23-1-2021
السؤال:
جناب الدكتور حضرة الشيخ سعدالله حفظكم الله ورعاكم بالعناية المحمدية العظمى صلّى الله عليه وآله وصحبه والتابعين لهديه وسلّم تسليمًا كثيرًا.
﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾
مفهوم النقيض يستلزم الحضور الروحي النوراني بالرابطة مع الأستاذ المرشد الكامل المكمل فتسمع وتبصر به الحقائق هي هي.
هل الحديث القدسي الشريف العظيم هو تفسير لمفهوم النقيض لقوله تعالى ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾
(إنَّ اللَّهَ قالَ: مَن عادَى لي ولِيًّا فقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وما تَرَدَّدْتُ عن شيءٍ أنا فاعِلُهُ تَرَدُّدِي عن نَفْسِ المُؤْمِنِ، يَكْرَهُ المَوْتَ وأنا أكْرَهُ مَساءَتَهُ).
من: أحمد عبد الجليل العبيدي
الرَّد:-
السّلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
من دواعي فرحي متابعتكم الكريمة لهذا الموقع الميمون، أسأل الله جل وعلا أنْ ينوّر لكم البصيرة، ويفتح لكم فتوح عباده الصالحين.
قبل الجواب عن سؤالكم المبارك أود أنْ أبيّن لجنابكم الكريم أنَّه ليس من تعاليم منهجنا الذي تربّينا عليه أنْ نَقْتطع الآيات الكريمة عن سياقها، أو أنْ نلوي بأعناق النصوص الشريفة لأجل أنْ نستدلّ بها على ما نريد إثباته أو نفيه، فهذه طريقة بعض الفرق التي ابتعدت عن المنهج السليم في الاستدلال.
فلا يصحّ عندي أنْ نستدلّ على الرابطة الشريفة مع السادة المرشدين رضوان الله تعالى عنهم أجمعين بقوله عزَّ من قائل:-
{أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ —} [سورة السيدة مريم عليها السلام: 38].
وذلك لأنَّ السياق الكريم ورد في وصف أهل الكفر والضلال، يوم الرجف والزلزال، فقال سبحانه:-
{— فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ * أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [سورة السيدة مريم عليها السلام: 37، 38].
فالضمير في قوله جلّ في علاه {بِهِمْ} يعود على الذين كفروا بإجماع أهل التفسير رضي الله تعالى عنهم وعنكم فيكف نعيده على السادة المرشدين رضوان الله سبحانه عنهم أجمعين؟!.
وقد فسَّر هذه الآية الشريفة الإمام الطبري رحمه الله جلّ جلاله فقال:-
(يقول تعالى ذكره مخبرًا عن حال الكافرين به، الجاعلين له أندادا، والزاعمين أن له ولدا يوم ورودهم عليه في الآخرة: لئن كانوا في الدنيا عميا عن إبصار الحقّ، والنظر إلى حجج الله التي تدلّ على وحدانيته، صما عن سماع آي كتابه، وما دعتهم إليه رسل الله فيها من الإقرار بتوحيده، وما بعث به أنبياءه، فما أسمعهم يوم قدومهم على ربهم في الآخرة، وأبصرهم يومئذ حين لا ينفعهم الإبصار والسماع) تفسير الإمام الطبري رحمه الله تعالى (18/199).
وأمّا الرابطة الشريفة فلها بحمد الله عزّ وجلّ أدلتها فلا نحتاج إلى هذه الطريقة في الاستدلال، وللتعرّف عليها أرجو قراءة كتاب الرابطة القلبية المنشور في هذا الموقع الميمون، ومراجعة جواب السؤال المرقمة (1180).
وأمَّا الحديث القدسي الشريف فقد فسّره علماؤنا عليهم رحمة الله تعالى، وبيّنوا معناه، منهم الحافظ ابن حجر رحمه المولى الأبرّ فقال:-
(وَقَدِ اسْتُشْكِلَ كَيْفَ يَكُونُ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا سَمْعَ الْعَبْدِ وَبَصَرَهُ إِلَخْ.
وَالْجَوَابُ مِنْ أَوْجُهٍ:-
أَحَدُهَا: أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَالْمَعْنَى: كُنْتُ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ فِي إِيثَارِهِ أَمْرِي فَهُوَ يُحِبُّ طَاعَتِي وَيُؤْثِرُ خِدْمَتِي كَمَا يُحِبُّ هَذِهِ الْجَوَارِحَ.
ثَانِيهَا: أَنَّ كُلِّيَّتَهُ مَشْغُولَةٌ بِي فَلَا يُصْغِي بِسَمْعِهِ إِلَّا إِلَى مَا يُرْضِينِي وَلَا يَرَى بِبَصَرِهِ إِلَّا مَا أَمرته بِهِ.
ثَالِثهَا: أجعَل لَهُ مَقَاصِدَهُ كَأَنَّهُ يَنَالُهَا بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ إِلَخْ.
رَابِعُهَا: كُنْتُ لَهُ فِي النُّصْرَةِ كَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَيَدِهِ وَرِجْلِهِ فِي الْمُعَاوَنَةِ عَلَى عَدُوِّهِ.
خَامِسُهَا: أَنَّهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ وَالتَّقْدِيرُ كُنْتُ حَافِظَ سَمْعِهِ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ فَلَا يَسْمَعُ إِلَّا مَا يَحِلُّ اسْتِمَاعُهُ وَحَافِظُ بَصَرِهِ كَذَلِكَ إِلَخْ.
سَادِسُهَا: هُوَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى سَمْعِهِ مَسْمُوعَهُ لِأَنَّ الْمَصْدَرَ قَدْ جَاءَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ إِلَّا ذِكْرِي وَلَا يَلْتَذُّ إِلَّا بِتِلَاوَةِ كِتَابِي وَلَا يَأْنَسُ إِلَّا بِمُنَاجَاتِي وَلَا يَنْظُرُ إِلَّا فِي عَجَائِبِ مَلَكُوتِي وَلَا يَمُدُّ يَدَهُ إِلَّا فِيمَا فِيهِ رِضَايَ وَرِجْلَهُ كَذَلِكَ.
وَقَالَ الطُّوفِيُّ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ أَنَّ هَذَا مَجَازٌ وَكِنَايَةٌ عَنْ نُصْرَةِ الْعَبْدِ وَتَأْيِيدِهِ) فتح الباري (11/344) بتصرّف يسير.
ومع هذه الأوجه فقد يكرم الله جلّ في علاه عبده المواظب على النوافل بعد إحكام الفرائض فيجعله يسمع من الأصوات ما لا يسمع غيره ويبصر من الأنوار وغيرها ما لا يبصره غيره إلى آخر المعاني الشريفة، وهذا ممَّا يسمّيه أهل العلم رضي الله سبحانه عنهم وعنكم بالكرامة التي يكرم بها الكريم جلّ جلاله عباده وأولياءه.
فظهر لكم إنْ شاء الله تعالى مفهوم هذا الحديث الشريف، وفقني الله عزّ شأنه وإيّاك والمسلمين للقيام بفراضه والمواظبة على النوافل التي أكرمنا سبحانه بها إنّه جواد كريم.
وربُّ الأربابِ جلّ ذكره أعلم بالصواب.
وصلّى الله تعالى وسلّم على صاحب الخلق العظيم، والخير العميم، والصراط المستقيم، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه أفضل صلاة وتسليم.