16/3/2022
نص السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
سيّدي أسأل الله تعالى لكم الصحة والعافية والعمر المديد خدمة لمنهج التجديد الذي رسمتموه، وأنْ يمكنكم لما فيه خير العباد والبلاد.
سيّدي تواجه مساجدنا جملة من المشاكل ولم نجد لها حلا حتّى مع المؤسسة المسؤولة عن إدارة المساجد منها -:
1- استئثار عدد من الأئمة على المنبر والمحراب وعدم فسح المجال لمَنْ معهم في المسجد وتقييدهم مع أنّ قسمًا منهم لم يحصل على أهلية المجلس العلمي للخطابة.
2- قيام بعض الخطباء بإعادة تكليفهم بمهمّة الإمامة والخطابة بعد إحالتهم على التقاعد بالرغم من عجز بعضهم عن أداء هذا الدور بسبب كبر سنّهم، والسبب الرئيس هو من أجل البقاء في سكن الجامع، ومن أجل الاستفادة من صندوق التبرّعات المخصّص للجامع.
3- تمسّك بعض المتقاعدين بالدار المخصصة بعد إحالتهم على التقاعد.
4- أصبح صندوق التبرّعات في المسجد موردًا يصرفه بعضهم لنفسه ولا يسمحون بتشكيل لجنة تشرف على صرفيات هذه الصناديق.
5- يستعين بعض هؤلاء بأموال التبرّعات المخصصة للمسجد من أجل إسكات الجهة المسؤولة لتغضّ النظر عن هذه المخالفات، ومن أجل أنْ تسير الأمور وفق ما يشتهون دون مراعاة للجوانب الشرعية التي تنهى عن كلّ ذلك فهم يأمرون الناس بالبرّ وينسون أنفسهم.
فأرجو من حضرتكم بيان الحكم الشرعي لمثل هؤلاء، وكيف يمكن حلّ هكذا إشكالات؟
وجزاكم الله تعالى خيرًا
الاسم: منير كاظم حسن
وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته.
أسأله جلّ في علاه أنْ يجزيك خير الجزاء، ويرزقك رضاه، ويجمّلك بتقواه، إنّه سبحانه لا يردّ مَنْ دَعَاه، ولا يخيّب مَنْ رَجَاه.
للمساجد في الإسلام رسالة عظيمة ينبغي الاجتهاد لإحيائها، ولمعرفة المزيد أرجو الاستماع إلى محاضرات المساجد الموجودة في هذا الموقع الكريم.
والسادة المشايخ هم أولى النّاس بالعناية بذلك، أمّا أنْ يستأثر أحدهم بكلّ شيء دون إخوانه الذين يعملون معه، شاغرًا دارَ المسجد حتّى بعد التقاعد، متصرّفًا بالتبرّعات خلافا للضوابط الشرعية، ويدفع الرِّشَى، فكلّ ذلك محرّم من وجوه عدّة.
وَمِثْلُ هؤلاء مُحارِبون لرسالة المسجد ويصدّون عن سبيل الله تعالى.
فينبغي عليهم التوبة والإقلاع فورًا عمّا يفعلون.
والجهات الإدارية المعنيّة بالمساجد والأوقاف تتحمّل كامل المسؤولية الشرعية والقانونية تجاه هذه المخالفات.
قال الله جلّ في علاه:ـ
{وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [سورة الجن: 18].
وقال جلّ شأنه:ـ
{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ} [سورة النور: 36 – 37].
الأصل في صحّة التصرّفات الاعتصام بهدايات الشريعة الغرّاء، ثمّ تكتسب هذه الأعمال كمالًا وجمالًا وأثرًا فاعلًا بالتقوى والورع، ومَنْ حادَ عن ذلك فلا عجب أنْ يصدر منه ما يخالف الشرع الشريف وإنْ كان إمامًا في مسجد.
ومن أصول شريعتنا الغرّاء أنْ تكون المساجد منارات لترسيخ ونشر هدايات التزكية والتقوى؛ قال سيّدي وسندي حضرة الشيخ عبد الله الهرشمي طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه:ـ
(إنّ المساجد هي المنابر لتعميم التربية الروحية للإسلام والعلماء المسلمون، أيًّا كان مجال اختصاص أيّ منهم، هم من أوائل مَنْ يجب عليهم أنْ يتثقّفوا بثقافة الروح في الإسلام، ثمّ أنْ ينهضوا بأجيال المسلمين شيبهم وشبّانهم باثّين إليهم أصول هذه الثقافة العصماء وغارسين أقاحيها في مواضع الخصب من أفكارهم وحاملين أمامهم مشكاة المصابيح إلى أبواب الاعتصام بالكتاب والسنّة حتى تخشع القلوب لذكر الله على منازل الذكر ومقام الإحسان فتأبى النفوس الكفر والذلّ والهوان) معالم الطريق في عمل الروح الإسلامي ص180.
