8/3/2022
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته سيدي العزيز.
أرجو من الله العلي القدير أنْ تكونوا بأحسن حال وأتمّ عافية.
سؤالي قربان:-
ما هي الآداب التي ممكن أنْ يتأدب بها السالك أو السالكة عند تشريف المرشد لأي محافظة أو منطقة؟
الاسم: أم محمد
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
شكرا جزيلا على تعلّقك المبارك بهذا الموقع الطيّب، وأسأله جلّ في علاه أنْ يوفقك لكلّ خَيْر، ويدفع عنك وعن زوجك وذريتك كلّ ضَيْر، إنّه سبحانه قريب مجيب.
إنَّ الحرص على التأدّب وتحسين الخُلُقِ مع السادة المرشدين وأهل العلم وعامّة الأمّة رضي الله عنهم وعنكم من علامات الخيرية فقد قال الله تعالى مشيدًا بفضل حضرة خاتم النبيّين عليه أكمل الصلاة والتسليم وآله وصحبه أهل الخير العظيم:-
{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [سورة القلم: 4].
وقال عليه أزكى الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام:-
(أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَسَكَتَ الْقَوْمُ، فَأَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، قَالَ الْقَوْمُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَحْسَنُكُمْ خُلُقًا) الإمام أحمد رحمه الحق الصمد جلّ جلاله، وأصل الحديث متفق عليه.
وينبغي أنْ يتخلّق طالب العلم والسالك بجملة كثيرة من الآداب التي ذكرها أهل العلم رضي الله تعالى عنهم وعنكم تأسيًا بالملائكة الكرام في إنزال الناس منازلهم فقد قال عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الأعلام:-
(وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ) الإمام أبو داود رحمه البر الودود سبحانه.
فإذا كان من أدب الملائكة عليهم السلام وضع الجناح على الأرض تعظيما لطالب العلم، فكيف بالعالم، وكيف بالوارث النبوي الكامل والمرشد الواصل، لا شكَّ أنَّهم أشدّ تعظيما وتكريما.
إنَّ طلوع بدر المرشد على البلاد أضحى في عصرنا هذا نادرا؛ لكثرة مهامّه في الدعوة إلى ربِّ العالمين جلّ جلاله، وضيق الأوقات، عن القيام بها.
فطلوعهم رضي الله جلَّ وعلا عنهم كما قيل:-
وَيَظْهَـرُ فِي تِـلْـكَ البِلَادِ حَبِيْبُ *** كَمَا البَدْرُ يَبْدُو لَـيْـلَـةً وَيَغِـيْـبُ
فَبَادِرْ لِنَهْلِ النُّوْرِ حِيْنَ بُزُوْغِهِ *** تَفُزْ بِالمُنَى وَالقَلْبُ مِنْكَ يَطِيْبُ
فعلى السالك تحيّن تلك الفرص واستثمارها فيما يقرّبه من الحقّ جلَّ جلاله وعمَّ نواله.
وممّا لا شكّ فيه أنّ طلبة العلم والسالكين يجب عليهم الالتزام بالآداب والأخلاق الفاضلة التي تعكس حقائق ما تعلّموه، والذكر الذي داوموا عليه، والشيخ الذي لازموه، فبالآداب والأخلاق ينال العبد رفيع الدرجات عند ربّ الأرض والسموات، وحسن الخلق دليلُ كمالِ الإيمان.
فقد قال عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الأعلام:-
(أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِنِسَائِهِمْ) الإمام الترمذي رحمه الله تبارك اسمه.
وقال الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله جلّ شأنه:-
(نَحْنُ إِلَى قَلِيْلٍ مِنَ الأَدَبِ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَى كَثِيْرٍ مِنَ العِلْمِ).
ومن الشواهد:-
أوّلا: قصّة سيّدنا يوسف عليه السلام في استقبال والده ومربّيه سيّدنا يعقوب عليه السلام.
قال الله جلّ جلاله:-
{فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ —} [سورة سيّدنا يوسف عليه السلام: 99 – 100].
ففي هذه الآية الكريمة آدابٌ منها:-
1- المبادرة إلى ما يظهر الحبّ والتقدير من المعانقة والالتزام، وهذا يفهم من قوله {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ}.
