه إلى هذا الشخص لحقّه عليّ بالنصيحة لقول الحبيب المحبوب صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أتقياء القلوب:-
(الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ).
الإمام مسلم رحمه المنعم عزّ وجلّ.
وهنا نحتاج بعد الصدق والإخلاص إلى الرحمة والحكمة والصبر؛ فهذه الثلاثة هي أركان الدعوة المثمرة، فلا بُدّ للناصح أنْ يكون رحيما لطيفا مشفقا على المنصوح؛ حاله كحال الطبيب مع مريضه، وينبغي أنْ يكون حكيما فيختار الكلام المناسب كمًّا ونوعًا مع المدعوّ في الوقت الملائم.
ثمّ لا شكّ أنّ الوقت جزء من العلاج لكلّ مرض وهنا لا بُدّ للداعي أنْ يتحلّى بالصبر حتى يرى أثر نصيحته في الشخص المنصوح، وإليك هدايات القرآن الكريم في الرحمة والحكمة والصبر في هذا الباب العظيم:-
ففي الرحمة قوله جلّ جلاله:-
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [سورة آل عمران عليهم السلام: 159].
وفي الحكمة قوله جلّ ذكره:-
{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [سورة النحل: 125].
وفي الصبر قوله تباركت أسماؤه:-
{— وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [سورة سيّدنا يونس عليه السلام: 109].
وممّا يُساعد المسلم على التخلّص من هذه الأدواء الباطنة التعلّق بالسادة المرشدين رضي الله تعالى عنهم وعنكم، واتباع نهجهم، وسلوك طريق التزكية النبوية الشريفة.
وللاطلاع على أهمية هذا الموضوع أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (1477) في هذا الموقع الميمون.
والله عزّ وجلّ أحكم وأعلم.
وفقكم الله جلّ وعلا ونفع بكم، وصلّى الله تعالى وسلّم على أزكى الورى سيّدنا محمّد المصطفى وآله وصحبه أهل الصدق والوفا.