والإمام والخطيب دوره فاعل في هذا المجال، فأنّى له ذلك إذا كانت نيّته طلب الدنيا الفانية والتشبّث بها؟!
وكيف له أنْ يخدم رسالة المسجد التي جعلها الله جلّ جلاله ذات أثر كبير وفاعل في حياة الأمّة؟!
وإنّما أثرها يكون بتفعيل الجانب الروحي في المسلم ليكون صالحًا في نفسه، مصلحًا لغيره.
وإنّ ممّن شرّفهم الله عزّ وجلّ من عباده أولئك الذين اختارهم لخدمة بيوته ووفّقهم للسكن فيها ليكونوا قريبين منها، مسارعين في خدمتها في الجوانب الروحية والعلمية التي تخصّ عُمّارها وروّادها، كذا خدمتها في الجوانب الفنيّة المتعلقة بصيانتها وتطهيرها والمحافظة عليها، والنصوص الواردة في بيان هذه المعاني كثيرة جدًّا، وقد تشرّفنا بذكر الآيتين في مطلع الجواب ففيهما بيان النسبة الشريفة للمساجد، فنسبتها لله العظيم الواحد الذي أذِن برفعها بكلّ ما تحمل هذه الكلمة من معانٍ جميلة سامية، ولا بُدّ للعاملين والخادمين فيها أنْ يكونوا بمستوى هذا الارتقاء فيرتفعوا عن حظوظ النفس ومطامع الدنيا، غايتهم الله تبارك في علاه، منشغلين بذكره سبحانه لا تلهيهم لعاعة الدنيا، متطلعين لدار البقاء والخلود، ومِثْلُ هؤلاء يوفّقون لخدمة النّاس وتفعيل طاقاتهم الروحية والعلمية والمادية بما يحقق مصالحهم.
وفيما يأتي بيان ما يتعلّق بالفقرات الواردة في السؤال:ـ
1ـ في البدء ينبغي أنْ يسود في المسجد جوّ المحبة والأخوّة، دون الحسد والبغي وسوء الظنّ، وأخصّ بذلك العاملين فيه، فبالمحبة والنصيحة المليئة بالرحمة والحكمة واللطف نستطيع التخلّص من أكثر المشكلات، والمسلم الصادق لا يُنافس أخاه بل يتفانى في مساعدته، فإنْ أذِنَ له فبها ونعمت، وإلّا يزهد في ذلك ويدعو لأخيه بالصلاح.
عَنْ سيّدنا أبي العباس سهل بن سعدٍ الساعدي رضي الله تعالى عنه قال:ـ
(أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا أَنَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللَّهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّكَ النَّاسُ) الإمام ابن ماجه رحمه الله جلّ وعلا.
ومن المهم جدًّا أنْ نكتم هذه الخلافات حتى لا يشعر بها روّاد المسجد وإلّا انعكس ذلك سلبًا عليهم، وأثّر كثيرًا على استقبالهم وتأثرهم بما يسمعون من مواعظ ونصائح في دينهم ودنياهم.
ومن المعلوم أنّه ينبغي لمَنْ يتصدّر للإمامة والخطابة أنْ يكون مؤهلًا لذلك، يمتلك المقوّمات الأساسية المعروفة من الناحية الشرعية.
أمّا ما يخصّ أهليّة المجالس العلمية فهذا أمر إداري تنظيمي نشجّعه، وأسأل الله تعالى أنْ تكون منضبطة وفق القواعد الصحيحة التي تمنح الأهلية لمستحقيها من غير محسوبية، ولا تضع العراقيل أمامهم.
2ـ الدعوة إلى الله عزّ وجلّ لا ترتبط بالوظيفة وتنتهي بالتقاعد بل قد يكون المسلم الصادق أكثر فاعلية بعد التقاعد، كما إنّ الحرص على خدمة النّاس شيءٌ طيّب؛ أمّا أنْ تكون النيّة هي التشبّث بدار المسجد أو الإفادة من صندوق التبرّعات فهذا أمر محزن لما فيه من مخالفات شرعية خطيرة، إذ إنّ الوقف شأنه خطير، وإنّ الاعتداء عليه بأيّ صورة جريمة عظمى؛ لأنّه يأتي على الأهداف التي يسعى الإسلام لتحقيقها من الوقف فيهدمها.