2- الخروج في الاستقبال إلى أطراف المدينة نحو الجهة التي يقدم منها أهل الفضل، {وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} فهذا دليل على أنّه استقبلهم خارج مصر، وأنّه هيّئ لاستقبالهم مكانًا ترحيبًا بهم {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ} أي دخلوا إلى المكان المُعَدّ لاستقبالهم خارج مصر.
3- اختيار الكلمات الترحيبية الجميلة المبشّرة والتي تنشرح لها الصدور {وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ}.
4- المبالغة في الإكرام وإنزال النّاس منازلهم {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ}.
ثانيا: فعلُ أهل المدينة المنورة حين تشرّفوا بحضرة خاتم النبيين عليه الصلاة والتسليم وآله وصحبه الميامين.
فعن سيّدنا البراء رضي الله تعالى عنه قال:-
(— فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ لَيْلًا، فَتَنَازَعُوا أَيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَنْزِلُ عَلَى بَنِي النَّجَّارِ، أَخْوَالِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أُكْرِمُهُمْ بِذَلِكَ، فَصَعِدَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَوْقَ الْبُيُوتِ، وَتَفَرَّقَ الْغِلْمَانُ وَالْخَدَمُ فِي الطُّرُقِ، يُنَادُونَ: يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللهِ، يَا مُحَمَّدُ يَا رَسُولَ اللهِ) الإمام مسلم رحمه المنعم جلّ وعلا.
وفي رواية عند الإمام البيهقي رحمه الله عزّ وجلّ:-
(لَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمَدِينَةَ جَعَلَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ يَقُلْنَ:-
طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا *** مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعْ
وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا *** مَا دَعَا لِلَّهِ دَاعْ).
فياله من منظر مهيب قد ملئت القلوب فيه انشراحًا وسرورًا بمقدم سيّد الكونين والثقلين عليه الصلاة والسلام وعلى آله وصحبه الكرام.
قال سيّدنا أنس رضي الله تعالى عنه يصف هذا المشهد:-
(لَمَّا كَانَ اليَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَدِينَةَ أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ) الإمام الترمذي رحمه الله جلّ جلاله.
وقال سيّدي وسندي حضرة الشيخ عبد الله طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه:-
فَإِذَا الحَنَاجِرُ لِلْنَّبِيِّ غِنَاؤُهَا *** وَإِذَا النَّشِيْدُ تَحِيَّةٌ وَسَلَامُ
ثالثا: فعل عموم المسلمين في عهود السعادة فرحًا وسرورًا لقدوم الصالحين رضي الله جلّ وعلا عنهم وعنكم.
ذكر الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمة الإمام البخاري رضي الله سبحانه عنه:-
(وقال محمد بْن حمدون بْن رُسْتُم: سمعت مسلم بن الحجاج يقول للبخاري: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين وطبيب الحديث فِي عِلَله…
وقال محمد بن يعقوب بْن الأخرم: سمعت أصحابنا يقولون: لمّا قدِم الْبُخَارِيّ نَيْسابور استقبله أربعة آلاف رَجُل عَلَى الخَيْل، سوى مَنْ ركب بَغْلا أو حمارًا، وسوى الرّجالة) كتاب تاريخ الإسلام (6/140).
فانظر إلى الأدب الجمّ من الإمام مسلم تجاه شيخه الإمام البخاري رضي الله تعالى عنهما وعنكم، وإلى هذا الاستقبال المهيب من أهل نيسابور.
رابعا: لم تخلُ الأمّة حتى في هذا الزمان من صور إكرام ورّاث سيّدنا النبيّ العدنان على حضرته وآله وصحبه الصلاة والسلام من الرحيم الرحمن جلّ في علاه، لكنّها نادرة نسأل الله تعالى أنْ يجعلها شائعة.
