7/2/2022

نص السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله سيّدي حضرة الشيخ سعد الله أسعدكم المولى تعالى وأسعد بكم الأمّة الإسلامية.

سؤالي: صاحب محل لبيع أجهزة الموبايل يشتري منصة خاصّة بالتعامل النقدي من أحد المصارف، ولديه بها بطاقة خاصّة بالمحل (ماستر كارد) ويكون التعامل معها الآتي:-

أنْ يبيع جهاز موبايل أو غيره من السلع بالأقساط للمشتري الذي لديه بطاقة ماستر كارد؛ وعن طريق المنصة يُستقطع من راتب المشتري شهريا ويرده للبائع عن طريق بطاقته، ويقوم المصرف بأخذ نسبة مئوية من البائع لا من المشتري، فما صحة هذا التعامل للبائع والمشتري؟

الاسم: محمد

الرَّدُّ:-

وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرَكَاتُهُ.

جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا تَعَالَى عَلَى حِرْصِكَ وَوَرَعِكَ، وَنَسْأَلُه عَزَّ شأنُهُ أَنْ يُبَارِكَ فِي رِزْقِكَ وَيُيَسِّرَ أَمْرَكَ.

الْجَوَابُ بِاخْتِصَارٍ:-

الْأَصْلُ أَنَّ الْبَيْعَ بِالتَّقْسِيطِ جَائِزٌ شَرْعًا إِذَا تَوَافَرَتْ شُرُوطُهُ، وَكَانَ الثَّمَنُ مَعْلُومًا، وَالْأَجَلُ مُحَدَّدًا، وَانْتَفَتِ الزِّيَادَةُ الرِّبَوِيَّةُ عِنْدَ التَّأَخُّرِ فِي السَّدَادِ.

أَمَّا اسْتِعْمَالُ الْمَنَصَّةِ الْإِلِكْتُرُونِيَّةِ بِوَصْفِهَا وَسِيلَةً لِتَحْصِيلِ الْأَقْسَاطِ وَتَنْظِيمِهَا وَحِفْظِ الْحُقُوقِ، فَلَا حَرَجَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ الْأَصْلُ، إِذَا كَانَتِ الْعُمُولَةُ مَعْلُومَةً لِلطَّرَفِ الَّذِي يَتَحَمَّلُهَا، وَكَانَتْ مُقَابِلَ خِدْمَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، وَلَمْ تَتَضَمَّنْ قَرْضًا رِبَوِيَّا أَوْ بَيْعًا لِلَّدَيْنِ أَوْ شَرْطًا مُحَرَّمًا.

التَّفْصِيلُ:-

إِنَّ الْبَيْعَ فِي أَصْلِهِ مِنَ الْمُعَامَلَاتِ الْمُبَاحَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:

{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275].

وَلِقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ:-

 {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29].

وَالْبَيْعُ الْمُؤَجَّلُ أَوِ الْمُقَسَّطُ دَاخِلٌ فِي هَذَا الْأَصْلِ الْعَامِّ إِذَا انْضَبَطَ بِضَوَابِطِهِ الشَّرْعِيَّةِ.

وَعَلَيْهِ؛ فَإِنَّ الصُّورَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي السُّؤَالِ لَهَا جِهَتَانِ: جِهَةُ عَقْدِ الْبَيْعِ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي، وَجِهَةُ خِدْمَةِ الْمَنَصَّةِ فِي تَحْصِيلِ الْأَقْسَاطِ وَإِدَارَةِ الْعَمَلِيَّةِ.

أَمَّا عَقْدُ الْبَيْعِ بِالتَّقْسِيطِ فَصَحِيحٌ إِذَا اتَّفَقَ الطَّرَفَانِ عِنْدَ الْعَقْدِ عَلَى ثَمَنٍ وَاحِدٍ مَعْلُومٍ، وَمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، وَأَقْسَاطٍ مُحَدَّدَةٍ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تُفْرَضَ زِيَادَةٌ بِسَبَبِ التَّأَخُّرِ فِي السَّدَادِ.

وَأَمَّا نِسْبَةُ الِاسْتِقْطَاعِ الَّتِي تَأْخُذُهَا الْمَنَصَّةُ أَوِ الْجِهَةُ الْمُنَظِّمَةُ، فَإِنْ كَانَتْ أُجْرَةً مَعْلُومَةً عَلَى خِدْمَةٍ مُبَاحَةٍ؛ كَإِدَارَةِ الْحِسَابَاتِ، وَتَحْصِيلِ الْأَقْسَاطِ، وَتَوْثِيقِ الْعَمَلِيَّةِ، وَحِفْظِ حُقُوقِ الطَّرَفَيْنِ، وَكَانَتْ مَعْلُومَةً وَمَقْبُولَةً مِمَّنْ يَتَحَمَّلُهَا، فَهِيَ فِي حُكْمِ الْأُجْرَةِ عَلَى الْخِدْمَةِ، وَلَا يَظْهَرُ فِيهَا مَانِعٌ شَرْعِيٌّ.