وإنّ التعلّق بدار المسجد والتصرّف بالتبرّعات المدفوعة إليه تهدم تلك الأهداف وتعطّل تلك الغايات، ومن هنا جاءت النصوصُ عامّةً وخاصّةً بالوعيد الشديد في الاعتداء على الأوقاف، ومنها قول الله جلّ في علاه:ـ
{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [سورة البقرة: 188].
وإنّي لأفهم من هذه الآية المباركة أنّ مقام الحكّام ومراتبهم عالية ولكن حين يَقْبَلُوْن الرِّشى ينزلون إلى أسفل سافلين؛ فانظروا يا رعاكم الله إلى قوله تعالى {وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ}؛ فالتصوير الفني للآية الكريمة تصف لنا الحكّام وقد صاروا في ظلمات وكأنهم في بئر، والدلو مفهوم في هذا السياق والمجال، فكأنهم سقطوا في بئر الظلمات والمخالفات، والمرتشي يُدلي لهم برشوته.
إذن في الآية المباركة نهي صريحٌ عن أكل أموال الناس بالباطل، ومنها مال الوقف فهو مالٌ محترم، قد خصّصه صاحبه ليكون قربةً له عند الله عزّ وجلّ، تدرُّ عليه الحسنات وتستمر، وتكون أغراضه وغلّاته تحقّق الغرض الصحيح من نفع المسلمين، وبالاعتداء عليه تُهدَم هذه المقاصد، وكلّ ذلك ممنوع في شريعة الإسلام.
وإنّ هذا التوجّه عند بعض الأئمة والخطباء -إن استحلّوا ذلك- هو اقتفاء لآثار اليهود والنصارى الذين ذمّهم الله سبحانه بقوله الكريم:ـ
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [سُورَةُ التَّوۡبَةِ: 34].
وهي صورة من صور ما حذّر منه الحبيب المصطفى صلّى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلّم بقوله الشريف:ـ
(لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُم شِبْرًا بشبْر، وذراعًا بذراع، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْر ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ؛ قلنا: يا رسول الله؛ اليهودُ والنَّصارى؟ قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: فَمَن؟!) الإمام البخاري رحمه الله جل جلاله.
وهنا يطيب لي أنْ أروي عن جدّ أولادي “الحاج عبد الرزاق العسّاف” رحمة الله تعالى عليه، قال:-
في أربعينيات القرن المنصرم كان لليهود وجودٌ في بغداد، فإذا حصل خلاف بين يهودي ومسلم، هدّد المسلم بقوله: سترى ما أفعل بك، سوف أمسك عصفورًا وألطّخه بتراب الوقف ثمّ أرميه في دارك.
وهذه كناية عن عِظم حرمة أموال الوقف، ومدى خطورتها إذا صارت في بيت إنسان بغير وجه حق.
ولمزيد اطلاع أرجو مراجعة جواب السؤال المرقم (2787) في هذا الموقع المبارك.
3ـ لا ينبغي لمَنْ أحيل على التقاعد أنْ يتمسّك بدار المسجد لأنّها وقفٌ للعاملين فيه، ولا يجوز التصرّف فيه إلّا بالضوابط الشرعية.
وبهذه المناسبة أشجّع جميع السادة الأئمة والخطباء إلى بذل الجهود لتحقيق ذواتهم من الناحية المادية والتفكير بجدية للحصول على سكن خاصّ بهم وبأسرهم، وعدم الاعتماد بتاتًا على الدُّوْر التي يسكنوها لأنّ ذلك يؤثّر سلبًا على أحوالهم الروحية والمعاشية والوظيفية، وعلى المساجد ورسالاتها، فتسقط الأمّة في حضيض التخلّف والاندثار عقيدة وسلوكا.
4ـ ينبغي للإمام أنْ يكون نزيهًا يبتعد عن الشبهات، متمسّكًا بهدي سيّد السادات عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه ذوي المكرمات.
عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا:-
(أَنَّ صَفِيَّةَ – زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي المَسْجِدِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ المَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ، مَرَّ رَجُلاَنِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، فَقَالاَ: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا) الإمام البخاري رحمه الباري سبحانه.
