2020-12-22
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى
سيّدي الحبيب جزاكم الله عزّ وجلّ خيرًا ورضي عنكم وأرضاكم وأسعدكم في الدنيا والآخرة وزادكم علمًا ورزقكم التمكين في كلّ شيء.
وصلتني هذه الرسالة في مدح الحبيب صلوات الله تعالى وسلامه عليه وآله وصحبه أجمعين:-
“جاء سيّدنا بلال بن رباح لسيّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أتأذن لي يا رسول الله أنْ أمدحك بلغتي، فقال رسول الله: قل يا بلال، فقال سيّدنا بلال:
“أره بره كن كره * كراي كري مندره”
فتبسّم سيّدنا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وقال لسيّدنا حسّان خذ منه معنى البيت وقله أنت باللغة العربية..
فهمس سيّدنا بلال في أذن سيّدنا حسان، فقال سيّدنا حسان: يا رسول الله إنّ بلالا أراد أنْ يقول:-
“إذا المكارم في آفاقنا ذكرت *** فإنّما بك فينا يضرب المثل”.
سؤالي هو ما مدى صحتها؟ وعلى ماذا تدلّ؟
وصلّى الله تعالى وسلّم على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
من: مقداد
الردّ:-
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
من دواعي فرحي أنْ تكونوا ممّنْ يتابع هذا الموقع الميمون، وأحبّ أنْ أشكر جنابكم الكريم على هذه الدعوات المباركة، وأسال الله جلّت قدرته أنْ يجزيكم جزاء عباده الصالحين، ويمنّ عليكم بالتوفيق والسداد إنّه سبحانه وليّ ذلك والقادر عليه، وبعد:-
فأمّا سؤالكم ففيه محوران:-
الأوّل:- الحكم عليها:-
إنَّ هذه الرواية التي وردت في سؤالكم الكريم ممّا لم يروَ في دواوين السنّة المطهّرة صلوات الله تعالى وسلامه على صاحبها وعلى آله وصحبه أجمعين، على حسب علمي، فليس لها أصلٌ، مع توفّر دواعي نقلها عند الأئمة رحمهم الله تعالى؛ لتعلّقها بمدح سيّد السادات عليه من الله سبحانه أزكى السلام والصلوات، وعلى آله وصحبه أهل البرّ والخيرات، وما كان هذا شأنه فقد حَكَمَ عليهِ العلماء رضي الله تعالى عنهم وعنكم بالوضع.
قال الإمام بدر الدين الزركشي رحمه الله جلّ في علاه:-
(وَإِمَّا لَا أَصْلَ لَهَا الْبَتَّةَ، فَالنَّاقِلُ لَهَا يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ يَقُلْ عَنِّي مَا لَمْ أَقُلْ، فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) اللآلئ المنثورة في الأحاديث المشهورة (ص: 25).
فهذه وغيرها ممّا ليس له أصل، لا يجوز نقلها ولا نشرها، وأرجو من أحبابي جميعًا أنْ يتحفظوا فيما ينسب لحضرة خاتم النبيين، وسيّد المرسلين، عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه أجمعين، في مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها ولا ينقلوا منها ما لم يتثبتوا منه فإنَّ فيه خطرًا على ناقله، ويخشى عليه أنْ يكون ممّن كذب على سيّدنا رسول الله تعالى صلّى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه ومَنْ والاه.
فقد أمرنا الله جلّ جلاله وعمّ نواله بالتثبّت والتبيّن فقال سبحانه:-
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا —} [سورة الحجرات: 6].
وهذا التثبّت ليس مقصورًا على ما ينقله الفاسق، فقد قال عزّ من قائل معلّمًا لنا طريقة التثبّت حكاية عن سيّدنا سليمان عليه السلام في خطابه لطائر لم يعهد عليه كذبا.
{قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} [سورة النمل: 27].
وقال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلّم وآله وصحبه أجمعين:-
(كَفَى بِالمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ) الإمام مسلم رحمه الرحيم المنعم عز شأنه.
فهذا منهج ربانيٌّ وضعه للنّاس، تصلح به آخرتهم ودنياهم.
الثاني:- دلالتها:-
هذه الرواية لا يصح أنْ يستدلّ بها على شيء لعدم ثبوتها.
وأمّا ما تدلّ عليه من استحباب ذكر شمائل حضرة النبيّ صلّى الله تعالى عليه وسلّم وعظّم وآله وصحبه أهل الفضل والكرم، بلسان غير العرب فهو ثابت بأدلة الشرع الشريف، فمنها:-
عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ رَحِمَهُ العَزِيْزُ الغَفَّارُ جَلَّ شَأنُهُ قَالَ:-
(لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاةِ؟ قَالَ: أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي القُرْآنِ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الأحزاب: 45]، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلاَ غَلِيظٍ، وَلاَ سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلاَ يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجَاءَ، بِأَنْ يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
ومعلوم أنَّ التوراة أنزلها الله جلّ وعلا بغير لسان العرب.
وَعَنْ سَيِّدِنَا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ:-
(أَنَّ الْحَبَشَةَ كَانُوا يَزْفِنُونَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامٍ لَا يَفْهَمْهُ. فَقَالَ رَسُوْلُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا يَقُولُونَ؟ قَالُوْا: مُحَمَّدٌ عَبْدٌ صَالِحٌ) الإمام ابن حبان رحمه الرحمن جلّ جلاله.
ومعنى (يَزْفِنُونَ) أَيْ يرقُصُون. النهاية في غريب الحديث (2/305).
فهذا يدلّنا على مشروعية ذكر شمائل سيّدنا الحبيب صلى الله تعالى وسلّم عليه وآله وصحبه أهل الفضل والطيب، بلسان غير العرب.
ففيما ثبت في شرعنا الشريف غُنية عمَّا وضعه الواضعون، والحمد لله ربّ العالمين.
ولمزيد اطلاع على ما تدلّ عليه مثل الروايات الشريفة أرجو مراجعة جواب السؤالين المرقمين (169، 2700) والمشاركة المرقمة (23) في هذا الموقع النافع.
والله تبارك اسمه وتعالى جدّه أعلم.
والصلاة من ربّنا وأزكى التحيات على سيّد السادات وعلى آله وصحبه أهل البر والخيرات.