لَكِنْ يُشْتَرَطُ فِي ذَلِك أَلَّا تَكُونَ هَذِهِ النِّسْبَةُ مُقَابِلَ تَمْوِيلٍ رِبَوِيٍّ، أَوْ شِرَاءِ دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ بِنَقْدٍ مُعَجَّلٍ أَقَلَّ مِنْهُ، أَوْ تَرْتِيبِ عَقْدِ قَرْضٍ عَلَى الْمُشْتَرِي أَوِ الْبَائِعِ بِزِيَادَةٍ مُحَرَّمَةٍ؛ فَإِنْ دَخَلَتِ الْجِهَةُ الثَّالِثَةُ مُمَوِّلَةً بِالرِّبَا أَوْ مُشْتَرِيَةً لِلَّدَيْنِ فَحِينَئِذٍ تَتَغَيَّرُ الصُّورَةُ، وَيُمْنَعُ التَّعَامُلُ بِهَا لِمَا فِيهَا مِنْ شُبْهَةِ الرِّبَا أَوْ حَقِيقَتِهِ.

كَمَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ عَالِمًا بِالِاسْتِقْطَاعِ وَرَاضِيًا بِهِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ حَقٌّ لَهُ، فَإِذَا كَانَ يَبِيعُ السِّلْعَةَ بِخَمْسِمِائَةِ أَلْفٍ مَثَلًا ثُمَّ لَا يَصِلُهُ مِنْهَا إِلَّا مَا بَعْدَ خَصْمِ الْعُمُولَةِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْلُومًا لَهُ دَاخِلًا فِي حِسَابِهِ عِنْدَ التَّسْعِيرِ وَالتَّعَاقُدِ. أَمَّا إِذَا كَانَ غَافِلًا عَنْهُ أَوْ لَمْ يُبَيَّنْ لَهُ، فَالْوَاجِبُ بَيَانُ الْأَمْرِ لَهُ، وَتَحْقِيقُ التَّرَاضِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي أَوِ الْجِهَةِ الْمُنَظِّمَةِ؛ دَفْعًا لِلْغَرَرِ وَالضَّرَرِ.

وَمِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُ سيِّدِنَا رَسُولِ صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم:-

(لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ) الأئمةُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَ قُطْنِيُّ وَغَيْرُهُمَا رَحِمَهُمَ اللَّهُ تَعَالَى جَمِيعًا.

وَهِيَ قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ فِي الْمُعَامَلَاتِ، وَمَعْنَاهَا أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَا تُقِرُّ إِلْحَاقَ الضَّرَرِ بِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَلَا تَجْعَلُ الْوَسَائِلَ الْحَدِيثَةَ سَبَبًا لِأَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ أَوْ إِنْقَاصِ حُقُوقِهِمْ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ وَرِضًا.

الْخُلَاصَةُ:-

يَجُوزُ الْبَيْعُ بِالتَّقْسِيطِ عَبْرَ الْمَنَصَّةِ الْمَذْكُورَةِ إِذَا كَانَ الْبَيْعُ حَقِيقِيًّا، وَالثَّمَنُ وَالْأَجَلُ مَعْلُومَيْنِ، وَلَا تُوجَدُ زِيَادَةٌ عِنْدَ التَّأْخِيرِ، وَكَانَتْ عُمُولَةُ الْمَنَصَّةِ مَعْلُومَةً وَمَرْضِيًّا بِهَا، وَمُقَابِلَةً لِخِدْمَةٍ مُبَاحَةٍ، وَلَمْ تَكُنْ حِيلَةً عَلَى الرِّبَا أَوْ شِرَاءً لِلَّدَيْنِ. فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ وَجَبَ تَصْحِيحُ الْمُعَامَلَةِ أَوْ تَرْكُهَا بِحَسَبِ مَوْضِعِ الْخَلَلِ.

وَيَنَبَغِي لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي تَوْثِيقُ الثَّمَنِ الْإِجْمَالِيِّ، وَعَدَدِ الْأَقْسَاطِ، وَمَوَاعِيدِهَا، وَمِقْدَارِ الْعُمُولَةِ، وَمَنْ يَتَحَمَّلُهَا؛ حَتَّى تَنْتَفِيَ الْجَهَالَةُ وَيَحْصُلَ التَّرَاضِي الْكَامِلُ بَيْنَ الْأَطْرَافِ.

وَاللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ وَعَمَّ نَوَالُهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.

وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ الْجُودِ وَالْكَرَمِ.