وقد يظنّ البعض أنّ تشكيل لجنة من روّاد وموظفي المسجد لمتابعة أمر صندوق التبرعات يدفع الشبهات؛ والحقّ أنّ الإمام والخطيب إذا قام بدوره المطلوب من ترتيب وتطهير المسجد وإحياء رسالته حتى يرى المصلي آثار تبرّعه فيه دعوة وتعليمًا وإرشادًا وطهارةً…. إلى غير ذلك؛ فإنّ هذه الأمانة الطيّبة تغنيه عن تشكيل لجنة قد لا يتفق أعضاؤها لعدم الانسجام الفكري بينهم، أو لفقدان بعضهم معالم التقوى والورع.
إنّ الحديث في هذا الباب ذو شجون؛ فالعجب كلّ العجب من بعض المصلين إذا رأوا أثر النعمة على الإمام قالوا: من أين له هذا؟
يستكثرون على الإمام والخطيب أن يركب مركبا لطيفا أو أن يكون له بيت مستقل يأوي إليه مع أسرته.
أليس الإمام والخطيب موظفًا؟
أليس هو كسائر الناس قد يأتيه إرث من أرحامه؟
أو ربما يعمل عملا آخر هو أو أحد أبنائه أو بناته، فالعمل طابع عام لعصرنا الحالي كما هو معلوم؛ وأغلب الناس يعملون بوظيفة أو أكثر؛ فلماذا العجب والاستنكار؟! أليس الواجب أنْ يدعى له بالزيادة والتوفيق والهناء؟
وإنّ ممّا يُحزن القلب أنْ نسمع هذه التُّهَم توجّه لأهل المساجد القائمين عليها ولا نسمع عشر معشارها لحكّام فاسدين مفسدين أو لأغنياء يبذلون أموالهم بسخاء لأهل اللهو والفجور.
وفي موضوع صناديق التبرّعات جانبان:-
الأول:- يخص الإمام والخطيب فقد يكون فعلا قد ولج حمى الشبهات ولم يُثبت نزاهته أمام مصليه.
وهذا أنصحه بأنْ يُراجع نفسه ويتوب إلى الله تبارك وتعالى.
الثاني:- يخص بعض المصلين فهم لا يريدون الخير لأحد حتى لو كان إمامهم، وهذه انتكاسة فطرية وشرعية خطيرة جدّا، فهي مخالفة لكلّ مبادئ الدين الحنيف من حيث الأخوة والتعاون والبذل والعطاء ومعرفة حقّ العالِم.
فهؤلاء أيضا أنصحهم بالتوبة، وإحسان الظنّ بعموم المسلمين وأخصّ الإمام والخطيب الذي يخدمهم وينوب عن نبيّهم وحبيبهم الكريم عليه وآله وصحبه أفضل صلاة وتسليم في بث هدايات دينهم العظيم وترسيخها في قلوبهم وعقولهم.
5ـ الذي أفهمه من نصوص الشرع الشريف: إذا كانت الجهات الوقفية المسؤولة عن إدارة المساجد لا تعطي العاملين فيها -لا سيما الإمام والخطيب- ما يكفي، فهم أوّل مَنْ يجب أنْ يستفيدوا لأنّ المكان بالمكين، لكن بضابط الحاجة، وهي تقدّر بقدرها.
فإن كانت الحاجة تعوّقه عن أداء رسالته فليأخذ بالمعروف، ولا يعني هذا إطلاق يده بدون ضوابط.
وأذكر في هذا الباب أنّ سيّدي وسندي حضرة الشيخ عبد الله الهرشمي طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه مرّة قبل السلوك ـ إذ أجّلني سنة كاملة حتى قَبِلَنِي ـ سألني عن وضعي الماديّ، فقلتُ: أعمل مع الحاج زيدان رحمه الله تعالى في مجال الكهرباء، فتأثّر كثيرًا واغرورقت عيناه ثمّ قال:-
أين وقفة الأغنياء من حراسة حُرْمة العلماء؟! ثمّ أردف قائلا:-
المفروض أنْ يتفرّغ العالِمُ لمسؤولياته، والعمل ليس عيبًا لكنّه قد يكون سببًا في تهاون البعض منه فيؤثّر ذلك على هيبته ومكانته في المسجد فلا تُسمَعُ له كلمة.
فالمحافظة على مكانة الإمام والخطيب مطلوبة لأنّها امتداد لوظيفة حضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وآله وصحبه الكرام.
وفي عصور السعادة كان يُعين بمرسوم ملكي أو أمر سلطاني، لأنّه يمثّله، ويتكلّم باسمه؛ فالسلطان في الأصل هو مَنْ يؤدي خطبة الجمعة، ويُصلّي بالنّاس إمامًا إذا حضر، ولكن لسعة دار الإسلام وكثرة المساجد ينوب عنه غيره؛ فالإمام والخطيب نائب السلطان؛ ومن هنا تجب صيانته وتهيئة كلّ الضروريات والحاجيات له.
