2021-12-31
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
حفظكم الله سبحانه وتعالى سيّدي وألبسكم لباس الصحة والعافية، سيّدي رضي الله تعالى عنكم وأرضاكم سائل يسأل فيقول:-
لديّ أرض ولي فيها مكان مرتفع، وهذا المكان المرتفع بعض الناس استخدموه لكي يكون مقبرة فدفنوا فيه أطفالا صغارا، ومنذ عشر سنوات لم يدفن في هذه الأرض أحد، والآن أريد أنْ أستثمر هذه الأرض وأرتبها من أجل أن أقوم بزراعتها، فماذا يترتب عليّ بشأن هؤلاء الأطفال؟ وكيف تكون الصورة؟
وجزاكم الله سبحانه وتعالى سيّدي حضرة الشيخ والقائمين على هذا الموقع المبارك كلّ خير.
الاسم: يوسف
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تعلّقك المبارك بهذا الموقع الطيّب، ودعواتك الكريمة، وأسأله جلّ في علاه أنْ يوفقك لكلّ خَيْر، ويدفع عنك كلّ ضَيْر، إنّه سبحانه قريب مجيب.
احترام القبور، وعدم إزالتها واجب شرعي ينبغي مراعاته، ويمكن عزل القبور الموجودة في الأرض بحاجز ثم استثمار الباقي بالزراعة إذا كان الدفن تم بعلمك ورضاك، وبعكسه تُعدّ مغصوبة، ويمكن نقل عظام الموتى إلى المقبرة.
قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز:-
{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ —} [سورة الإسراء: 70].
فالله تبارك اسمه كرَّم الإنسان حيًّا وميتًا، ومن كرامته بعد موته أنْ لا يُنبَشَ قبرُه، ولا تُنتَهَكَ حرمتُه؛ وعليه فلا يجوز نبش القبور ولا إزالتها ما دام فيها عظام الموتى، وقد قال سيّدنا رسول الله صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم:-
(كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا) الإمام أبو داود رحمه الغفور الودود عزّ شأنه.
وقال عليه وآله وصحبه الصلاة والسلام:-
(لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ) الإمام مسلم رحمه الله المنعم عزّ وجلّ.
كلّ هذا وغيره يدلّ على حرمة الميت، ووجوب المحافظة على قبره، وصرف الأذى عنه.
والقبور الموجودة في أرضك لها حالتان:-
الأولى: أنْ يكون الميت المدفون قد بُلي وصار ترابًا، ولم يبق له أيّ أثر، فيجوز استخدام الأرض في الزرع والبناء وغيره.
الثانية: أنْ تكون ما زالت بعض آثاره باقية، وفي هذه الحالة لا يجوز نبش قبره ولا إخراجه منه، وإنْ نبش ظنًّا أنّه قد بُلي فوجدت بعض عظامه وآثاره؛ ردّ عليه التراب ودفن مكانه.
وبحسب التقارير الطبية والملاحظة الواقعية فإن تحلل عظم الإنسان يختلف باختلاف عمره وطبيعة ومناخ المكان الذي دُفن فيه، ولكن على الأغلب فإن تحلل العظام يحتاج إلى مدة طويلة تتراوح بين خمسة عشر إلى خمس وعشرين عامًا، وقد يحتاج إلى مئات السنين ليتحوّل إلى تراب.
لذا فمن باب الاحتياط نقول ببقاء بقايا عظام الموتى، ويمكن التأكد من ذلك عمليًّا، فإن تبين تحولها إلى تراب فبها ونعمت، وإلّا ردّت العظام ودفنت مكانها.
ولقد مضت عادة الناس على دفن الموتى من الأطفال في الأماكن الخالية والمتروكة، وربما هذا ما دفعهم لدفن أطفالهم الميتين في تلك التلة من أرضك، ولا نعلم إن كان هذا تم بعلمك وموافقتك أم لا، وعليه سنبين الحكم في الحالتين.
الأولى: الدفن تم بعلم وموافقة صاحب الأرض.
المكان الذي يدفن فيه الميت يُعتبر وقفًا عليه، فلا يجوز بيعه ولا التصرّف فيه، فما دام الدفن تم برضى صاحب الأرض، فقد أصبح المكان وقفًا على صاحب القبر، ولا يجوز نقله، وكذلك الحال إذا كان صاحب الأرض قد اشتراها وهو يعلم بوجود القبر في الأرض قبل البيع، فليس له حق في الاعتراض؛ لأنّ إمضاء العقد مع العلم بالحال يعتبر قبولًا ورضًا.
والحلّ الذي أقترحه هو عزل هذه القبور بحاجز -خاصة كونها على تلة- وزراعة باقي الأرض، ولو أدى ذلك إلى إنقاص بعض مساحة الزراعة؛ فإنّ مراعاة حرمة الميت أولى من السعي نحو الربح الكثير، ومن ترك شيئًا لله جلّ جلاله عوّضه خيرًا منه، لما ورد في الحديث الصحيح أنّ حضرة النبيّ صلوات ربي وسلامه عليه وآله وصحبه قال:-
(إِنَّكَ لَنْ تَدَعَ شَيْئًا لِلَّهِ إِلَّا بَدَّلَكَ اللهُ بِهِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْهُ) الإمام أحمد رحمه الله الممجد سبحانه.
الحالة الثانية: كون صاحب الأرض لم يعلم بالدفن ولا يرضى به.
إذا تمّ الدفن بغير رضى صاحب الأرض أو علمه، فيجوز له نقل الموتى؛ لأنّها عندئذٍ تكون أرضًا مغصوبة من جهة أنّه تمّ التصرّف بها دون علم صاحبها.
ويمكن إعلام أهل المنطقة عن طريق إمام الجامع مثلًا ليتمّ نقل رفات الموتى، ولكي يعلم الناس الأمور الشرعية المتعدّدة المتعلّقة بهذه المسألة فلا يرتكبوا مثل تلك الأخطاء.
كما ينبغي لأصحاب الأراضي والعقارات والأموال الأخرى الاهتمام بها واستثمارها لكي لا تتعرض للإهمال والاغتصاب والتعطيل، ولمزيد إطلاع أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2327) في هذا الموقع المبارك.
والله جلّت قدرته أعلم.
وصلّى الله تعالى على الرحمة المهداة سيّدنا محمّد، وآله وصحبه وسلّم تسليمًا كثيرًا.