أروي سماعًا عن فضيلة الشيخ إسماعيل عبد الله السلطان التكريتي عليه رحمة الله جلَّ جلاله أنّه قال:-
لمّا شرّف حضرة الشيخ عبد الله الهرشمي قدّس سرّه العزيز مدينة تكريت نَدِمْتُ على شيء لم أفعله، فسألناه: على ماذا نَدِمْتَ؟
فقال: نَدِمْتُ أنّي لم أفرش الطريق وردًا في استقباله رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
وهذا كلام حقٌّ دلّت عليه نصوص الشرع الشريف فقد قَالَ سيّدنا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ تعالى عَلَيْهِ وعلى آله وصحبه وَسَلَّمَ:-
(أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ) الإمام أبو داود رحمه الودود سبحانه.
وقَالَ:-
(لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا) الإمام أحمد رحمه الأحد سبحانه.
وفي رواية أخرى قال:-
(وَيَعْرِفُ لَنَا حَقَّنَا) الإمام الطبراني رحمه الله جلّ وعلا.
ويطيب لي أنْ أنقل من كتاب (تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلّم) للإمام الحافظ ابن جماعة رحمه الله تعالى:-
(الفَصْلُ الثَّانِي فِي آدَابِهِ مَعَ شَيْخِهِ وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ عَظِيْمِ حُرْمَتِهِ).
(أَوَّلًا: أَنْ يُبَالِغَ فِي حُرْمَتِهِ ويَتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِخِدْمَتِهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ تَوَاضُعَهُ لَهُ رِفْعَة.
ثَانِيًا: أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى الشَّيْخِ فِي غَيْرِ المَجْلِسِ العَامِّ إِلَّا بِاسْتِئْذَانٍ، سَوَاءٌ كَانَ الشَّيْخُ وَحْدَهُ أَوْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ، فَإِن اسْتَأْذَنَ بَحَيْثُ يَعْلَمُ الشَّيْخُ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهْ انْصَرَفَ وَلَا يُكَرِّرُ الاسْتِئْذَانِ، وَإِنْ شَكَّ فِي عِلْمِ الشَّيْخِ بِهِ فَلَا يَزِيْدُ فِي الاسْتِئْذَانِ فَوْقَ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ.
ثَالِثًا: يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ عَلَى الشَّيْخِ كَامِلَ الهَيْئَةِ مُتَطَهِّرَ البَدَنِ وَالثِّيَابِ نَظِيْفَهُمَا مُتَعَطِّرًا.
رَابِعًا: يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ عَلَى الشَّيْخِ أَوْ يَجْلِسَ عِنْدَهُ وَقَلْبُهُ فَارِغٌ مِنَ الشَّوَاغِلِ لَهُ، وَذِهْنُهُ صَافٍ؛ لِيَنْشَرِحَ صَدْرُهُ لِمَا يُقَالُ وَيَعِي مَا يَسْمَعُهُ.
خَامِسًا: أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَ يَدَيّ الشَّيْخِ إِنْ أَذِنَ لَهُ بِالزِّيَارَةِ وَالمُجَالَسَةِ جِلْسَةَ الأَدَبِ بِتَوَاضُعٍ وَخُضُوْعٍ وَسُكُوْنٍ) (ص:72-87) باختصار وتصرّف.
وأنصح السالكين بما يلي:-
1- لا يذيع أمر وجود حضرة المرشد رضي الله تعالى عنه وعنكم إن تحرج من ذلك.
2- يحافظ على وقت شيخه وموعده الذي واعده به ولا يعلن عنه إن كان اللقاء خاصا.
3- يبادر إلى خدمته وقضاء حوائجه قبل أنْ يطلبها، إنْ أُذِنَ له.
4- يحرص عند لقاء شيخه على تصفية قلبه من خواطر الاعتراض.
5- يعاهد ربّه سبحانه في سرّه لتطبيق توجيهات وإضاءات مرشده دون تأخير، ويوصل المعلومة لمَنْ يحتاجها.
ولمزيد استفادة أرجو مراجعة الجواب المرقم (1826) في هذا الموقع المبارك.
والله الغني الحميد أعلم.
وصلّى الله تعالى وبارك وسلّم، على صاحب الخلق العظيم، والفيض العميم، وعلى آله وصحبه البررة الكرام، وعلى التابعين لآدابهم المتخلقين بأخلاقهم على الدوام.