فما قيمة أنْ يكون المسجد مفروشًا بأرقى أنواع المفروشات، ومجهّزًا بأفضل الصوتيات، وإمامه لا يُحسن تلاوة الآيات، ولا يستطيع أنْ يرقّي ويكمّل مواهبه في قيادة المسجد خطبة ووعظًا وإرشادًا لأنّه منشغلٌ بكسب قوت يومه.
ولقد روي عن الإمام الشافعي رحمه الله جل وعلا قوله:ـ
(لَوْ كُلِّفْتُ شِرَاءَ بَصَلَةٍ لَمَا فَهِمْتُ مَسْأَلَة) تَذْكِرَةُ السَّامِعِ والمُتَكَلِّم في أَدَب العَالِم والمُتَعَلِّم لابن جماعة الكناني ص71.
فالواجب الارتقاء بأحوال الأئمة والخطباء كي يتفرغوا لأداء رسالتهم العظمى، ويبقى الشرع الشريف هو الميزان الذي يُعرف به الحقّ من الباطل، وإنّما الأعمال بالنيّات.
6ـ التصرّف بالأموال الوقفية أثم كبير فكيف إذا استخدمت في الرشوة لتثبيت الباطل واستمرار المخالفات؛ فهذا لعَمْرُ الحقّ تعالى سقوط في هاوية الظلم والضلال نعوذ بالله سبحانه، وخيانة للأمانات التي أمر الله تقدّست أسماؤه بحفظها، أمانة الدين والوظيفة والوقف، قال جلّ جلاله:ـ
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا —} [سورة النساء: 58].
وقال نبيّنا الكريم عليه وآله وصحبه أفضل صلاة وتسليم:ـ
(أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) الإمام البخاري رحمه الله جلّ وعلا.
وللمؤسسات المعنية بشؤون المساجد والعاملين فيها أمانة المتابعة وتصحيح الأخطاء بدلاً من أخذ الرِّشَى لاستمرار المخالفات وتشجيع أهل الباطل وتمكينهم من مساجد وأوقاف المسلمين.
فإنّ من المقرّر في أحكام الشرع الحنيف أنّ الرشوة من كبائر الذنوب.
قال عزّ من قائل:ـ
{سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ —} [سورة المائدة: 42].
قال المفسّرون رحمهم الله جلّ جلاله: هو الرشوة.
وقال الله تباركت أسماؤه:ـ
{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [سورة البقرة: 188].
وعن سيّدنا عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال:ـ
(لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي) الإمام أبو داود رحمه الودود سبحانه.
7ـ ومن هنا أؤكد ضرورة ارتباط المسلم خصوصًا مَنْ تصدّر لخدمة بيوت الله جلّ وعلا بالسادة المرشدين رضي الله تعالى عنهم وعنكم لينهلوا من نور وبركات وصلهم الشريف مقومات التربية والتزكية التي تجعلهم يتطلعون لمعالي الأمور رغبة بالدار الآخرة.
ختاما يا أيّها الإمام والخطيب رعاك الله تباركت أسماؤه ينبغي عليك أنْ تحقق التوازن المفهوم من خلال القصتين المصورتين للمعاني، وهما قصّة خادمكم مع سيّدي وسندي حضرة الشيخ عبد الله مصطفى الهرشمي طيّب الله تعالى روحه وذكره وثراه، وقصّة العصفور المروية عند جدّ أولادي رحمه الله سبحانه.
أسأل الله جلّ في علاه أنْ يوفّق الأئمة والخطباء لما فيه صلاح قلوبهم وأحوالهم الروحية والعلمية والمادية بما يجعلهم أهلًا لأداء الأمانة بأمانة، ويحقّقوا في مساجدهم الرسالة التي من أجلها أنشأت واستحقت لتكون بيوتًا لله جلّت قدرته، ويهدي المؤسسات المعنية بخدمتها وخدمة الأوقاف لصيانتها وتعظيمها، واحترام وتكريم العاملين فيها، ويرزق العابثين التوبة والإنابة ويلهمهم السداد والرشاد إنّه سبحانه رؤوف بالعباد.
والله تبارك اسمه أعلم.
وصلّى الله تعالى على سيّدنا محمّد خير إمام وخطيب، وآله وصحبه أهل الكرم والطيب، وسلّم تسليمًا كثيرًا ما أشرقت شمس أو أفلت لمغيب.